أبطال الظل (5) أصوات وأقلام وألحان وطنية.. واجهت الهزيمة.. وبشرت بالإنتصار !
بعد نكسة يونيو 1967 لم تكن مصر جريحة على الأرض فقط، بل كانت مكلومة في وجدانها وومجروحه في كرامتها، وبينما كان يتم اعداد، والجيش للمعركة، وتجهيز اسلحته، كان سلاح آخر لا يقل قوة ولا تأثيرًا ينهض من رحم الهزيمة، هو سلاح الكلمة واللحن والأغنية الوطنية التي شحذت الهمم وأعادت الثقة للشعب والجنود بعد لحظات من وقوع النكسة كما كان حاضراً خلال لحظات الاولى العبور وشريكا للجنود والشعب في انتصار اكتوبر العظيم.
كانت الأغنية الوطنية في تلك السنوات لسان حال الأمة، تُعبر عن الألم والأمل، وتحمل رسائل تحد وصمود، وتتحول إلى وقود نفسي وروحي للمعركة المنتظرة.
في مقدمة من حملوا الكلمة الوطنية الشاعر الوطنى الملقب بالخال عبدالرحمن الأبنودي الذي ابكانا بعد النكسة مباشرة بعدى النهار و بعدها كتب "أحلف بسماها وبترابها" و"ابنك يقولك يا بطل"، فكانت كلماته نبض الشعب وصرخة الصمود.
أما صلاح جاهين فواجه الهزيمة بالأمل وكتب "راجعين بقوة السلاح" و"بالأحضان"، لتصبح قصائده أناشيد الإصرار.
كما أسهم محمد حمزة ومجدي نجيب و مرسي جميل عزيز وعبدالفتاح مصطفى وفؤاد حداد وغيرهم في ترسيخ الأغنية الوطنية بكلمات تفيض صدقا وانتماءً ونجحوا جميعا في التعبير عن الام وامال الشعوب العربية .
كان عبد الحليم حافظ الصوت الأبرز لتلك المرحلة، غنّى وجع الهزيمة في "عدى النهار" للأبنودي ثم ألهب الحماس بـ"فدائي" و"أحلف بسماها".
وغنّت أم كلثوم لمصر والعروبة "أصبح عندي الآن بندقية" و"مصر تتحدث عن نفسها"، أما شادية، فصارت بصوتها الحنون رمز الوطنية بأغنيتها الخالدة "يا حبيبتي يا مصر".
وأسهمت وردة الجزائرية في صياغة وجدان الانتصار بأغنيات مثل "على باب مصر" و"حلوة بلادي السمرا"، مجسدة وحدة المصير العربي في زمن النضال.
و لم يكن الفن المصري وحده في الميدان، فقد تجاوبت الأصوات العربية مع وجع مصر وحلمها بالنصر ، فقدّمت علية التونسية أعمالًا خالدة دعمت بها صمود مصر بعد النكسة، مثل أغنيتها الشهيرة "تعالي نحب مصر" و"بالله يا مصر"، بصوتها الذي جمع بين الحنان والقوة.
كما شاركت صباح اللبنانية في حملة الأغاني الوطنية بأغاني مثل "سواعد من بلادي" و"الله على مصر"، وكانت تحيي حفلات في الجبهة لرفع معنويات الجنود ، وغنت العظيمة فيروز لمصر والعروبة بصوتها الملائكي في "مصر عادت شمسك الذهب" التي أصبحت نشيدًا للوحدة والأمل.
وحمل المبدع بليغ حمدي لواء اللحن الوطني من "عدى النهار" إلى "يا حبيبتي يا مصر" و"أحلف بسماها"، وظلّ لحنه دائمًا أقرب للوجدان الشعبي ، كذلك كان كمال الطويل ومحمد الموجي ورياض السنباطي فقدموا ألحانا خالدة جمعت بين الحس الوطني والعمق الفني، لتتحول الموسيقى إلى نبض يعيد الثقة للقلوب ، و بين 1967 و1973 كانت الأغنية الوطنية جبهة لا تهدأ ، تُذاع من الإذاعة المصرية صباحًا ومساءً لتقول للمصريين: "مصر لا تُهزم" كما كانت نفس الاغاني تغنى في اذاعات الوطن العربي كله .
وعندما تحقق النصر في أكتوبر، دوّى النشيد الخالد: " سمينا وعدينا بصوت مصر القويالمطربة شهرزاد "، ليصبح رمزًا لعزة الوطن وصوت النصر الذي غنّته مصر والعرب معًا.
وهكذا أثبتت الأغنية الوطنية أن الفن يمكن أن يكون سلاحًا في المعركة بل اثبت ان الاغنية سبقت البندقية ومهدت للنصر وشاركت في صناعته.
