رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

القوة والاقتصاد والاستخبارات: أبعاد التحالف الأذربيجاني الإسرائيلي

 نتنياهو مع رئيس
نتنياهو مع رئيس أذربيجان إلهام علييف

خلال السنوات الأخيرة، برزت العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل باعتبارها واحدة من الشراكات الإقليمية المثيرة للانتباه في المنطقة. وهي علاقة لم تتشكّل صدفة أو بدافع التكتيك السياسي المؤقت، وإنما جاءت نتيجة حسابات استراتيجية أعادت رسم توازنات القوى على خريطة حساسة تجمع بين الطاقة والأمن والدفاع. كما تشكل هذه العلاقة الخلفية المباشرة للإصرار المتزايد في بعض الدوائر الإسرائيلية والدولية على وجود أذربيجان ضمن أي قوة محتملة لتثبيت الاستقرار في غزة بعد الحرب.

فقد وجدت أذربيجان نفسها منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي أمام ضرورة إعادة تعريف موقعها الاستراتيجي في منطقة مزدحمة بالقوى المتنافسة بين روسيا وتركيا وإيران. كما أن حدودها الطويلة مع إيران ووجود نسبة كبيرة من شعبها من الشيعة لا يعني بالضرورة تقاربًا سياسيًا معها، بل زاد هذا العامل من حساسية التوازن القائم. ولذلك، اتجهت أذربيجان مبكرًا إلى بناء شبكة تحالفات مع قوى قادرة على دعم مقدّراتها الدفاعية بشكل مختلف، واعتبرت إسرائيل شريكًا مثالياً لأنها منحتها مجموعة من المكاسب الملموسة بدءًا من التسليح والتكنولوجيا العسكرية وصولًا إلى الاستخبارات والتعاون الأمني. وقد لعبت الطائرات المسيرة الإسرائيلية، على سبيل المثال، دورًا بارزًا في إعادة تشكيل القوة العسكرية لأذربيجان خلال النزاعات العسكرية مع أرمينيا في ناغورنو كاراباخ وغيره.

العلاقات بين إسرائيل وأذربيجان - أرشيفية
العلاقات بين إسرائيل وأذربيجان - أرشيفية

في المقابل، استفادت إسرائيل من أذربيجان باعتبارها مصدرًا مهمًا للطاقة، في وقت سعت فيه إلى تنويع مصادرها بعيدًا عن الأسواق غير المستقرة. فضلاً عن أن الموقع الجغرافي لأذربيجان يمنح إسرائيل نافذة استراتيجية على حدود إيران، وهو ما يكسب الشراكة بعدًا أمنيًا عميقًا لا يُعلن دائمًا، لكن تأثيره حاضر في كل تطور إقليمي في تلك المنطقة. وعليه، يمكن القول إن العلاقة بين البلدين ليست مجرد تعاون اقتصادي أو سياسي، بل هي شبكة مصالح مركّبة تجمع بين الأمن والطاقة وإعادة توزيع موازين القوى في الإقليم.

دور أذربيجان في غزة

عند الانتقال إلى ملف غزة بعد الحرب، تظهر أذربيجان كاسم متكرر في مناقشات القوى الدولية حول من يمكنه المشاركة في قوة لتثبيت الاستقرار. وهي ليست دولة عربية ولا شرق أوسطية بمعناها التقليدي، لكنها دولة ذات أغلبية مسلمة ولديها علاقات دبلوماسية تجعلها مقبولة في دوائر غربية وإسرائيلية، دون أن تظهر كعنصر احتلال كما قد يحدث مع دول أخرى. وقد يكون إشراك دولة مسلمة غير عربية جزءًا من محاولة خلق صورة لقوة دولية لا تحمل هوية سياسية مباشرة ولا تنتمي لطرف من أطراف الصراع.

إسرائيل من جهتها تنظر إلى مشاركة أذربيجان بوصفها ضمانًا لعدم دخول أطراف لا ترغب في رؤيتها مثل تركيا، أو حتى قوات عربية قد تملك امتدادًا شعبيًا داخل غزة. كما أن لأذربيجان خبرة في إدارة أراضٍ بعد صراعات مسلحة وفي عمليات إعادة الإعمار المرتبطة بالسيادة وإعادة بسط الإدارة بسبب خبرتها الذاتية في ناغورنو كاراباخ، وهو ما يجعلها تظهر كدولة قادرة على القيام بأدوار مدنية وأمنية في وقت واحد. كما أن مشاركة أذربيجان يمكن أن تمنح القوة الدولية غطاءً معنويًا في العالم الإسلامي، على الأقل في المستويات الرسمية والدبلوماسية، حتى لو كان هذا الغطاء محدود التأثير الشعبي.

لكن هذه المعادلة ليست خالية من الإشكالات؛ إذ يمكن النظر إلى أذربيجان من قبل بعض القوى الفلسطينية والعربية كطرف منحاز بسبب علاقاتها مع إسرائيل، وقد يؤدي وجودها إلى إثارة حساسية أو رفض داخلي في قطاع غزة أو في البيئة العربية. كما أن أذربيجان لا ترغب بالضرورة في الدخول في مواجهة مفتوحة أو احتكاك مباشر في منطقة معقدة ومشحونة كتلك، وربما ستحاول الحفاظ على دور يحافظ على مسافة آمنة بين المشاركة الرمزية والمشاركة الفعلية على الأرض.

من جهة أخرى، قد ترى بعض الدول العربية في مشاركة أذربيجان خطوة تصب في مصلحة تقليص دورها أو الحد من قدرتها على التأثير في مستقبل غزة، وهذا قد يفتح باب تنافس جديد حول من يملك شرعية التواجد في مرحلة ما بعد الحرب، وفي إدارة إعادة الإعمار، وتحديد طبيعة السلطة المحلية التي ستتشكل بعد ذلك.

العلاقات بين إسرائيل وأذربيجان - أرشيفية
العلاقات بين إسرائيل وأذربيجان - أرشيفية

هكذا تصبح مشاركة أذربيجان ليست مجرد قرار عسكري، بل تعبيرًا عن شبكة من الحسابات تتقاطع فيها مصالح إسرائيل والولايات المتحدة وبعض القوى الدولية مع رغبة أذربيجان في تعزيز مكانتها كدولة مهمة لها أدوار تتجاوز حدود القوقاز. وفي المقابل، تتطلب هذه المشاركة توازنًا حذرًا لأنها تجري داخل أكثر البيئات السياسية حساسية في العالم.

ختامًا:

يمكن القول إن العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل شكلت أساسًا لمنظور جديد في السياسة الإقليمية، حيث يمكن لدولة ذات أغلبية مسلمة أن تبني تحالفًا عميقًا مع إسرائيل بناءً على مصالح استراتيجية واقعية بعيدة عن الأطر الأيديولوجية التقليدية، مما يجعلها بديلًا مقبولًا مقارنة بأطراف أخرى عديدة. وهذا ما يفسّر إصرار بعض الجهات على إدخال أذربيجان في المعادلة المستقبلية لغزة باعتبارها عنصر توازن ومصلحة في آن واحد. لكن يبقى نجاح هذا التوجه مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف على فهم تعقيدات المشهد الفلسطيني الداخلي والإقليمي، وعدم تحويل القوة الدولية إلى عامل توتر جديد بدلًا من أن تكون وسيلة لاستقرار حقيقي طويل الأمد في منطقة لا تعرف الهدوء والاستقرار.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراة متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء