قصور الثقافة.. منارات بناء الوعي تحولت لمباني صامتة |خاص
منذ نشأتها قبل أكثر من نصف قرن، كانت قصور الثقافة بمثابة الجسر الذي يصل الثقافة بالمواطن، فتمنحه المعرفة والفن والجمال، وتفتح أمامه نوافذ الإبداع في القرى والنجوع بعيدًا عن مركزية العاصمة.
كانت هذه القصور في يومٍ من الأيام مراكز نابضة بالحياة، تُقيم الندوات والمعارض والعروض المسرحية، وتحتضن المواهب الشابة، لتسهم في بناء الإنسان المصري ثقافيًا وإنسانيًا.
لكن تلك الصورة بدأت تتلاشى، بعدما أصاب هذه المؤسسات جمود إداري وفكري حولها من منابر للتنوير إلى مبانٍ صامتة غارقة في البيروقراطية، بينما ابتعد عنها الشباب، وتراجع تأثيرها في المشهد الثقافي العام.
ومن هنا يطرح "إيجبتكِ" سؤلًا: هل ما زالت قصور الثقافة تقوم بدورها الحقيقي في بناء الإنسان المصري؟ أم تحولت إلى هياكل بلا روح؟
جمود في الرؤية.. وانفصال عن روح العصر
يقول الكاتب السكندري أحمد علي إن قصور الثقافة لم تعد تلعب دورها كما ينبغي، مشيرًا إلى أن أنشطتها تفتقر إلى الجاذبية ولا تواكب روح العصر.
ويضيف في تصريح لـ "إيجيبتك": "قصور الثقافة تبدو وكأنها تعيش في زمن آخر، بعيدة عن ذائقة الجيل الجديد، ولا تملك أدوات التواصل الحديثة التي تجعلها أكثر قربًا من الشباب. نحتاج إلى إدارة شابة تفهم لغة هذا الجيل وتعرف كيف تتواصل معه."
ويؤكد أن إحياء قصور الثقافة لا يكون بتكرار الأنشطة القديمة، بل بتحويلها إلى منصات تفاعلية منفتحة على الفنون الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي.
جيل جديد خارج أسوار القصور
من جانبه، يرى الكاتب والباحث وسام زين الدين، أن قصور الثقافة توقفت عند جيلٍ معين، بينما انسحبت الأجيال الجديدة إلى فضاءات أخرى أكثر حرية.
ويقول: بعد ثورة يناير، ابتعد الشباب عن قصور الثقافة لأنها لم تعد تعبّر عن واقعهم أو طموحاتهم، فاتجهوا إلى المراكز الثقافية المستقلة والمنصات الرقمية، وابتكروا طرقًا جديدة للتعبير الفني بعيدًا عن القيود الرسمية.
ويشير إلى أن الرتابة الإدارية هي العائق الأكبر أمام اجتذاب أجيال جديدة، رغم توفر البنية التحتية الجيدة في بعض المحافظات مثل دمنهور، داعيًا إلى إعادة دمج الشباب عبر أنشطة حديثة تتفاعل مع المسرح البديل والفنون الرقمية.
قصور مغلقة وأنشطة معلقة
الشاعر والفوتوغرافي محمد الكاشف يرى أن ما يحدث لقصور الثقافة في الأقاليم هو تراجع خطير في دورها الاجتماعي.
ويقول: قصور الثقافة حين تأسست كانت موئلًا للمواهب والأصوات الجديدة، لكنها الآن في كثير من الأماكن مغلقة أو شبه متوقفة، في الفيوم مثلًا، أُغلق القصر بحجة التجديد منذ سنوات، وأصبح رمزًا لتهاوي شبكة الحراك الثقافي في المحافظات.
ويضيف أن الروتين والبيروقراطية حولت القصور إلى مكاتب بلا روح، وأن أندية الأدب فقدت بريقها بسبب غياب الدعم الحقيقي، حتى صار المثقفون يبحثون عن منافذ بديلة لأنشطتهم.
خلل إداري.. وغياب رموز التنوير
يشير الكاشف إلى أن أزمة قصور الثقافة ليست فقط في توقف الأنشطة، بل في غياب الشخصيات الفكرية التي كانت تضخ فيها الحياة، "بعد رحيل رموز مثل سيد إمام في دمنهور، اختفى الجيل الذي كان يربط بين المثقفين الشباب والمؤسسات الثقافية، فغاب الحراك الحقيقي، وبقيت القصور بلا ذاكرة أو هوية."
ويؤكد أن أي استراتيجية لإحياء هذه القصور يجب أن تبدأ بإعادة تمكين المبدعين الحقيقيين لا الموظفين، وإعطاء الثقافة حقها كقوة ناعمة قادرة على التغيير.
قصور بلا جمهور
القاص حسين منصور يستعيد تجربته مع بيوت الثقافة في المنوفية قائلًا: "عرفت بيت الثقافة بالصدفة من صديق، رغم أنني كنت أعيش على بُعد أمتار منه، و المشكلة أن القصور لا تذهب إلى الناس، بل تنتظر أن يأتيها الجمهور، وهذا ضد فلسفتها الأصلية."
ويضيف: أن معظم الأنشطة داخل القصور تقتصر على النخبة والموظفين، بينما النشاط الذي يخرج إلى الشارع أو المدارس يجذب الناس فعليًا، ومؤكدا أن قصور الثقافة تنجح حين تخرج إلى الجمهور، وتفشل حين تحبس نفسها بين الجدران.
غياب الاستراتيجية.. وتدهور البنية التحتية
من جانبها، تؤكد سحر الجمال، مسئولة الثقافة العامة بثقافة الفيوم، أن المشكلة الأساسية هي غياب استراتيجية واضحة للتنمية الثقافية.
وأشارت إلي أنه لا توجد خطة ترويجية للأنشطة، ولا يُستخدم الإعلام أو وسائل التواصل لنشرها، وأن هناك أماكن مغلقة منذ سنوات مثل قصر ثقافة الفيوم وبيت ثقافة سنورس، بينما تظل مكتبات القرى مهجورة بلا رواد.
وتدعو الجمال: إلى ضرورة أن تضع الدولة رؤية شاملة للتنمية الثقافية تضمن تفعيل دور القصور، وتحويلها إلى مؤسسات حقيقية لبناء الإنسان المصري لا مجرد مبانٍ تُضاف إلى خريطة المنشآت الحكومية.
الثقافة لا تموت.. لكنها تحتاج من يُحييها
وفي النهاية قصور الثقافة ليست رفاهية، بل عمود أساسي من أعمدة القوة الناعمة لمصر، ومؤشر على وعي المجتمع وقدرته على التطور، لكنها اليوم، كما يقول أحد المثقفين، «تحولت من مصانع للخيال إلى مخازن للروتين»، وبينما يبحث الشباب عن بدائل جديدة، تبقى الحاجة ملحّة لإعادة الروح إلى هذه المؤسسات العريقة، كي تستعيد رسالتها الأصلية: بناء الإنسان قبل الجدران.