جيل "زد" الإيراني.. انفجار الغضب القادم ضد ولاية الفقيه
موجات احتجاجية شبابية شهدتها عدة دول حول العالم بسبب ما أسموه "الأولويات الحكومية الخاطئة" وعدم الاهتمام بتطلعات الشعوب، كان آخر هذه الاحتجاجات في جزيرة مدغشقر والإعلان عن هروب الرئيس أندري راجولينا عقب احتجاجات. وتأتي الأحداث التي شهدتها الجزيرة بعد سلسلة من الأحداث المشابهة في نيبال والهند والمغرب، واللافت مدى التوافق حول أسباب الاحتجاجات والمطالب.
ويشير مصطلح جيل "زد" إلى الأفراد المولودين ما بين منتصف تسعينيات القرن العشرين وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتُحدّد هذه الفترة عادة بين عامي 1997 و2012. وهي مرحلة زمنية تميّزت بالانتشار الواسع للهواتف الذكية وبروز وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، بحيث أصبح التواصل الفوري والوجود الرقمي جزءًا لا يتجزأ من تكوينهم الاجتماعي والثقافي، وفق مركز "بيو" للأبحاث.
كلمة السر في هذه الاحتجاجات هي المجموعات الشبابية التي تُطلق على نفسها جيل "زد"، ما يعكس تحولات فكرية وسياسية واجتماعية لدى هذا الجيل، وهو الأمر الذي قد يكون مرشحًا للتكرار في دول أخرى، خاصة تلك التي تشهد انفصالًا كبيرًا بين هذا الجيل وحكومات بلدانهم.
وبالنظر إلى الحالة الإيرانية، فإن جيل "زد" الإيراني قد يفاجئ نظام طهران، خاصة في ظل التحركات الشبابية المبكرة التي تمثلت في:
حركة "ريستارت".. إرهاصات مبكرة لجيل "زد"
مثّلت حركة "ريستارت" ظهورًا مبكرًا للاحتجاجات الشبابية التي وجدت في العالم الرقمي متنفسًا لها. وهي مجموعة شبابية معارضة تشكلت في عام 2017، وربما كانت من أوائل المجموعات الشبابية التي تبنّت الفكرة الأساسية لجيل "زد"، والتي تتمثل في رفض الأولويات الخاطئة للحكومة الإيرانية، وأيضًا التمرد على فكرة "ولاية الفقيه"، وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع قدسية رجال الدين في الشارع الإيراني، وهو ما يُعد بمثابة موجات ثقافية مضادة للثقافة التي يتبناها النظام الإيراني.
وفكرة "البدء من جديد" هي فكرة برنامج إذاعي أعده وأنتجه الإذاعي الإيراني محمد حسيني، وتضمّن البرنامج موضوعات فلسفية بطابع كوميدي وفكاهي، ومن خلال الفكرة تتبيّن أهدافها وتمردها على ما هو قائم وسعيها إلى التغيير. ثم تحولت فكرة البرنامج إلى حركة شبابية معارضة لنظام ولاية الفقيه، ورغم القيود التي كانت تفرضها الحكومة الإيرانية في ذلك التوقيت، فإنها حققت انتشارًا واسعًا في الفضاء الإلكتروني بعدما انضم إليها شباب إيراني في الخارج.

وسرعان ما بدأت الحكومة الإيرانية في مواجهة هذه الحركة، وبدأ الإعلام الرسمي في مهاجمتها وتشويهها، ووصفها بأنها تشكيل جديد تشكل في الولايات المتحدة الأمريكية، واعتبر أن الهدف الوحيد للحركة هو التحريض على إيران داخل الولايات المتحدة والرغبة في الإطاحة بالنظام الإيراني.
واجهت الحركة الشبابية أيضًا اتهامات من جانب الحكومة الإيرانية بانتماء بعض أعضائها إلى رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، أو إلى التيار الملكي، والبعض الآخر إلى منظمة "مجاهدي خلق" التي تقودها مريم رجوي، والتي يصفها النظام الإيراني بـ"الإرهابية"، كما انتقد النظام الإيراني عمل أعضاء الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي لاستمالة المسؤولين الأمريكيين وتحريضهم على الحرب ضد إيران.
وإمعانًا في تشويه الحركة من جانب النظام الإيراني منذ تشكلها، واجهت اتهامات أخرى بالانتماء إلى إسرائيل أيضًا، وأن بعض أعضائها يضعون على حساباتهم في "السوشيال ميديا" أعلام إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وعدم الانتماء لوطنهم.
احتجاجات مهسا أميني.. مشاركة شبابية واسعة
كان لافتًا أن المظاهرات الحاشدة التي انطلقت في إيران بعد وفاة الفتاة الكردية الإيرانية "مهسا أميني" بدأها وشارك فيها الشباب الإيراني بكثافة غير مسبوقة، وهو ما يمثل بوادر لتوجهات وقناعات "جيل زد" داخل الشارع الإيراني، وتطلعات هذا الجيل إلى نظام ديمقراطي جديد يحقق طموحاتهم.
وجاءت الاحتجاجات التي ساهم فيها جيل "زد" بكثافة لتكشف عن مدى التباينات بين جيل الشباب في إيران والقوانين التي يفرضها النظام الإيراني، حيث جاءت وفاة "أميني" على يد ما يُعرف بـ"شرطة الأخلاق" في إيران لعدم التزامها بالحجاب الشرعي، ما يؤشر على الرفض الشعبي لممارسات النظام، على الأقل بين هذا الجيل وتيارات فكرية أخرى حتى داخل التيار الأصولي نفسه، حيث بدأت تظهر أصوات رافضة لبعض القوانين وعلى رأسها قانون "الحجاب الإلزامي" أو "الحجاب الإجباري".
وكان لطلاب الجامعات حضور حاشد استمر لأيام، حيث شهدت كثير من الجامعات الإيرانية تظاهرات ومسيرات طلابية واسعة للتنديد بالأوضاع السياسية والاقتصادية، وطالب المتظاهرون الأمن بالتوقف عن قمع الاحتجاجات، وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين.
رفض هيمنة رجال الدين.. وسقوط القدسية
ما يعزز فكرة رفض جيل "زد" للخلفية الدينية التي يستند إليها النظام الإيراني، هو تراجع قدسية رجال الدين في الشارع الإيراني، حيث تصاعدت عمليات الاستهداف المعنوي والجسدي ضد رجال الدين والمعممين من قبل مواطنين عاديين غير مؤدلجين في الغالب، ما يمثل تحولًا في مظاهر الرفض التي قد تتسع مع الوقت، وذلك في ظل التحول الاحتجاجي من التظاهرات إلى استهداف رجال الدين، وهو ما يؤشر على اتساع الفجوة بين جيل الشباب والطبقة الحاكمة التي ينتمي إليها المعممون.
ويُرجّح أن جيل "زد" هو الأكثر استهدافًا لرجال الدين، استنادًا إلى القدسية التي يحظى بها هؤلاء بين الأجيال السابقة، إضافة إلى حداثة الظاهرة التي انطلقت مع ظهور حركات الرفض الشبابية لمبادئ "ولاية الفقيه"، في ظل الانفتاح على ثقافات أخرى وتشكل تيارات ثقافية مضادة للثقافة التي يفرضها النظام الإيراني منذ نجاح الثورة الإسلامية عام 1979.
ومن اللافت أيضًا أن مثل هذه الحوادث والاعتداءات وقعت في مدينة "قم" بوسط إيران، والتي تمثل معقل التيار الأصولي ومقر الحوزات والمكاتب الدينية، فرغم رمزية المكان ورمزية رجال الدين والمعممين فيه، إلا أنه لم يسلم من موجات الرفض التي تسعى إلى مستقبل أفضل يرى هذا الجيل أنه لن يتحقق إلا بتغيير المبادئ والقوانين الحاكمة والانفتاح الثقافي على العالم.

دوافع محفّزة لجيل "زد" في إيران
أولًا: الفجوة بين جيل زد ومرجعية النظام
أدى الانفتاح الثقافي الذي حققته الثورة التكنولوجية إلى انفتاح جيل "زد" على ثقافات أخرى وعلى سياسات مختلفة وتجارب دولية يتطلع إليها هؤلاء الشباب، فضلًا عن رفض هذا الجيل لمبادئ الثورة الإيرانية والجمود الذي بقيت عليه طوال أكثر من 45 عامًا.
ويتصل بذلك رفض جيل "زد" لوجود رجال الدين في المشهد السياسي، وهو الأمر الذي يمثل ركيزة من ركائز النظام الإيراني، الذي يعتمد بشكل كبير على رجال الدين في جميع مؤسسات الجمهورية. وربما كان من السهل تمرير ذلك في ظل وجود أجيال تقدّس رجال الدين وتتقبل وجودهم في مناصب عليا، وهو الأمر الذي يرفضه الجيل الجديد.
ثانيًا: التعبئة الرقمية والقدرة على الانتشار
تُعتبر البيئة الرقمية هي الحاضنة الأساسية لجيل "زد"، والتي يحقق الانتشار من خلالها بشكل كبير. وقد شهدت التجارب السابقة انتقال الغضب الرقمي إلى الشارع بشكل مفاجئ، ومن المحتمل تنامي كتلة جيل الشباب من خلال التزايد الملحوظ في استخدام الإنترنت في إيران.
ولم يعد من السهل على الحكومة الإيرانية الاستمرار في القيود التي كانت تفرضها سابقًا على الإنترنت، وهو ما تسبب في تزايد أعداد المستخدمين، حيث وصل عددهم وفق إحصاءات إلى 73.14 مليون في يناير 2024، ليبلغ معدل انتشار الإنترنت 81.7 في المائة من إجمالي السكان، وقد زاد عدد المستخدمين بمقدار 537 ألفًا (+0.7 بالمائة) بين يناير 2023 ويناير 2024.
ويشير هذا التزايد إلى أن البيئة الحاضنة لجيل "زد" تشهد توسعًا من مختلف طبقات وتوجهات الشعب الإيراني، خاصة طبقة الشباب، ما يوسع دائرة التأثر بأفكار الجيل الجديد، ويزيد من قدرته على التعبئة والحشد.
ثالثًا: فشل النظام في إدارة الملفات المركزية
ما يعزز أيضًا تحرك جيل "زد" في إيران هو فشل النظام في إدارة الملفات المركزية التي تمثل المشروعات الكبرى والمركزية لدى نظام طهران، حيث شهدت الفترة الأخيرة إخفاقات متعددة في ملفات "الاتفاق النووي" و"النفوذ الإقليمي" و"النمو الاقتصادي".
وجاء فشل النظام بعدما أنفق عليها مليارات الدولارات، وطالبت الاحتجاجات الشعبية في أوقات سابقة بوقف الإنفاق على الوكلاء في المنطقة، وهو ما كان سببًا في احتجاجات 2017، خاصة وأن الشعب الإيراني عانى بسبب هذه الممارسات وتحمّل عبء هذا الإنفاق، ما أدى إلى تدني مستوى المعيشة.
وفي ظل عودة الاحتجاجات الفئوية والعمالية وتحميل النظام مسؤولية المعاناة الاقتصادية، من المحتمل أن يتضامن جيل "زد" مع هذه الاحتجاجات، خاصة وأن الظروف الاقتصادية تنعكس عليهم بشكل مباشر من خلال شعورهم بتدني مستوى المعيشة.

رابعًا: نجاح التجربة في دول أخرى
نجاح تجربة جيل "زد" في نيبال ومدغشقر وتغيير نظام الحكم، والتعهد بالإصلاحات في المغرب، قد يكون عاملًا محفزًا لتكرار التجربة في إيران، خاصة في ظل عدم قدرة النظام الإيراني حتى الآن على احتواء هذا الجيل وعدم تحقيق المطالب الشعبية بتحسين المعيشة والتخلي عن دعم الوكلاء.
ورغم نجاح النظام الإيراني على مدار السنوات الماضية في مواجهة الحركات الشبابية سواء من خلال التشويه أو الاتهامات بالخيانة أو حملات القمع، فإن الأمور أصبحت مهيأة بشكل أكبر من السابق لحدوث الانفجار.
ختامًا:
يمكن القول إن الأزمات التي يعيشها النظام الإيراني داخليًا وخارجيًا ستكون لها انعكاساتها على القبضة الأمنية التي تجهض مثل هذه التحركات، وهو الأمر الذي قد يستغله جيل "زد" للتعبير عن غضبه من سياسات النظام.
وإن كانت هناك أجنحة داخل النظام بدأت تضع الانفجار المحتمل في الحسبان وتحاول تأجيله، ويتمثل ذلك في الإرجاءات المتكررة لتطبيق قانون "الحجاب الإجباري" خوفًا من ردّات الفعل الغاضبة.
كما أن تأخر النظام في اتخاذ خطوات لاحتواء جيل "زد" تسبب في اتساع الفجوة بينه وبين الحكومة، وهو أمر لا يمكن علاجه إلا بتماهي النظام أو استيعابه للثقافة المضادة التي كوّنها هذا الجيل. وفي ظل طبيعة النظام ومرجعيته الدينية التي لا يمكن تغييرها، فإن اتساع هذه الفجوة يشير إلى أن الانفجار قادم كلما تهيأت له الظروف.



