الثقافة المؤسسية في العالم العربي.. أزمة بنيوية تبحث عن إصلاح جذري
في الوقت الذي تتسارع فيه خطوات العالم نحو تطوير بيئات العمل، وبناء مؤسسات قادرة على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي، ما زالت العديد من المؤسسات العربية تواجه أزمة عميقة في بنيتها وثقافتها الإدارية، أزمة لا تتعلق بالتمويل أو الموارد بقدر ما ترتبط بما يسميه الباحث والكاتب الصحفي نبيل عبد الفتاح بـ «الثقافة المؤسسية»؛ أي القيم والقواعد والسلوكيات التي تضبط عمل المؤسسة وتضمن العدالة والشفافية داخلها.

يقول عبد الفتاح في حوار خاص لـ«إيجبتكِ» إن ضعف الثقافة المؤسسية يعد من أبرز المشكلات التي تواجه المجتمعات العربية منذ عقود، موضحًا أن المؤسسة في جوهرها ليست مجرد مبنى أو إدارة، بل هي نظام من القواعد والإجراءات التي تنظّم العمل وتحدّد العلاقة بين العاملين والجمهور، وتُخضع الجميع لآليات المساءلة دون تمييز على أساس الدين أو الانتماء أو المكانة الاجتماعية.
قيم المؤسسية الغائبة
يؤكد عبد الفتاح أن القيم المؤسسية الحقيقية تكرّس القواعد الدستورية والقانونية في تعامل المؤسسة مع المواطنين والعاملين بداخلها، سواء في آليات التعيين أو الترقية أو المساءلة، مشيرًا إلى أن تجاوز هذه القواعد لصالح العلاقات الشخصية أو الولاءات الاجتماعية يؤدي إلى إضعاف العدالة داخل المؤسسة وتقويض استقلالها.
ويضيف أن جزءًا كبيرًا من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي ما زال يعاني من الضعف البنيوي، حيث تتغلب في كثير من الأحيان الانتماءات الفردية والعلاقات الشخصية على القواعد الإدارية، وهو ما يجعل الأداء المؤسسي رهينًا لتوازنات اجتماعية أكثر منه التزامًا بالمعايير المهنية.
البيروقراطية والتمييز داخل المؤسسات
ويشير عبد الفتاح إلى أن أزمة الثقافة المؤسسية لا تقتصر على القطاع الحكومي، بل تمتد إلى بعض المؤسسات الطوعية والأهلية والثقافية التي يفترض فيها المرونة والاستقلال. فالكثير من هذه الكيانات – كما يقول – تتأثر بشخصيات مؤسسيها، وتعتمد في إدارتها على المبادرات الفردية، لا على القواعد المؤسسية.
ويتابع موضحًا أن هذا النمط يجعل بعض المنظمات الأهلية رهينة للتمويل الخارجي أو لدور قيادي واحد، بحيث تتراجع أو تتوقف أنشطتها عند غياب هذا القائد أو توقف الدعم، لافتًا إلى أن غياب الخبرة المؤسسية التراكمية هو ما يضعف استمرارية هذه الكيانات على المدى الطويل.
موروث إداري متوارث
ويُرجع عبد الفتاح جذور هذه الأزمة إلى طبيعة الموروث الإداري الذي تشكّل بعد الاستقلال، حيث ورثت الدول العربية هياكلها المؤسسية عن أنظمة استعمارية لم تكن معنية بترسيخ ثقافة العمل الجماعي أو العدالة الإدارية، بل اعتمدت على البيروقراطية الصارمة والتراتبية المغلقة.
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه النماذج الإدارية هي القاعدة السائدة، مما حال دون تطوير أنماط جديدة أكثر مرونة وعدالة، وأسهم في ترسيخ الثقافة الفردية في الإدارة بدلًا من العمل المؤسسي.
محسوبية وضعف كفاءة
ويضيف عبد الفتاح أن من أبرز مظاهر الأزمة انتشار المحسوبية والاعتماد على الولاء بدلاً من الكفاءة، وضعف المهارات الإدارية والتكوين المهني للعاملين داخل المؤسسات، إلى جانب تضخم الجهاز البيروقراطي وتراجع فرص الترقي القائم على الأداء.
ويرى أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى انكماش الحوافز لدى الأجيال الجديدة للعمل في القطاع العام أو المؤسسي، لصالح البحث عن فرص في مجالات أكثر حرية ومرونة، مثل القطاع الخاص أو العمل المستقل.
الذكاء التوليدي وبداية التحول
ورغم الصورة القاتمة التي ترسمها هذه الظواهر، فإن عبد الفتاح يرى أن المرحلة المقبلة قد تحمل فرصة حقيقية للتغيير، فمن وجهة نظره، فإن ما يسميه بـ«ثورة الذكاء التوليدي والروبوتات» خلال الفترة من 2026 إلى 2030 سيُحدث تحولًا جذريًا في مفهوم المؤسسية داخل العالم العربي.
فالتقنيات الذكية كما يقول ستعتمد على التفاعل بين الذكاء البشري والذكاء الصناعي في العمل والتخطيط ووضع معايير الإنجاز والمساءلة، وهو ما سيُجبر المؤسسات على تطوير نظم أكثر شفافية وكفاءة، ويحدّ من مساحة العلاقات الفردية في الإدارة واتخاذ القرار.
إصلاح يبدأ من الثقافة
ويختتم عبد الفتاح حديثه بالتأكيد على أن بناء مؤسسات قوية لا يتحقق باللوائح وحدها، بل يحتاج إلى إصلاح ثقافي حقيقي يعيد الاعتبار لقيم العمل الجماعي، والمساءلة، والشفافية، والمساواة في الفرص.
فالثقافة المؤسسية في رأيه هي الأساس الذي تُبنى عليه العدالة داخل أي مجتمع، وهي الطريق الوحيد نحو مؤسسات قادرة على التطور والمنافسة في زمن الذكاء الصناعي والتغير السريع.