تمويلات خضراء بالمليارات.. كيف أصبحت الاستدامة أولوية البنوك في مصر؟
يشهد القطاع المصرفي في مصر تحولًا نوعيًا نحو دمج مبادئ الاستدامة والتمويل الأخضر في سياساته التشغيلية واستراتيجياته التمويلية، في خطوة تعكس نضج الوعي المصرفي بأهمية التوازن بين الجدوى الاقتصادية والمسؤولية البيئية والاجتماعية.
فبعد سنوات من التركيز على الربحية والنمو السريع، أصبحت البنوك في السوق المحلية اليوم تسعى إلى بناء نموذج تنموي طويل الأمد يقوم على التمويل المستدام كأداة لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.
جاء ذلك خلال كلمات المشاركين في مؤتمر "الناس والبنوك"، وخلال حديثهم إلى منصة إيجبتك على هامش الفعاليات، حيث أكد قادة البنوك والمسؤولون الحكوميون أن التمويل المستدام أصبح محورًا رئيسيًا في مستقبل الصناعة المصرفية المصرية، بما يعزز ثقة المؤسسات الدولية في قدرة النظام المالي المصري على جذب رؤوس الأموال التنموية.
وتظهر المؤشرات أن البنوك المصرية لم تعد تتعامل مع الاستدامة كمجرد التزام أخلاقي أو إعلامي، بل كعنصر استراتيجي لقياس الأداء والربحية المستقبلية.
42% من التمويلات التنموية تمر عبر القطاع المصرفي
قالت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي، إن القطاع المصرفي المصري يستحوذ على نحو 42% من التمويلات التنموية الموجهة للقطاع الخاص، والتي تجاوزت 16 مليار دولار منذ عام 2020، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة لشركاء التنمية الدوليين في البنوك المصرية كقناة رئيسية لتدفق رؤوس الأموال ودعم المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال.
وأشارت إلى ارتفاع معدل النمو إلى 4.4% بنهاية العام المالي الماضي، مدفوعًا بتطور قطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية، والاتصالات، والسياحة، والأنشطة المالية.
كما أشارت إلى رفع مؤسسات التصنيف الائتماني الكبرى تصنيف مصر إلى B بنظرة مستقرة، مؤكدة أن ذلك يعكس فعالية برنامج الإصلاح الاقتصادي والهيكلي الذي تنفّذه الدولة منذ مارس 2024.
وأضافت أن نجاح الجهود السياسية في توقيع اتفاق السلام بمدينة شرم الشيخ لوقف الحرب على غزة ساهم في فتح آفاق اقتصادية جديدة وتعزيز الثقة الإقليمية والدولية بالاقتصاد المصري، مع توقّعات بأن يقترب معدل النمو من 5% خلال العام المالي الجاري.
البنك الأهلي.. 428 مليار جنيه تمويلات مستدامة
أكد محمد الأتربي، الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، أن البنك يواصل قيادة التحول داخل القطاع المصرفي من خلال استراتيجية متكاملة ترتكز على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاستدامة.
وأوضح أن البنك ضخ تمويلات مستدامة بقيمة 428 مليار جنيه خلال الربع الثاني من عام 2025.
وأشار الأتربي إلى أن البنك يُعد من أوائل المؤسسات المالية التي تبنّت مفهوم التمويل المستدام وجعلته جزءًا جوهريًا من استراتيجياته.
وأكد أن البنك يطبّق أطر الحوكمة والمسؤولية البيئية والمجتمعية (ESG) وفق معايير دولية مثل GRI وIFRS S2.
كما أطلق البنك لأول مرة تقرير البصمة البيئية الداخلية، وفعّل نظام إدارة المخاطر البيئية والاجتماعية (ESRM) وتقييم المشروعات عبر أداة ESG Score، لضمان توافق التمويلات مع معايير البيئة والمجتمع.
وأوضح الأتربي أن البنك يمتلك محفظة تمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بقيمة 178 مليار جنيه، في إطار دعم الشمول المالي الذي ارتفع إلى أكثر من 76.6% من المجتمع المصري، مقارنة بنحو 12% فقط قبل عقد من الزمان.
بنك نكست.. دمج شامل للاستدامة في كل مراحل العمل
من جانبه قال تامر سيف، الرئيس التنفيذي لبنك نكست، إن مصرفه تبنى استراتيجية شاملة لدمج الاستدامة في عملياته، انطلاقًا من رؤية تعتبرها مكونًا أساسيًا من هوية البنك وليست مجرد التزام تنظيمي.
وأوضح أن الاستراتيجية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية هي مواءمة توجهات البنك مع رؤية مصر 2030 وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وخفض البصمة الكربونية للمقرات والفروع عبر حلول لترشيد استهلاك الطاقة والمياه، ودمج معايير ESG في الائتمان بحيث تُقيّم المشروعات وفق أثرها البيئي والاجتماعي قبل الموافقة التمويلية.
وأشار إلى أن البنك حدّد قطاعات ذات أولوية مثل الطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية، والإسكان المستدام، والتعليم والصحة، كوجهات رئيسية للتمويل، موضحًا أن المحفظة المستدامة للبنك تتراوح بين 3 و3.5 مليار جنيه تمثل 11% من إجمالي محفظته الائتمانية، مع خطط لرفعها تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.
البنك الزراعي.. الزراعة المستدامة كقضية أمن قومي
أكد محمد أبو السعود، الرئيس التنفيذي للبنك الزراعي المصري، على أن مصرفه يركّز على دعم مشروعات التكيف الزراعي مع التغيرات المناخية، مشيرًا إلى أن 53% من محفظة البنك الائتمانية موجهة لأنشطة مستدامة.
وأوضح أن البنك يمول أكثر من 400 ألف مزارع، وتجاوزت تمويلات الأفراد 25 مليار جنيه، بينما بلغت تمويلات الشركات الزراعية الكبرى أكثر من 7 مليارات جنيه.
وأشار إلى أن البنك شارك في تمويل مشروعات الري الحديث التي تقلل استهلاك المياه بنسبة 50% وتزيد إنتاجية الفدان، إلى جانب تطوير صندوق التكافل الزراعي بالتعاون مع شركات تأمين عالمية لتغطية مخاطر المناخ.
ولفت أبو السعود إلى أن تفتيت الملكية الزراعية يهدد إنتاجية الأراضي ويخفض العائد بنسبة تصل إلى 75% في بعض المناطق، مؤكدًا أن البنك يعمل على توعية المزارعين ودعم الاستدامة في إدارة الموارد الطبيعية.
محمد نجيب: الاستدامة لم تعد خيارًا
قال أفضل نجيب، رئيس بنك SAIB، إن الاستدامة أصبحت جزءًا أساسيًا من سياسات البنوك وليس خيارًا ترفيهيًا، موضحًا أن البنك يعمل على دمج معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) في عملياته التشغيلية منذ عامين.
وأشار إلى أن البنك بدأ بمراجعة سياساته الائتمانية لتوجيه التمويل نحو المشروعات الخضراء، بالتوازي مع رفع الوعي البيئي داخل المؤسسة بدءًا من مجلس الإدارة وحتى الموظفين.
ولفت إلى أن البنوك تواجه تحديات جديدة مثل التمويل الأخضر الزائف، ما يستدعي تدقيقًا أكبر في تقييم المشروعات لضمان مصداقيتها، مؤكدًا أن SAIB جعل التمويل المستدام نسبة ثابتة من النمو السنوي لمحفظته الائتمانية.
المركزي المصري.. 630 مليار جنيه لدعم المشروعات الصغيرة
أكد طارق الخولي، نائب محافظ البنك المركزي المصري، أن القطاع المصرفي يولي اهتمامًا خاصًا بتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، موضحًا أن البنك المركزي ضخ تمويلات بقيمة 630 مليار جنيه لهذا القطاع الحيوي، الذي سجل معدل نمو قدره 395% خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن دعم هذا القطاع يُعد أحد ركائز تحقيق الاستدامة الاقتصادية، عبر خلق فرص العمل وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.






