حزب الدستور المصري.. من الميلاد الثوري إلى التحديات السياسية
حزب الدستور ليس مجرد حزب سياسي عادي في المشهد المصري، بل هو نتاج مباشر لثورة 25 يناير 2011، وتجسيد لآمال وتطلعات قطاع عريض من الشباب والمثقفين.
قصة الحزب تبدأ مع شخصية محورية، هو الدكتور محمد البرادعي، الحائز على جائزة نوبل للسلام والرئيس الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فكرة الميلاد.. من "حزب الثورة" إلى "حزب الدستور"
بعد تنحي الرئيس محمد حسني مبارك، رأى البرادعي ومجموعة من المفكرين والنشطاء السياسيين أن الثورة في حاجة إلى كيان سياسي يجمع القوى الشبابية والثورية، ويعمل على تحقيق أهدافها في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية".
في البداية، كان الاسم المقترح للحزب هو "حزب الثورة"، لكن وجود حزب آخر يحمل نفس الاسم دفع المؤسسين لاختيار اسم "الدستور"، وهو اختيار رمزي يعكس إيمانهم بأن الدستور هو العقد الاجتماعي الذي يربط بين الحاكم والمحكوم، ويضمن الحقوق والحريات.
في أبريل 2012، أعلن البرادعي رسميًا تأسيس الحزب، الذي ضم في لجنته التأسيسية شخصيات بارزة مثل الطبيب أحمد حرارة، والسفير سيد قاسم، والاعلامية جميلة إسماعيل، والأستاذ الجامعي أحمد دراج.
كان هدف الحزب المعلن هو أن يكون جامعًا للطيف الشبابي الثوري، ووسيطًا يجمع المصريين على مبادئ المواطنة والحوكمة الرشيدة والعدالة الاجتماعية.
ظهور الحزب وشعاره
حزب الدستور نجح في استقطاب اهتمام كبير في الأوساط السياسية، خاصةً مع شعبية البرادعي وقدرته على جذب قطاعات واسعة من الشباب والمثقفين.
شعار الحزب، وهو شجرة "الجميز" الضخمة والمعمرة، اختير بعناية ليرمز إلى التنمية والرخاء والحرية، وأن يكون مظلة جامعة للمصريين، تمامًا كما تظلل شجرة الجميز الكبيرة كل من يجلس تحتها.
في سبتمبر 2012، حصل الحزب على ترخيصه الرسمي، مما جعله واحدًا من القوى المدنية القليلة التي يمكنها منافسة الأحزاب الإسلامية التي كانت تهيمن على المشهد السياسي في ذلك الوقت.
البرادعي والهروب من الأبواب الخلفية
مسيرة حزب الدستور لم تكن سهلة، فبينما كان يسعى لتأسيس نفسه كقوة سياسية رئيسية، واجه العديد من التحديات.
كانت أبرزها الاستقالة المفاجئة لمؤسسه الدكتور محمد البرادعي من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية في أغسطس 2013، ومغادرته مصر.
هذه الخطوة أثارت جدلاً واسعًا، وأثرت على مسار الحزب، خاصة مع ارتباطه الوثيق بشخصية البرادعي.
بعد استقالة البرادعي، انتخب الحزب الدكتورة هالة شكر الله رئيسًا له، وواصل مساره السياسي، ولكنه تعرض لعدة انشقاقات وخلافات داخلية أثرت على فاعليته وتماسكه.
إرث الحزب
رغم التحديات، يظل حزب الدستور نموذجًا لتأسيس حزب سياسي يرتكز على مبادئ ثورية، ويسعى لبناء دولة مدنية حديثة.
تكمن أهمية الحزب في أنه كان محاولة لتوحيد قوى التغيير بعد الثورة، وتقديم نموذج سياسي وسطي بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الحاد الذي ساد المشهد المصري لسنوات.
لا تزال مبادئه وقيمه التي دعت إليها الثورة، مثل العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية، تشكل جزءًا من الذاكرة السياسية لجيل كامل من المصريين.
محطات هامة ورؤساء الحزب
محمد البرادعي: هو المؤسس ووكيل مؤسسي الحزب، وكان أول رئيس له.
شكل الحزب إطارًا سياسيًا لشباب الثورة الذين التفوا حوله، وسعى لتقديم نموذج جديد للعمل السياسي.
هالة شكر الله: في فبراير 2014، انتخب المؤتمر العام للحزب الدكتورة هالة شكر الله رئيسة للحزب، لتصبح أول امرأة مصرية مسيحية تترأس حزبًا سياسيًا. أثبت هذا الانتخاب توجه الحزب المدني واحترامه للكفاءة بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
جميلة إسماعيل: بعد فترة، ترأست الحزب الإعلامية جميلة إسماعيل، وهي من أبرز قيادات الحزب التي تولت رئاسته في فترة لاحقة.
تطورات بارزة في حزب الدستور
خلافات داخلية حول رئاسة الحزب: في سبتمبر 2024، أعلنت لجنة شؤون الأحزاب السياسية خلو منصب رئيس الحزب، وهو ما اعتبره البعض داخل الحزب بمثابة "حل ضمني" له.
جاء هذا القرار في ظل نزاعات داخلية بين رئيسة الحزب جميلة إسماعيل وعدد من أعضاء الهيئة العليا.
وقامت جميلة إسماعيل باتخاذ إجراءات قانونية ضد هذا القرار، وما زالت التداعيات القانونية لهذه القضية مستمرة.
الاستعداد للانتخابات البرلمانية: رغم الأزمات الداخلية، يسعى الحزب إلى تنظيم صفوفه والاستعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة.
ففي يوليو 2025، عقد المكتب السياسي للحزب اجتماعًا مع أعضائه الذين أبدوا نيتهم الترشح لانتخابات مجلس النواب 2025.
جاءهذا الاجتماع في إطار خطة الحزب لخوض الاستحقاقات الانتخابية وتقديم مرشحين يمثلون رؤيته السياسية.
المشاركة في الحياة السياسية: يواصل الحزب التعبير عن مواقفه تجاه القضايا الوطنية والدولية.
فقد أصدر بيانات تثمن الدبلوماسية المصرية، وتندد بالأوضاع في قطاع غزة، كما شارك في حوارات سياسية ونقاشات حول قضايا مختلفة، مما يؤكد سعيه للحفاظ على تواجده ونشاطه رغم التحديات.
بشكل عام، يمكن القول إن حزب الدستور يمر بفترة دقيقة، حيث يسعى إلى تجاوز خلافاته الداخلية وتوحيد صفوفه من أجل المشاركة الفعالة في الحياة السياسية، خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات.



