من الزيني بركات إلى دفاتر التدوين.. قراءة في مشروع جمال الغيطاني
امتلك جمال الغيطاني الذي تحل اليوم ذكرى رحيله حسًّا أدبيًا وبصيرة إنسانية جعلته يعيد قراءة التاريخ من زاوية المهمشين والمقموعين، ليكشف بنية السلطة في عمقها الأخلاقي والنفسي والاجتماعي.
منذ روايته الأشهر «الزيني بركات» التي نشرت عام 1974 وحتى «دفاتر التدوين»، ظل مشروعه الإبداعي محاولة مستمرة لفهم آليات القهر والاستبداد في التاريخين الإسلامي والمصري الحديث، في إطار فني يمزج بين جمال اللغة وعمق الفكرة.
«الزيني بركات»
استعاد الغيطاني في «الزيني بركات»، مرحلة من تاريخ المماليك، لكنها كانت مرآة للواقع السياسي المعاصر، حيث بدت الرواية في ظاهرها عملاً تاريخيًا، حملت في باطنها نقدًا شديدًا لما كان يحدث وقتها من قمع وقهر في السلطة، استخدم الكاتب أسلوبًا توثيقيًا يعتمد على تقارير ووقائع تبدو رسمية، لكنه حولها إلى شهادة أدبية ضد آليات الاستبداد التي تتكرر في كل زمن.

رأى من وجهه نظره أن نهايات فترة الستينيات وزيادة سطوة السلطة قديما شبيهة بفترة وجود الزينى بركات، التي جاءت في نهايات دولة المماليك وبداية اضمحلالها مع الصراعات التي كثرت بين المماليك، في الوقت الذي بدأ فيه صعود نجم الدولة العثمانية وسيطرتها على مقاليد الحكم في مصر عام 1517، وهو ما اعتبره أيضًا مؤلف الرواية نوعا من أنواع الربط بين نكسة يونيو 1967 وبين معركة «مرج دابق» التي انتهت بانتصار العثمانيين على المماليك، خاصة أن فترة الثنائى «بركات، زكريا» اتسمت بازدياد سطوة العسس أو «البصاصين» والصراع الدائم بين قادة المماليك، ما أدى إلى هزيمتهم أمام العثمانيين
«دفاتر التدوين»
ثم جاءت «دفاتر التدوين» لتكون بمثابة مراجعة فكرية وجمالية لمشروع الغيطاني الإبداعي، حيث يقترب فيها من مفهوم الحرية الفكرية، ويدعو إلى إعادة الاعتبار للعقل النقدي والوعي التاريخي كوسيلة للخلاص من القهر، كانت تلك الدفاتر بمثابة بيان إنساني يؤمن بأن التنوير لا يتحقق إلا عبر الوعي بالذات ومواجهة السلطة بمعناها الواسع، سواء كانت سياسية أو فكرية أو اجتماعية.