رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أكتوبر لا يزال حيًا... من عبور سيناء إلى عبور المنابر الدولية

إلهام النجار
إلهام النجار

في كل عام تحل ذكرى انتصار أكتوبر حاملةً معها معاني الصمود والإرادة الوطنية التي صنعت تاريخًا جديدًا لمصر في محيطها الإقليمي والدولي، وإذا كانت معركة أكتوبر 1973 قد جسّدت انتصار الإرادة العسكرية، فإن التحركات الدبلوماسية المصرية في أكتوبر من السنوات الأخيرة تُجسد امتدادًا لذلك النصر في معركة الحضور والتأثير الدولي.
ففي هذا الشهر الذي يرمز إلى العِزة والسيادة، حققت مصر خُطوات بارزة في ملفات حقوق الإنسان والفوز بعضوية منظمات دولية كاليونسكو، مما يعكس استمرار العقيدة الاستراتيجية المصرية القائمة على تحقيق المكانة والاحترام في النظام الدولي عبر أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الهادئة.
في إنجاز تاريخي جديد، فازت مصر برئاسة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بعد حصول مرشحها الدكتور خالد العناني على أغلبية أصوات الدول الأعضاء، ليصبح أول مصري وعربي وأفريقي يتولى هذا المنصب الرفيع، أيضًا فوز مصر بعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يُعد خطوة جديدة تُكرّس حضورها الدولي في مؤسسات صُنع القرار الأممي، فقد حصلت الدولة المصرية على دعمٍ واسع من دولٍ عدة، تقديرًا لدورها الإقليمي وجهودها في تعزيز مفهوم شامل لحقوق الإنسان يقوم على المساواة والكرامة والتنمية.
هذا الفوز لا يُعبّر فقط عن نجاح دبلوماسي، بل عن ثقة المجتمع الدولي في قدرة مصر على الإسهام بموضوعية في الحوار العالمي حول قضايا الحقوق والحريات.
والجدير بالذِكر، أن الدولة المصرية تسعى منذ عام 2014، إلى استعادة دورها القيادي في المنظمات الدولية بعد سنوات من الانكفاء النسبي، وقد عملت مؤسسات الدولة المصرية على تبني استراتيجية شاملة للانخراط الدولي تعكس مبادئ السياسة الخارجية المتوازنة التي تجمع بين الاستقلال الوطني والانفتاح على العالم.
ففي هذا الإطار، جاءت الجهود المصرية في الترشح والفوز بعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو، كترجمة عملية لسياسة خارجية تستند إلى القوة الذكية، التي تمزج بين الشرعية التاريخية والمصداقية الدبلوماسية.
ويكتسب هذا الحضور رمزية مضاعفة حين يتزامن مع شهر أكتوبر، إذ يستدعي في الذاكرة الجماعية روح النصر والوحدة الوطنية والقدرة على تحقيق الإنجازات في ميادين متعددة.
 
وفي سياق متصل، تقوم الاستراتيجية الدبلوماسية المصرية في مثل هذه الاستحقاقات الدولية على ثلاثة مرتكزات أساسية:
1-    التحرك المؤسسي المتكامل:
حيث تعمل وزارات الخارجية، والتعليم، والثقافة، والبعثات الدائمة للأمم المتحدة بشكل منسق للدفع بترشح مصر إلى المناصب الدولية، هذا التكاتف المؤسسي يعكس فَهمًا مصريًا متقدمًا لأهمية التمثيل الدولي كأداة نفوذ سياسي وثقافي.
2-    الاعتماد على رصيد حضاري وإنساني ممتد:
فاليونسكو، التي تُعنى بالثقافة والتعليم والتراث الإنساني، تجد في مصر نموذجًا استثنائيًا يجمع بين الهِوية الحضارية العريقة والالتزام المعاصر بالتنوع الثقافي.
لذا فإن ترشح مصر لمناصبها لا يقوم على المجاملة، بل على أحقية موضوعية تستند إلى مكانتها التاريخية والعلمية.
3-    الربط بين حقوق الإنسان والتنمية الشاملة:
إذ تبنت مصر خطابًا جديدًا في المحافل الدولية يؤكد أن حقوق الإنسان لا تُختزل في البُعد السياسي فقط، بل تشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - أي الحق في السكن، والتعليم، والعمل، والكرامة المعيشية.
هذا الفهم المتوازن جعل العديد من الدول تدعم الرؤية المصرية في مجلس حقوق الإنسان، تقديرًا لمقاربتها الواقعية القائمة على احترام الخصوصيات الوطنية، وفي الوقت الذي تتعامل فيه بعض الدول مع حقوق الإنسان كأداة ضغط سياسي، تحاول مصر أن تعيد التوازن للخطاب الدولي عبر طرح نموذج "الإنسان في قلب التنمية".
وهُنا يبرز الاختلاف الجوهري بين المقاربة المصرية والمقاربات الغربية: فالأولى تعتبر أن الحقوق تُبنى بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي، بينما الثانية تميل إلى التركيز على الحريات السياسية فقط.
أما في ساحة اليونسكو، فقد استطاعت مصر أن تُقدّم نفسها كصوت للعالم العربي والإفريقي، مدافعة عن قضايا التراث، والتعليم، والهِوية الثقافية في ظل تحديات العولمة والرقمنة.
ويُضاف إلى ذلك أن الفوز المصري جاء نتيجة شبكة دعم إقليمية ودولية واسعة، مما يؤكد فاعلية التحرك الدبلوماسي المصري في بناء تحالفات ذكية تخدم مصالح الدولة وتُعزز مكانتها.
إن فوز مصر بعضوية مجلس حقوق الإنسان ومنصب اليونسكو في شهر أكتوبر ليس صدفة زمنية، بل هو تجسيد رمزي وفعلي لامتداد روح أكتوبر من ميادين القتال إلى ساحات الدبلوماسية الدولية.
 
 
·       أبرز المناصب الدولية التي تولّتها مصر بجانب منصبَي اليونسكو ومقعد مجلس حقوق الإنسان 
 
1-    رئاسة منظمة التقييس الدولية (ISO) 
 فازت مصر برئاسة الهيئة الدولية للتقييس، حيث يشغل الدكتور خالد حسن صوفي هذا المنصب. 
2-    الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD) 
تمّ تعيين الوزيرة دكتورة ياسمين فؤاد أمينًا تنفيذيًا للاتفاقية في مايو 2025. 
3-    منصب المدير العام لليونسكو 
 فازت مصر بترشيح الدكتور خالد العناني كمدير عام لليونسكو 
4-    عضوية مصر في مجلس حقوق الإنسان (UNHRC) 
 فازت مصر بمقعد المجلس بعد حصولها على عدد أصوات كبير في انتخابات الجمعية العامة بالأمم المتحدة. 
5-    مناصب  سابقة في مؤسسات أممية، مثل ما شغلته الدكتورة غادة والي كمديرة تنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) ومديرة مكتب الأمم المتحدة في فيينا.
إلى جانب المناصب السابقة، تشارك مصر بانتظام في هيئات ومنظمات دولية وإقليمية (بعثات حفظ سلام، لجان مشتركة ثنائية، وكالات متخصصة مثل منظمة العمل الدولية واليونيسكو وبرامج الأمم المتحدة المختلفة). 
وختامًا:
فالدولة التي استعادت أرضها بالإرادة والعزيمة، تُرسخ اليوم مكانتها العالمية بالعقل والحِنكة والاحترام الدولي، وتؤكد هذه الإنجازات أن القوة الناعمة المصرية لا تقل شأنًا عن قوتها الصلبة، وأن مفهوم "النصر" في العصر الحديث لم يعد مقصورًا على الميدان العسكري، بل أصبح يشمل الانتصار في معركة الصورة والتأثير والمكانة العالمية.
وهكذا، تواصل مصر، في أكتوبر وغيره، كتابة فصل جديد من فصول حضورها الدولي المتوازن، مُستندة إلى إرث حضاري عميق ورؤية استراتيجية تنظر إلى المستقبل بثقة وثبات.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء