أبناء الظلام الـ606.. مسلمون يخدمون بالجيش الإسرائيلي تحت مظلة خيانة الأرض
رغم كل المجازر التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين على مدار عامين، ما زالت ظاهرة خدمة "المسلمين" داخل صفوف الاحتلال في تزايد ملحوظ تحت مظلة من العار منقوشة بدماء فلسطينية "خيانة الأرض والهوية".
وبحسب بعض التقارير العبرية، فإن هؤلاء المُلقبون بـ "أبناء الظلام" ينحدرون في الأغلب من القرى البدوية في النقب أو من بعض المدن العربية في الجليل والمثلث والقدس الشرقية.
ورغم الطابع الحساس لهذه القضية، فإن الإحصاءات المنشورة تُظهر تحولًا تدريجيًا في موقف فئة محدودة من الشباب المسلمين تجاه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وسط انقسامٍ حاد بين من يعتبر ذلك "انخراطًا واقعيًا في منظومة الدولة" ومن يراه "خيانة".
«أبناء الظلام» 606 مسلمين يخدمون بالجيش الإسرائيلي
الخدمة العسكرية في إسرائيل ليست إلزامية بالنسبة للعرب المسلمين، بخلاف ما هو مفروض على اليهود والدروز، إذ تقتصر مشاركة المسلمين على التجنيد الطوعي.

ويؤكد محللون أن السلطات الإسرائيلية تحاول منذ سنوات طويلة استقطاب المزيد من المسلمين، وخاصة البدو، عبر برامج خاصة ومغريات مادية، مستهدفة المناطق الفقيرة في النقب والجليل.
ووفقًا لتقارير إسرائيلية حديثة، فإن أكثر من 350 جنديًا مسلمًا يخدمون حاليًا في صفوف الجيش الإسرائيلي، معظمهم من البدو الذين انخرطوا طوعًا في الخدمة.
غير أن تقارير أخرى – صدرت عام 2020، أشارت إلى أن عدد المسلمين العرب الذين تم تجنيدهم في ذلك العام بلغ نحو 606 مجندين، مقارنة بـ489 في عام 2019 و436 في 2018، في منحنى تصاعدي يعكس سياسة تجنيد ممنهجة.
وتوضح البيانات أن أكثر من نصف هؤلاء المجندين التحقوا بوحداتٍ قتالية، في حين توزع الباقون على وظائفٍ إدارية أو لوجستية أو أمنية داخلية.

ورغم هذه الأرقام، تبقى الصورة غير مكتملة؛ إذ لا تُصدر السلطات الإسرائيلية عادةً بيانات رسمية دقيقة تُظهر عدد المسلمين في الجيش مصنفًا بحسب الانتماء الديني أو العرقي، إذ غالبًا ما يتم دمج العرب المسلمين مع فئات أخرى مثل البدو أو العرب المسيحيين تحت تصنيفٍ عام "عرب إسرائيل"، وهو ما يجعل من الصعب تحديد الأعداد بدقة.
ويرى باحثون أن الرقم الذي يُشير إلى وجود "أكثر من 350 مسلمًا" قد يعبر عن عدد الجنود في الخدمة الفعلية فقط، وليس إجمالي المجندين أو المتطوعين سنويًا، في حين أن الأرقام السنوية (مثل 606 في عام 2020) قد تمثل مجموع من تم تجنيدهم خلال العام الواحد.
المسلمون في الجيش الإسرائيلي بين الإغراء والنبذ
تسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى استمالة الشبان المسلمين، خاصة البدو، من خلال حملات دعائية تروج لفكرة "المواطنة المتساوية" وفرص العمل والدراسة بعد الخدمة.
وتُقدم وعود بالتسهيلات الاقتصادية والتعليمية، إلا أن هذه الوعود لا تحجب الواقع الصعب الذي يعيشه المجند المسلم في محيطه الاجتماعي.
ففي الوقت الذي تصفه إسرائيل بـ"الاندماج"، ينظر كثير من أبناء مجتمعه إليه باعتباره "خروجًا من الصفّ الوطني".
بل ويُوصف أحيانًا بـ"العميل" أو "ابن الظلام" في إشارة إلى تناقض الهوية والانتماء.
ويُعد البدو الشريحة الأوسع بين المسلمين الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، ويُرجع الخبراء ذلك إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، أبرزها ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وغياب البنية التحتية التعليمية في مناطقهم، ما يجعل التجنيد خيارًا مغريًا في ظل شحّ الفرص.

غير أن منظمات حقوقية إسرائيلية نفسها انتقدت تعامل الجيش مع الجنود البدو، متهمة المؤسسة العسكرية بتهميشهم بعد انتهاء خدمتهم، وحرمانهم من حقوقهم الأساسية مقارنة بنظرائهم اليهود، إذ نادرًا ما يحصلون على وظائف مدنية في مؤسسات الدولة، رغم خدمتهم لسنوات.
وتطرح مشاركة المسلمين في الجيش الإسرائيلي أسئلة معقدة تتجاوز الجانب العددي إلى البعد الهوياتي والسياسي.
فكيف يمكن لشاب عربي مسلم أن يحمل السلاح في جيش يشنّ حروبًا متكررة ضد أبناء شعبه في غزة والضفة الغربية؟
البعض يبرر ذلك بأنه “بحث عن مستقبل شخصي” أو “محاولة للاندماج في الدولة التي يعيش تحت قانونها”، في حين يرى آخرون أنها انعكاس لضياع الهوية وضغط الحاجة، أكثر منها اقتناعًا بالمشروع الصهيوني.

1.8 مليون نسمة.. تعداد المسلمين في إسرائيل
بحسب معطيات مكتب الإحصاء الإسرائيلي لعام 2024، يبلغ عدد المسلمين في إسرائيل نحو 1.8 مليون نسمة، أي ما يعادل 18% من السكان، ما يجعلهم ثاني أكبر مجموعة دينية بعد اليهود.
وعلى الرغم من ذلك، لا تتجاوز نسبة المسلمين في الجيش الإسرائيلي جزءًا ضئيلاً من المجموع العام للمجندين، ما يؤكد أن الظاهرة لا تزال محدودة، وإن كانت في تزايد بطيء.
وبحسب ما نشرته صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، تضاعف عدد المجندين في وحدة الاستطلاع البدوية تقريبًا في غضون عامين، من 84 في عام 2018 إلى 171 في عام 2020.
وفي عام 2017، تم تجنيد 45 شخصًا فقط في الوحدة. في ضوء هذه الزيادة، يفتح جيش الدفاع الإسرائيلي الآن فصيلتين للتدريب الأساسي لكل تجنيد.

خلال العملية الأخيرة، طلب حوالي 20 جنديًا مسلمًا تسريحهم من الجيش الإسرائيلي بسبب الضغوط الشديدة التي مورست عليهم، وبعد محادثات مع قادة الجيش، اختار 18 منهم مواصلة خدمتهم، بينما سُرِح البقية.
ولخص الجيش بيانات التجنيد من يونيو 2019 إلى يونيو 2020، لذا ستُعطيه التجنيدات القادمة معلومات حول ما إذا كان هذا الاتجاه سيستمر بالفعل.
في الوقت الحالي، ووفقًا للبيانات الأولية المتوفرة لدى الجيش الإسرائيلي على الأقل، لم يُلاحظ أي تغيير في هذا الاتجاه، ومع ذلك، لن يتمكن الجيش الإسرائيلي من تحديد اتجاهات واضحة إلا بحلول منتصف العام المقبل.
إلى جانب زيادة عدد المسلمين المُجندين في الجيش الإسرائيلي، انخفض عدد الجنود المسلمين الذين تركوا خدمتهم مُبكرًا بنسبة 7%.
وفي عام 2019، بلغ معدل التسرب 30%، مُقابل 23% في العام الماضي، ويهدف الجيش الإسرائيلي للعام المُقبل إلى خفض هذه النسبة إلى 20%.
خلال عام 2020، انخفض أيضًا عدد الجنود المسلمين الذين غابوا عن الخدمة دون إذن بنسبة 10%، ويعتقد مسؤولو الجيش الإسرائيلي أن جميع الإحصاءات تشير إلى دافع قوي لمواصلة الخدمة.
ويعتقد الجيش أن الزيادة الكبيرة في عدد المسلمين المُجندين (والذي يتركز بشكل رئيسي بين السكان البدو) مرتبطة بحملة تجنيد واسعة النطاق ودعوات شخصية وُجهت إلى 4000 شاب للتجنيد في الجيش.

وقد أبدى حوالي 1200 من هؤلاء الشباب اهتمامهم وتواصلوا مع الجيش الإسرائيلي، وتم تجنيد 250 منهم.
في سبتمبر 2021، أرسل الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع حوالي 10000 رسالة دعوة إلى الشباب من المجتمع البدوي في الجنوب، بدلاً من إشعارات التجنيد الاعتيادية.
وبحسب الإحصائيات، حوالي 75% من جنود الجيش الإسرائيلي البدو هم من الشمال، حيث يُسهّل التجنيد عادةً.
في الجنوب، يُؤدي التوتر بين السلطات والحكومة، والجريمة، من بين عوامل أخرى، إلى انخفاض أعداد التجنيد بشكل كبير.

