رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من القمة إلى الظل.. حكاية محمد نجيب في ذكرى رحيله

اللواء محمد نجيب
اللواء محمد نجيب

في صفحات التاريخ المصري، قلّما تجد رجلاً بدأ بطولته في قلب الثورة، ثم انتهى إلى عزلة تامة خلف الأبواب المغلقة، محمد نجيب، أول من جلس على كرسي رئاسة الجمهورية في مصر، لم يمكث فيه طويلًا، ولم يُمهَل ليحكم، بل حُوصر مبكرًا في صراع إرادات، وخرج من المشهد بهدوء يشبه النسيان.

تحل اليوم الذكرى الـ41 لرحيله، وتعود معها قصة رجل كان واجهة الثورة وقائدها المعلن، قبل أن تتحول صورته من "رئيس دولة" إلى "سجين سياسي" في فيلا نائية، لا يزوره أحد، ولا يسمع صوته أحد.

◾ الرئيس الذي حمل حلم الثورة

ولد محمد نجيب عام 1901 في الخرطوم لأسرة مصرية، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1918، قبل أن يواصل دراسته في القانون والاستراتيجية، ليصبح من القلائل الذين جمعوا بين العسكرية والعلوم المدنية.

أصيب محمد نجيب في حرب فلسطين 1948 إصابة خطيرة، لكنها لم تكسر عزيمته، فواصل القتال ونال تقديرًا واسعًا داخل الجيش، حتى أصبح محل ثقة الضباط الأحرار الذين احتاجوا إلى شخصية تملك الشرعية الشعبية والعسكرية لقيادة تحركهم ضد النظام الملكي.

وفي ليلة 23 يوليو 1952، كان محمد نجيب هو الواجهة المعلنة للثورة، فصار أول رئيس للجمهورية بعد إعلانها رسميًا في يونيو 1953.

◾ أزمة مارس.. بداية النهاية

لكن لم تدم رئاسته طويلًا، فقد نشب خلاف حاد بينه وبين جمال عبد الناصر حول مستقبل الدولة، و كان  محمد نجيب يطالب بعودة الحياة النيابية وفتح المجال السياسي، بينما رأى عبد الناصر أن الوقت لم يحن بعد للديمقراطية، وأن الثورة ما زالت في طور التأسيس.

تفاقمت الأزمة في مارس 1954، وخرجت مظاهرات تطالب ببقاء نجيب والدعوة لانتخابات ودستور، لكن مجلس قيادة الثورة اختار الحسم بالقوة، وتمت تنحية  محمد نجيب، ثم إعادته مؤقتًا، قبل أن يُقصى نهائيًا في أبريل من نفس العام.

◾ ثلاثون عامًا في الظل

منذ ذلك الوقت، عاش محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية في فيلا متواضعة بمنطقة المرج، بعيدًا عن الأضواء، لا يكتب، ولا يظهر، ولا يتحدث، غاب عن المشهد تمامًا حتى وفاته في 1984، حيث أقيمت له جنازة عسكرية رسمية أعادت اسمه إلى الواجهة ليوم واحد، بعد أن طواه النسيان طويلاً.

◾ أهمية فترة حكم محمد نجيب

رغم قصر فترة حكمه، تمثل مرحلة محمد نجيب واحدة من أخطر الفترات الانتقالية في تاريخ مصر الحديث، حيث كانت البلاد تمر بمرحلة حساسة بين تفكك النظام الملكي وبداية تأسيس الجمهورية الجديدة.

قاد  محمد نجيب البلاد في لحظة فراغ سياسي ودستوري، واضطلع بدور محوري في منح الثورة طابعًا شرعيًا أمام الداخل والخارج، كما سعى إلى إعادة الحياة النيابية وإشراك القوى المدنية في مستقبل الدولة.

كانت تلك الفترة تحمل ملامح الصراع الأول بين العسكري والسياسي، وبين من أراد لمصر أن تعود إلى نظام برلماني تعددي، ومن أرادها أن تدخل طور الحكم المركزي بسلطة فرد أو مجلس مغلق.

وعليه، لا تُقاس أهمية فترة نجيب بطولها الزمني، بل بما مثلته من لحظة اختبار كبرى لمستقبل الديمقراطية في مصر، اختبار حُسم لصالح القوة، وترك آثاره لعقود تالية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء