رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المغرب والجزائر.. حرب باردة فوق رمال الصحراء الغربية

الجش المغرب -أرشيفية
الجش المغرب -أرشيفية

تمثل أزمة الصحراء الغربية أحد أقدم النزاعات الإقليمية المعلقة في العالم، وعنواناً بارزاً للصراع الجيوسياسي في منطقة المغرب العربي. فهي ليست مجرد نزاع على أراضٍ شاسعة غنية بالثروات، بل قضية معقدة تشابكت فيها خيوط التاريخ والهوية الوطنية، والصراع الإقليمي على الزعامة، والمصالح الجيوستراتيجية للقوى الدولية.

تدور رحى هذا النزاع أساسًا بين المملكة المغربية، التي تدّعي سيادتها على الإقليم وتقدم حلاً للصراع في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وجبهة "البوليساريو" المدعومة من الجزائر، التي تناضل من أجل إقامة دولة مستقلة تحت اسم "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية". 

هذا التجاذب المغربي–الجزائري المحوري يتشكل ويتأثر، بشكل متزايد، بمواقف ودعم القوى الأوروبية والأمريكية، مما يضفي أبعاداً دولية على قضية إقليمية بالأساس.

الجذور التاريخية والسياق الجيوسياسي للتجاذب المغربي–الجزائري

تبرز أزمة الصحراء الغربية كنتاج تراكمات تاريخية وصراع هويات متقاطع. فبعد انسحاب إسبانيا من إقليمها السابق "الصحراء الإسبانية" عام 1975، دخلت المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية في صراع مباشر حول مصير هذا الإقليم.

قامت المغرب بما يعرف بـ"المسيرة الخضراء" سعيًا لاستعادة ما تعتبره جزءًا لا يتجزأ من أراضيها التاريخية، مستندة إلى روابط البيعة بين قبائل الصحراء وسلاطين المغرب.

وفي المقابل، رأت الجزائر، التي كانت تدعم حركات التحرر في العالم، في قضية الصحراء فرصة لتحجيم نفوذ جارتها الغربية التقليدية وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. كما أن دعمها لـ"البوليساريو" يمثل امتداداً لأيديولوجيتها الثورية ورغبتها في الوصول إلى المحيط الأطلسي.

فالجزائر، التي خرجت لتوها من حرب التحرير الدامية، رأت في دعم حق تقرير المصير للشعب الصحراوي امتدادًا لمبادئها الثورية، بينما رأت المغرب في استكمال وحدتها الترابية تجسيدًا لفكرة الدولة الوطنية الموحدة.

هذا الصراع تجلى عسكريًا لسنوات، حتى اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991 تحت رعاية الأمم المتحدة، التي أرسلت بعثة (مينورسو) للإشراف على الهدنة وتحضير استفتاء لتقرير المصير لم يُجرَ حتى اليوم.

ومنذ ذلك الحين، تحول الصراع إلى معركة دبلوماسية واقتصادية وسياسية شرسة، حيث تسعى كل من المغرب والجزائر إلى كسب التأييد الدولي لموقفيهما.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

الاستراتيجية المغربية: الدبلوماسية النشطة والشراكات الاستراتيجية

اعتمدت المغرب استراتيجية متعددة الأوجه لتعزيز موقفها في قضية الصحراء، ومحور هذه الاستراتيجية هو مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به عام 2007، والذي يُعد من أكثر الحلول السياسية واقعية من وجهة نظر العديد من المحللين الدوليين.

يمنح هذا المقترح سكان الإقليم حكمًا ذاتيًا واسعًا في إطار السيادة المغربية والدستور المغربي. وقد حظي بدعم واسع، خاصة من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والعربية، التي ترى فيه حلاً وسطًا يمكن أن ينهي النزاع.

ولتعزيز هذا الموقف، انخرطت المغرب في دبلوماسية اقتصادية نشطة، حيث عززت شراكاتها مع القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فالـاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول للمغرب، وهناك اتفاقيات متقدمة في مجالات الصيد البحري والزراعة تشمل بشكل مباشر أو غير مباشر مناطق من الصحراء الغربية، مما يمنح الأمر شرعية عملية.

كما أن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء في "اتفاقية إبراهام" عام 2020، خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مثل نقطة تحول كبرى. ورغم أن إدارة بايدن لم تتراجع رسميًا عن هذا القرار، فإنها اتخذت موقفًا أكثر حذرًا، معترفة بجدية وجدوى مقترح الحكم الذاتي دون تأييد صريح للسيادة المغربية بشكل مطلق.

وفي أكتوبر 2025، شهدت أقاليم الصحراء الغربية تدفقًا للاستثمارات الأوروبية، وخاصة الفرنسية، في ظل توافق غربي واسع حول الاعتراف السياسي والدبلوماسي بمغربية الصحراء الغربية. فقد اعترفت بريطانيا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، تأكيدًا على معاهدة الصداقة المبرمة بين البلدين عام 1721، بدعم من الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون. كما اعترفت بريطانيا بمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره "الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية لحل دائم للنزاع"، وذلك في بيان مشترك وقّعه وزير الخارجية ديفيد لامي ونظيره المغربي ناصر بوريطة في يونيو 2025.

 

محمد السادس ملك المغرب
محمد السادس ملك المغرب

من الاعتراف السياسي إلى الدعم الاقتصادي

تجاوز الدعم الأوروبي الاعتراف السياسي ليشمل الاستثمار المادي، حيث شارك نحو ثلاثين من كبار رجال الأعمال الفرنسيين في منتدى اقتصادي عُقد في منطقة الداخلة، وهو الأول من نوعه، مما يؤكد تنامي اهتمام القطاع الخاص الدولي بإمكانيات المناطق الجنوبية للمغرب.

تُبرز الاستثمارات الفرنسية، التي تشمل الطاقة المتجددة والسياحة والبنية التحتية، أهمية تطوير ميناء الداخلة العميق كجزء أساسي من خطة المغرب لتعزيز اقتصاده المحلي وتهيئة بيئة مواتية للشركات العالمية. ومن المتوقع أن تفتح مشاريع تطوير الموانئ أبوابًا جديدة أمام المغرب لتوسيع تجارته مع الأسواق الأفريقية، مما يعزز دور الصحراء كمحرك اقتصادي إقليمي.

وفي 9 أكتوبر 2025، عُقد المنتدى الاقتصادي المغربي–الفرنسي في الداخلة، بتنظيم من الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM) وحركة الأعمال الفرنسية (MEDEF). وقد جمع الحدث أكثر من (300) من قادة الأعمال وصناع القرار والدبلوماسيين وممثلي المؤسسات من كلا البلدين.

أبرز هذا التجمع الحيوي الشراكة الاقتصادية المغربية–الفرنسية والأهمية المتزايدة للأقاليم الجنوبية كمركز جديد للنمو والتعاون الأوروبي–الأفريقي.

وأكد المشاركون أن انعقاد هذه النسخة في الداخلة يرمز إلى اعتراف واضح بالدور الاستراتيجي المرتقب للصحراء المغربية في الديناميكيات الاقتصادية الوطنية والإقليمية. كما أكدوا الإمكانات الزراعية والطاقية والموقع الاستراتيجي للأقاليم الجنوبية كمركز للتكامل الأفريقي.

إلى جانب ذلك، جذبت الصحراء المغربية اهتمام الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) بمشاريع تتجاوز قيمتها (3.2 مليار يورو)، إضافة إلى صندوق الإيداع والتدبير (CDG) الذي يموّل نموذج التنمية الجديد في المغرب، القائم على ثلاثة ركائز أساسية: رأس المال البشري، والبنية التحتية، ورأس المال الطبيعي.

وفي ختام المنتدى، أجرى المشاركون زيارة ميدانية إلى موقع بناء ميناء الداخلة الأطلسي، حيث اطلعوا على تقدم المشروع وإمكاناته كمحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية واللوجستية في الأقاليم الجنوبية.

الموقف الجزائري: ثبات المبادئ والتحالفات التقليدية

تلتزم الجزائر بموقفها القائم على حق تقرير المصير للشعب الصحراوي كما ينص عليه القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وتدعم الجزائر "البوليساريو" سياسيًا ودبلوماسيًا ولوجستيًا، وتوفر لها ملاذًا آمنًا في مخيمات تندوف على أراضيها.

يمثل هذا الدعم ركنًا أساسيًا في السياسة الخارجية الجزائرية، التي ترى في قضية الصحراء قضية تصفية استعمار.

غير أن هذا الموقف يحمل أبعادًا جيوسياسية واضحة، فالدعم الجزائري المتواصل لـ"البوليساريو" هو أداة لتحقيق توازن استراتيجي مع المغرب ومنعها من الهيمنة على المنطقة، والحفاظ على دور الجزائر كقوة إقليمية فاعلة.

لكن المواقف الدولية المتغيرة، ولا سيما التحرك الأمريكي، وضعت الجزائر في موقع دفاعي. فالدعم التقليدي الذي تحظى به من حركات عدم الانحياز وبعض الدول الأفريقية لم يعد كافيًا لمواجهة الزخم الدبلوماسي المغربي المدعوم من واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.

في هذا السياق، أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسميًا خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية لعام 2007 في رسالة عام 2024 إلى الملك محمد السادس، واعتبرها حلًا عمليًا لنزاع دام قرابة 50 عامًا.

احتجاجًا على هذا القرار، استدعت الجزائر سفيرها من باريس. ومنذ ذلك الحين، أعربت دول عدة – منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغانا والبرتغال – عن دعمها لخطة الحكم الذاتي المغربية، مما منح المغرب دفعة دبلوماسية قوية وزاد من توتر علاقاته مع الجزائر.

في المقابل، تدعو جبهة البوليساريو إلى إجراء استفتاء على تقرير المصير والاستقلال تحت إشراف كامل من الأمم المتحدة. ويثير الدعم الجزائري لهذه الجبهة تساؤلات حول دوافعه وأبعاده الاستراتيجية.

من جانبها، تتابع إيطاليا الوضع عن كثب، مدركةً أن أي تقدم في المفاوضات قد يفتح فرصًا اقتصادية جديدة في المنطقة. لكن بعض المراقبين يحذرون من أن تسارع العملية السياسية قد يجعل روما متأخرة عن شركائها الأوروبيين الأكثر نشاطًا في جنوب المغرب.

ومن ثم، فإن أي إعادة تنظيم محتملة للوضع السياسي في الصحراء الغربية قد تعيد تحديد التوازن الاقتصادي في المنطقة وتتيح فرص تعاون جديدة للشركات الأوروبية، في ظل تنافس متزايد وأهمية استراتيجية متنامية لأمن الطاقة والخدمات اللوجستية في البحر الأبيض المتوسط.

الجيش الجزائري
الجيش الجزائري

الدعم الأوروبي والأمريكي: بين المصالح والمواقف المبدئية

يمثل الموقف الدولي، وخاصة الأوروبي والأمريكي، عاملًا حاسمًا في معادلة الصراع. فالولايات المتحدة، بصفتها القوة العظمى، تمتلك نفوذًا قادرًا على تغيير موازين القوى.

قرار الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، وإن كان مثيرًا للجدل، أعطى دفعة قوية للموقف المغربي وأربك الحسابات الإقليمية.

هذا القرار لم يكن بمعزل عن سياقه الأوسع، وهو "اتفاقية إبراهام" لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، مما يظهر كيف تتقاطع القضايا الإقليمية مع أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

أما الاتحاد الأوروبي، فيواجه معضلة أكثر تعقيدًا. فالمغرب شريك استراتيجي حيوي للاتحاد في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة. وهناك مصالح أوروبية متشابكة تجعل من الصعب اتخاذ موقف حاد ضد الرباط.

في المقابل، يصر جزء من اليسار الأوروبي والمحاكم الأوروبية على ضرورة احترام القانون الدولي وحق تقرير المصير، مما دفع محكمة العدل الأوروبية في أكثر من مناسبة إلى إصدار أحكام تقضي بعدم شمول اتفاقيات الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لمناطق الصحراء الغربية ما لم يوافق ممثلو الشعب الصحراوي.

هذا التباين داخل المواقف الأوروبية يعكس التناقض بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية من جهة، والالتزامات القانونية والمبدئية من جهة أخرى.

السياق الجيوسياسي للصحراء الغربية

يُعد السياق الجيوسياسي بالغ الأهمية لفهم قضية الصحراء الغربية. فالإقليم، الغني بمصائد الأسماك ورواسب الفوسفات، يمتد على مساحة شاسعة في معظمها صحراء. ويبلغ عدد سكانه ما يزيد قليلاً على (650 ألف نسمة)، يتركز حوالي نصفهم في مدينة العيون الشمالية.

وبفضل ساحله الممتد، تُعد الصحراء الغربية مثالية لصيد الأسماك، فيما يسعى المغرب إلى تطوير ميناء الداخلة لتزويد دول الساحل بمنفذ إلى المحيط الأطلسي، بما يتماشى مع طموحاته الوطنية ومصالحه الاستراتيجية.إضافة إلى ذلك، فإن المورد الرئيسي للإقليم اليوم هو أراضيه الغنية بالفوسفات، وهو معدن أساسي لإنتاج الأسمدة.

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء