رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين يولد الخير فينا قبل أن نتعلمه.. هل الإنسان طيب بالفطرة؟

إيجبتكِ

في لحظة الميلاد الأولى، حين يملأ صراخ الطفل أرجاء الغرفة ويغمره دفء حضن أمه، ويبدو العالم نقيًا كصفحةٍ بيضاء بالنسبة له، وبملامحه الهادئة وعيناه اللتان لم تختبرا بعد قسوة أو حنان الحياة، كل هذه الأشياء تثير سؤالًا أزليًا طالما حير الفلاسفة والعلماء وهو "هل يولد الإنسان مجبولًا على الخير، أم أن ما نسميه "الطيبة" ليس إلا ثمرة ما يتعلمه لاحقًا من مجتمعه؟"

فبحسب شبكة الـ BBC فإن هذا السؤال لم يتوقف عند حدود الفلسفة، بل انتقل إلى مختبرات علم النفس وأروقة الجامعات، محاولًا كشف ما إذا كان الميل إلى الخير يسكن أعماقنا منذ الولادة، أم أنه زرع ينمو ببطء مع التربية والتجربة.

 

منذ قرون عديدة، انقسم المفكرون بين من يؤمن بأن الخير غريزة فطرية، ومن يراه سلوكًا مكتسبًا، واعتبر أرسطو أن الإنسان يولد بلا فضائل، وأن الأخلاق تُكتسب بالتعلم والممارسة.


أما سيجموند فرويد فرأى أن الإنسان يولد كالصفحة البيضاء لا خير فيه ولا شر، بل هو نتاج بيئته وتجربته ولكن الروائي البريطاني وليام جولدنج في روايته "سيد الذباب" قدم صورة أكثر ظلمة، حين صور الأطفال ككائنات معادية بالفطرة، يتهافتون على العنف بمجرد تحررهم من رقابة الكبار.

أما الجدل الأشهر فكان بين توماس هوبز وجان جاك روسو، إذ وصف هوبز الإنسان بأنه "همجي" بطبعه، ولا يمكنه العيش في سلام إلا تحت سلطةٍ تمنع اندفاع غرائزه وتضبط تصرفاته، بينما رأى روسو أن الإنسان خير بالفطرة، وأن المجتمع هو من يفسده بطبقاته وجشعه.

 

دراسات حديثة تضع الفطرة تحت المجهر

 

ولم يترك العلم الحديث هذه الجدلية الفلسفية دون إجابة، فقد جاءت دراسات في علم النفس التطوري لتشير إلى أن الميل إلى الخير قد يكون موجودًا منذ الأشهر الأولى من الحياة.

وفي تجربة عرضها برنامج "العالم المثير للأطفال الرضع" على قناة "بي بي سي 2"، شاهد أطفال رضع عرضًا لعرائس هندسية الأشكال: دائرة حمراء تحاول الصعود، مربع أزرق "شرير" يمنعها، ومثلث أصفر "طيب" يساعدها، وعندما طلب من الأطفال اختيار إحدى الشخصيات، اختاروا جميعًا المثلث الأصفر الذي ساعد غيره، في ما يبدو أنه تفضيل فطري للسلوك الإيجابي.

وفي عام 2010، كرر مركز التطور المعرفي للأطفال الرضع بجامعة ييل التجربة، ليتأكد من أن اختيار الأطفال لا علاقة له باللون أو الشكل.
وعندما بدل الباحثون الأدوار بين الشخصيات، اختار الأطفال مجددًا الشكل الذي تصرف بتعاون، مؤكدين أن الميل إلى الخير مرتبط بالفعل لا بالمظهر.

 

كيوتو وهارفارد.. نتائج تعزز الفرضية

 

أظهرت تجارب جامعة كيوتو في 2017 نتائج مماثلة، إذ عرضت على الأطفال مشاهد يظهر فيها "متنمر"، و"ضحية"، وشخص ثالث يتدخل للمساعدة، اختار أغلب الأطفال الشخصية التي حاولت إنقاذ الضحية.

أما دراسة "مراقبة الأم" في جامعة هارفارد فلاحظت أن الأطفال يتصرفون بلطف وتعاون حتى عندما يظنون أنهم غير مراقبين، ما يشير إلى أن سلوك الخير لا يمارس بدافع المكافأة أو العقاب، بل ينبع من داخلهم.

 

الإنسان بين الفطرة والتجربة

 

وعلى الرغم من أن تلك الدراسات لا تنفي تمامًا النظريات المتشائمة لهوبز وفرويد، فإنها تبرهن على أن الإنسان يولد حاملاً لبذور الخير، حتى قبل أن يتعلم الكلام أو يدرك معنى الأخلاق، فلو تُرك الأطفال وحدهم في جزيرة  كما تخيل جولدنج في روايته ربما لن يتحولوا إلى متوحشين، بل سيتعاونون بدافعٍ غامض يسكن أعماقهم.

ويبقى السؤال مفتوحًا، هل نحن نصنع الخير بأنفسنا، أم أن الخير هو الذي يولد فينا؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء