رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معركة السيادة اللبنانية المعلّقة: نتنياهو يشعل جبهة الليطاني لإنقاذ حكومته؟

الرئيس اللبناني جوزيف
الرئيس اللبناني جوزيف عون- أرشيفية

رغم مرور عام تقريبًا على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل من جانب، وحزب الله والحكومة اللبنانية من جانب آخر في 26 نوفمبر 2024، إلا أن الخروقات الإسرائيلية للاتفاق ما زالت مستمرة إلى اليوم، إذ تشير العديد من المصادر الإعلامية الموالية لحزب الله إلى ارتكاب إسرائيل ما يقارب 4500 انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار.

تتشابه بنود وقف إطلاق النار في لبنان مع نظيره في قطاع غزة، خاصة في الجزئيات المتعلقة بنزع السلاح الخاص بالفصائل مثل حماس وحزب الله، وإنشاء لجنة لمراقبة الأوضاع ومدى سريان الاتفاق، وإهمال الشق المتعلق باحتلال إسرائيل أراضي من لبنان وغزة خلال الحرب الأخيرة.

حظي الاتفاق برعاية أمريكية فرنسية، وسعى إلى إبعاد عناصر الحزب إلى ما بعد نهر الليطاني أي على مسافة 40 كلم تقريبًا من الحدود مع إسرائيل، وإيكال مهمة نزع سلاح حزب الله إلى مؤسسات الدولة اللبنانية، خاصة الجيش، وأخيرًا تفكيك البنية العسكرية للحزب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قرى الجنوب اللبناني خلال مدة أقصاها 60 يومًا.

الجيش الإسرائيلي - أرشيفية
الجيش الإسرائيلي - أرشيفية

تصعيد مكثف

في الوقت الذي تتواصل فيه الجهود الدولية لتهدئة الأوضاع في قطاع غزة وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار والمضي قدمًا في تنفيذ رؤية الرئيس ترامب لإنهاء الصراع في القطاع، تواصل إسرائيل تصعيد حالة الحرب مع حزب الله في جنوب لبنان. فخلال الأسبوع الأخير شهدت مناطق جنوب لبنان العديد من الغارات المكثفة التي طالت – وفق الإعلام العبري – قيادات مؤثرة في حزب الله.

ففي 24 أكتوبر ضربت غارة إسرائيلية سيارة في بلدة "تول" بمحافظة النبطية جنوب لبنان، مما أدى إلى مقتل اثنين، أحدهما، عباس حسن كركي، قائد فرق الدعم اللوجيستي في قيادة الجبهة الجنوبية لحزب الله.

وخلال يومي 25 و26 أكتوبر أقدمت تل أبيب على اغتيال 4 عناصر منسوبة إلى حزب الله، وهم: زين العابدين حسين فتوني، القيادي في الوحدة المضادة للدروع في قوة الرضوان، وأيضًا محمد أكرم عربية، القائد المسؤول عن ترميم البنية التحتية للحزب وإعادة تأهيل قوات الرضوان وتم استهدافه بغارة جوية في منطقة القليعة بجنوب لبنان، كما تم استهداف عبد محمود السيد أحد مسؤولي الحزب في منطقة الناقورة، وأخيرًا تم استهداف، علي حسين الموسوي، الذي يعد مسؤولًا عن تهريب السلاح إلى حزب الله، إذ وصفته إذاعة الجيش الإسرائيلي بتاجر الأسلحة الذي نجح خلال الفترة الماضية في تهريب السلاح من سوريا إلى لبنان ومن ثم إلى حزب الله.

نعيم قاسم- الأمين العام لحزب الله (أرشيفية) 
نعيم قاسم- الأمين العام لحزب الله (أرشيفية) 

ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 26 نوفمبر 2024 لم تتوقف عمليات استهداف قادة حزب الله من الصف الثاني والثالث، إذ بلغ عددهم حوالي 300 شخص، في الوقت الذي تحتل فيه تل أبيب مواقع متقدمة في الجنوب اللبناني باحتلالها خمس تلال تشكل لها موقعًا استراتيجيًا متقدمًا في مواجهة أية هجمات محتملة لحزب الله.

إعادة بناء قدرات الحزب

تنظر إسرائيل إلى حزب الله بعين قلقة خوفًا من احتمال نجاح الحزب في استغلال انشغال العالم بالأوضاع في غزة ووقف إطلاق النار فيها لإعادة بناء قوته التي تدمّر جزء كبير منها خلال الحرب الماضية، خاصة بعد عمليتي "البيجر" (استهداف أجهزة النداء الآلي الخاصة بعناصر ومقاتلي الحزب) واغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله في سبتمبر 2024.

 نزع سلاح حزب الله - أرشيفية
 نزع سلاح حزب الله - أرشيفية

نص اتفاق وقف إطلاق النار على نزع سلاح حزب الله، إلا أن الخروقات الإسرائيلية المتكررة والتي تجاوزت الآلاف أعطت الذريعة والدافع للحزب في عدم الرضوخ إلى ذلك الأمر، إذ يؤكد الحزب عدم التزام تل أبيب بالقرار الدولي رقم 1701 الخاص بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان.

وهو الأمر الذي أدخله في صدام مع الحكومة اللبنانية خلال الأشهر الماضية. ففي أغسطس الماضي أعلن رئيس الحكومة نواف سلام عن خطة الجيش اللبناني المكونة من خمس مراحل لأجل نزع سلاح ميليشيات ما قبل الليطاني وإلحاق مقاتليها بالجيش اللبناني قبل نهاية العام الجاري، وهو ما وصفه الحزب بالأمر الجائر، مؤكدًا أن سلاح الحزب يخدم سيادة الدولة اللبنانية.

كشف تقرير لصحيفة لوفيجارو الفرنسية عن قيام الحزب خلال السنة الماضية ببناء شبكة كاملة تحت الأرض تهدف إلى إعادة بناء قدرات الحزب القتالية، وتلك الشبكة محاطة بالسرية التامة ويسارع الزمن لأجل إفشال خطة نزع السلاح التي وضعها رئيس الحكومة “نواف سلام”.

حكومة الحرب الإسرائيلية - أرشيفية
حكومة الحرب الإسرائيلية - أرشيفية

دوافع التصعيد الإسرائيلي

تنذر غيوم التصعيد الإسرائيلي الأخير بحرب وشيكة على مناطق نهر الليطاني جنوب لبنان، فالغارات والاغتيالات الأخيرة قد تكون مقدمة لاستفزاز حزب الله وإحراجه أمام عناصره الذين يتساقطون يوميًا، فخلال سنة تقريبًا تم استهداف أكثر من 300 عنصر من عناصر الحزب، وما تحتاجه إسرائيل حاليًا هو "الرشقة الأولى" من صواريخ الحزب لتكون ذريعة جديدة لإشعال الجبهة الشمالية التي باتت تنظر إليها على أنها التهديد الفعلي لأمن إسرائيل، خاصة بعد إسكات فصائل المقاومة في قطاع غزة وحصرها في نطاق ضيق جنوبي القطاع. لذا تتعدد دوافع الحرب المحتملة في النقاط التالية:

إحراج الحكومة اللبنانية

تسعى إسرائيل من خلال الغارات الأخيرة والتوغلات البرية – خاصة توغلها الأخير في بلدة بليدا الحدودية ومقتل موظف في منزله – إلى إحراج الحكومة اللبنانية وتذكيرها بنزع سلاح الحزب، فإما أن تقوم بيروت بهذا الأمر أو سيكون للجيش الإسرائيلي رأي آخر. ولعل هذا ما يفسر حالة التشدد التي بدا عليها رئيس الحكومة نواف سلام مؤخرًا، والتي وعد وتوعد فيها بنزع سلاح الحزب وفق الخطة المقررة والتي من المفترض أن تنتهي بنهاية العام الجاري.

وفي محاولة لرفع الحرج عن الحكومة والجيش اللبناني، كلف رئيس الجمهورية جوزيف عون قائد الجيش رودلف هيكل بالتصدي لأي عدوان إسرائيلي على مناطق الجنوب اللبناني.

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام

ويأتي تكليف "عون" في محاولة منه لحفظ ماء الوجه وإضفاء شرعية شعبية للجيش في مناطق جنوب لبنان المتضررة من التوغلات الإسرائيلية المستمرة، وأيضًا محاولة منه لإظهار الجيش اللبناني بصورة المخلص والمناصر لأهل الجنوب واكتساب شعبية تمكنه من تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله.

ولعل ما يفسر عدم جدية "عون" في التصدي للانتهاكات الإسرائيلية هو الموقف السلبي للجيش اللبناني من الاحتلال الأخير لقرى جنوب لبنان وسيطرة إسرائيل على خمس تلال داخل الجنوب ومنع سكان تلك القرى من العودة إلى ديارهم، إذ كان من الأولى لـ"عون" مطالبة إسرائيل بالجلاء عن المناطق المحتلة عام 2024.

تثبيط الخلافات الداخلية الإسرائيلية

ما إن توقفت الحرب في غزة حتى اندلعت الصراعات السياسية داخل الائتلاف الحاكم في تل أبيب، الأمر الذي حمل نذرًا وشيكة بانهيار الائتلاف والدخول في انتخابات جديدة للكنيست، خاصة بعد تصاعد الخلافات بين الليكود والأحزاب اليمينية المتطرفة حول مسألة ضم الضفة الغربية، وأيضًا الخلاف مع الأحزاب الحريدية حول مسألة تجنيد عناصر الحريديم في الجيش.

لذا قد يرى الكابينت (الحكومة الإسرائيلية) ضرورة وأهمية الدخول في حرب جديدة على النطاق الشمالي من أجل الحفاظ على وحدة واستقرار الحكومة الحالية حتى ربيع العام القادم.

 سلاح حزب الله - أرشيفية
 سلاح حزب الله - أرشيفية

تخوفات فعلية

رغم حالة الزهو والفخر التي انتابت القيادة الإسرائيلية سواء العسكرية أو السياسية عقب عمليتي "البيجر" واغتيال حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في سبتمبر 2024، إلا أن بعض القلق قد يتسرب إلى عقول رؤساء المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

فخلال العمليتين السابقتين – رغم نجاحهما المبهر والملفت – إلا أنهما قامتا بإضعاف الحزب وليس استئصال شأفته تمامًا أو حتى بتجميد قدراته القتالية وإبقائها في مستويات متدنية للغاية كما حدث مع حركة حماس في قطاع غزة.

فالتقارير الإخبارية، مثل تقرير لوفيجارو الفرنسية، تشير بوضوح إلى استغلال حزب الله أزمة أجهزة النداء الآلي (البيجر) في فرض السرية الشديدة على تحركاته، وأن قيادته الجديدة غير المعروفة إسرائيليًا بدأت في تغيير تكتيكات وأنماط الحزب القتالية، وأن الحزب استغل الفترة من نوفمبر 2024 في إعادة بناء ترسانته العسكرية من جديد.

وختامًا:

يمكن القول إن إسرائيل ارتكبت خطأً استراتيجيًا في عام 2024 حينما لم تُجهز تمامًا على قدرات حزب الله بعد عملية البيجر، كما أنها كشفت أوراقها الاستخباراتية للحزب الذي بات أكثر سرية في تحركاته الأخيرة، وقد يفاجئ تل أبيب – إذا اندلعت المواجهة – بأنماط وتكتيكات جديدة غير التي عرفتها إسرائيل عن الحزب طوال العقود الماضية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء