فلسطين بين صراع النفوذ وإصلاح الدستور
منعطفٌ دقيقٌ تمرّ به القضيةُ الفلسطينيةُ عبر تاريخها من أجل تحقيق حلم إقامة دولةٍ فلسطينيةٍ على حدود 1967، في ظلّ الزخم الإقليمي والدولي بالضغط على أمريكا وإسرائيل بواقع حلّ الدولتين. إبانَ هذا تسير العديدُ من التموضُعات المختلفة بين حركة حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية على مَن يقود قطاعَ غزة في اليوم الثاني لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية. فعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي تقوم بها القاهرة من أجل تدشين حوارٍ بنّاءٍ بين الفصائل الفلسطينية لرأبِ الصدع فيما بينهم، نجد أن كلّ طرفٍ منهما ينظر فقط إلى ما يجعل له الكلمة الأخيرة. فمن وجهة نظر حماس أنها قادت المفاوضات ضدّ إسرائيل برعاية مصريةٍ أمريكيةٍ قطريةٍ طيلة عامين، ولهذا فهي لن تتخلّى عن سلاحها إلا لقوةٍ عربيةٍ أو فلسطينيةٍ منتخبةٍ شرعيةٍ عندما ينتهي الاحتلال الإسرائيلي – وهذا مشكوكٌ فيه – بيد أنها تؤكّد على عدم فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، والعمل مع أيّ لجنةِ إسنادٍ مجتمعيٍّ من التكنوقراط الفلسطيني ذوي الصبغة الفصائلية لإدارة قطاع غزة حتى تشكيل حكومةٍ فلسطينيةٍ منتخبةٍ ومجلسٍ تشريعيٍّ جديد.
على الجانب الآخر نجد أن منظمة التحرير الفلسطينية قد وضعت عدةَ ضوابطَ لقبول انطواء حماس وغيرها من الفصائل تحت مظلتها، منها أن السلطة الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أمام المحافل الدولية والإقليمية. هذا بجانب أن السلاحَ الواحدَ في يد الدولة فقط، وأن السلامَ الشاملَ هو أساسُ التعامل مع دول الجوار، فضلًا عن الالتزام بالاتفاقيات الدولية والاعتراف بها، ومنها اتفاقيةُ أوسلو التي وُقِّعت في تسعينيات القرن المنصرم.
وأمام هذه الضوابط اتخذ الرئيسُ الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) عدةَ قراراتٍ كان من أهمها الإعلانُ الدستوري الجديد، واستصدارُ قرارٍ رئاسيٍّ بتولّي السيد حسين الشيخ، وهو نائب الرئيس، مقاليدَ الحكم في حال خلوّ المنصب لأسباب مختلفة. وقد تخطّى أدبياتِ المنظمة التي كانت تضع رئيسَ المجلس التشريعي الفلسطيني في هذا المنصب حتى إجراء الانتخابات الرئاسية.
ولأن أبا مازن ثعلبٌ سياسيٌّ، أناط الأمرَ إلى حسين الشيخ، لأن المجلس التشريعي الذي كانت تسيطر عليه حماس قد انحلّ بمرسومٍ رئاسيٍّ، وبهذا أضفى الشرعيةَ على حسين الشيخ في خطوةٍ تُوصَف بالنقل السلس الهادئ للسلطة دون عوارٍ دستوريٍّ، وتعبيدًا لخطواتٍ انتخابيةٍ دون صراعٍ على السلطة، مما يفوّت الفرصة على إسرائيل في عدم الالتزام بما تمّ التوافق عليه في خطة ترامب الموقَّعة في شرم الشيخ، والمضيّ قُدمًا في محاولة تفويت الفرصة عليها وعلى أمريكا في التعاطي مع بعض الفصائل الفلسطينية المتواجدة خلف الخط الأصفر، من أجل خلق واقعٍ جيوسياسيٍّ باسم "غزة الجديدة" التي تُضلع بتغيير الأيديولوجيا العربية من حالة الممانعة وتصدير خطاب الكراهية ضد إسرائيل، إلى حالةٍ من التوافق والتعايش السلمي مع المستوطنات الإسرائيلية التي تحاول التهام أراضي قطاع غزة، فضلًا عن شرعنة الضمّ الصامت للضفة الغربية وتنفيذ القانون الإسرائيلي على مناطق فلسطينية جديدة لم تكن تحت السيطرة الإسرائيلية.
وعلى الرغم من نجاح رجال الظلّ في مصر في تقريب وجهات النظر الفلسطينية، والدعوة إلى عقد مؤتمرٍ لدعم اللحمة الفلسطينية، يبقى فرسُ الرهان هو الاصطفافُ الوطنيُّ الفلسطينيُّ في مجابهة الاحتلال الإسرائيلي والأطماع الأمريكية في تحوّل غزة إلى "ريفيرا" جديدة طاردةٍ للفلسطينيين، ونواةٍ في هندسة شرق أوسطٍ جديد.
فهل نجد صوتًا عاقلًا حكيمًا من أجل فلسطين تتّسع لكلّ الأطياف السياسية؟