رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

غزة بين دمار الحرب وعدالة التعويض.. هل تُجبر إسرائيل على دفع الثمن؟

الخراب والدمار في
الخراب والدمار في غزة - أرشيفية

أثارت تصريحات ماثيو ميلر، المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الأمريكية، حول تعويضات الحرب الروسية _الأوكرانية، جدلًا واسعًا بشأن حق الشعب الفلسطيني في تعويضات من إسرائيل بعد حرب الإبادة التي شهدتها غزة على مدار عامين، إذ طالب موسكو بدفع ثمن الخراب الذي لحِق بأوكرانيا جرّاء العدوان الروسي، مشيرًا إلى أن إلزام تل أبيب بتعويض أهالي غزة يحتاج إلى جهود دولية لتحقيق ذلك.

تتزامن تصريحات ميلر مع دعوات السلطة الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية المحلية بضرورة توثيق كل الأضرار بالأرقام والصور والشهادات، لتقديمها كأدلة رسمية أمام المحاكم الدولية، مؤكدين أن حق الضحايا في التعويض لا يسقط بالتقادم، لكن نجاح أي مسار قانوني يعتمد على الإرادة السياسية الدولية، خاصة في ظل استمرار استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من قرارات ملزمة، ما يعقّد جهود إقامة آلية فعالة للمساءلة والتعويض.

بينما تبقى غزة تحت وطأة الحصار والدمار، يعلّق أكثر من مليوني فلسطيني آمالهم على تحرك دولي جاد يضمن لهم حقهم في الحياة الكريمة وجبر الضرر، وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني؛ فهل تدفع إسرائيل فاتورة خراب غزة؟

الأطر القانونية لتعويضات الحروب

يرتكز الأساس القانوني للمطالبة بتعويض ضحايا الحرب في قطاع غزة على مبادئ راسخة في القانون الإنساني الدولي وقواعد المسؤولية الدولية للدول، اللذين يُحددان بوضوح التزامات الأطراف المتحاربة تجاه المدنيين وحقوق المتضررين في الحصول على تعويض عادل عن الأضرار التي لحقت بهم.

ماثيو ميلر المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الأمريكية
ماثيو ميلر المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الأمريكية

وتُعتبر اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المرجع الأساسي في تحديد الانتهاكات الجسيمة أثناء النزاعات المسلحة، وتنص المادة 147 من الاتفاقية على أن القتل العمد، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، والتدمير الواسع للممتلكات دون مبرر عسكري مشروع، تُعد انتهاكات خطيرة تستوجب المساءلة والتعويض الكامل للضحايا.

ويشمل ذلك – بحسب فقه القانون الدولي – تدمير منازل المدنيين، واستهداف المستشفيات والمدارس ودور العبادة، وتهجير السكان قسرًا، وهي ممارسات وثّقتها منظمات دولية خلال العمليات العسكرية الأخيرة في غزة، إذ تُصنّف هذه الأفعال ضمن جرائم الحرب التي يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية وتعويضات مالية للدولة أو الأفراد المتضررين.

كما تنص قواعد المسؤولية الدولية للدول التي أقرّتها لجنة القانون الدولي عام 2001 على أن كل فعل غير مشروع دوليًا ترتكبه دولة يُنشئ مسؤوليتها الدولية، ويُلزمها بجبر الضرر الناتج عن ذلك الفعل. وتشمل أشكال الجبر: إعادة الحال إلى ما كان عليه، التعويض المالي، الترضية المعنوية، وضمانات عدم التكرار.

الأساس القانوني للمسؤولية واضح، فالقانون الدولي لا يميز بين الضحية في غزة أو أي مكان آخر، وكل انتهاك جسيم يُرتكب في زمن الحرب يخلق التزامًا بالتعويض وجبر الضرر، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

الخراب والدمار في غزة
الخراب والدمار في غزة

تحديات إلزام إسرائيل بـ"ثمن الخراب"

تفيد تقارير أممية حديثة أن أكثر من 60% من مباني غزة قد دُمرت أو تضررت، بما في ذلك مستشفيات ومدارس وجامعات ومنازل سكنية، إضافة إلى تعطّل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، كما تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الخسائر تجاوزت 30 مليار دولار أمريكي، ما يجعل إعادة الإعمار واحدة من أعقد المهام الإنسانية التي تواجه المنطقة.

يفترض إنشاء آلية دولية دائمة للتعويض، تتولى توثيق الأضرار البشرية والمادية وتقدير قيمتها وفق معايير محايدة، بما يشمل تعويض الأسر التي فقدت أفرادها، وأصحاب المنازل والمنشآت المدمّرة، والقطاعين الصحي والتعليمي اللذين تضررا بشكل بالغ.

تظل المعضلة الحقيقية فيما يواجهه التطبيق الفعلي من عقبات سياسية، خاصة تلك التي تتعلق باستخدام الولايات المتحدة الفيتو في مجلس الأمن، ما يمنع تمرير أي قرار ملزم ضد إسرائيل، ويجعل تنفيذ التعويضات رهينًا بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة أو بمبادرات إقليمية عربية وإسلامية يمكن أن تساهم في إعادة إعمار القطاع وتخفيف معاناة السكان.

وتنظر محكمة العدل الدولية في لاهاي في الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، متهمةً إياها بارتكاب أعمال إبادة جماعية في غزة، وهو ما قد يفتح الطريق أمام إصدار قرار يحمل إسرائيل مسؤولية قانونية مباشرة، ويدعو إلى إنشاء صندوق تعويضات دولي تحت إشراف الأمم المتحدة لإعادة إعمار القطاع وتعويض الضحايا.

سوابق دولية للحصول على تعويضات

يظل تفعيل هذه المسؤولية يحتاج إلى قرار قضائي أو سياسي دولي، مثل حكم من محكمة العدل الدولية أو توصية من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتأسيس صندوق دولي لتعويض المتضررين على غرار لجنة التعويضات التي أُنشئت بعد غزو العراق للكويت عام 1990، والتي اعتمدت على تقارير موثقة لتقدير قيمة الخسائر وتوزيع التعويضات.

الخراب والدمار في غزة- أرشيفية
الخراب والدمار في غزة- أرشيفية

شهد التاريخ الحديث عدة حالات حصلت فيها دول على تعويضات دولية بعد حروب أو احتلالات، استنادًا إلى قواعد القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة. فقد فُرضت على ألمانيا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية تعويضات ضخمة لصالح الدول المتضررة، كما دفعت اليابان مبالغ مالية وتنموية لدول آسيوية تعويضًا عن فترة احتلالها خلال الحرب العالمية الثانية.

تجربة العراق والكويت أبرز نموذج معاصر، إذ أنشأ مجلس الأمن عام 1991 لجنة الأمم المتحدة للتعويضات لإدارة مطالبات الأفراد والدول المتضررة من غزو الكويت، وتم صرف أكثر من 52 مليار دولار على مدى ثلاثة عقود، كما مثّلت قضايا أخرى مثل لوكربي والبوسنة والهرسك أمثلة على تحميل الدول أو الأنظمة مسؤولية قانونية عن جرائم دولية وانتهاكات جسيمة.

هذه السوابق القانونية تؤكد أن مبدأ التعويض وجبر الضرر راسخ في النظام الدولي، ويمكن تطبيقه على الدمار الذي لحق بغزة إذا أُثبتت المسؤولية القانونية أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية. ويرى خبراء أن إنشاء صندوق دولي للتعويضات وإعادة الإعمار تحت إشراف الأمم المتحدة سيكون خطوة عملية نحو العدالة وإنصاف الضحايا الفلسطينيين.

الخراب والدمار في غزة -أرشيفية 
الخراب والدمار في غزة -أرشيفية 

الخلاصة، أن المطالبة بالتعويضات يتوقف على الإرادة السياسية والقدرة على فرض الالتزام بها، إذ تمكنت دول عديدة، من ألمانيا إلى الكويت، من انتزاع حقوقها عبر آليات أممية أو مفاوضات دولية، لكن الطريق أمام غزة لا يزال مليئًا بالعقبات القانونية والسياسية.

ومع ذلك، فإن توثيق الجرائم، وتوحيد الموقف الفلسطيني، ودعمًا دوليًا صادقًا من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، قد يجعل من المطالبة بالتعويضات خطوة أولى نحو عدالة حقيقية تردّ الاعتبار للضحايا وتؤسس لمساءلة لا تعرف الإفلات من العقاب.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء