طاهرة فداء: الفن وسيلة لفهم الذات وإعادة اكتشاف العالم|حوار
بين الذاكرة والخيال، وبين الحرف والرمز، تنسج الفنانة التشكيلية العُمانية طاهرة فداء عالمها التشكيلي الخاص، عالمًا تتقاطع فيه الروح مع المادة، ويتحوّل اللون إلى لغة فلسفية تعيد قراءة الإنسان والوجود من زوايا جديدة.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، اختارت طاهرة أن تسلك طريقها بهدوء وثبات، فحوّلت فن الميكس ميديا إلى مساحة للتأمل في الإنسان والطبيعة والأنثى، وصاغت من عناصر البيئة العُمانية مفردات بصرية تحمل بصمة لا تُشبه سواها.
في هذا الحوار، تفتح الفنانة طاهرة فداء قلبها لـ« ايجبتك »، متحدثة عن علاقتها بالرمز، وعن موقع المرأة في تجربتها، ورؤيتها للتحولات التقنية التي أعادت تشكيل الفن التشكيلي المعاصر، مؤكدة أن الأصالة لا تتعارض مع الحداثة، وأن الفن الحقيقي يبدأ من الداخل، من صدق الفنان مع نفسه.
ما العناصر البصرية أو الرمزية التي تميز أعمالك وتجعلها تعبر عن هويتك الخاصة؟
أعمالي تنطلق من تجربة روحية وإنسانية عميقة، لذا تميل إلى التجريد والتأمل. أؤمن أن اللوحة ليست انعكاسًا لما نراه بالعين، بل لما نشعر به في الداخل.
أستخدم الخطوط الحرة والأشكال الهندسية كرموز للتوازن بين النظام والفوضى داخل الإنسان، وأميل إلى تدرجات الأزرق والبرتقالي والأخضر، لأنها تمثل الحياة والانبعاث والتحوّل.
أما الخامات، فهي جزء من هوية عملي.
أستخدم الرمل والخشب والنحاس والأقمشة المحلية، وكلها من البيئة العُمانية، لأجعل اللوحة امتدادًا للمكان والذاكرة.
الرموز في أعمالي ليست جاهزة للفهم، بل مفتوحة على التأويل؛ فكل متلقٍ يرى فيها شيئًا من ذاته، وهذا ما يمنح الفن عمقه الإنساني المستمر.
كثير من أعمالك تحمل بُعدًا إنسانيًا واضحًا.. كيف ترين علاقة الفن بقضايا الإنسان والمجتمع؟
الفن بالنسبة لي ليس ترفًا ولا تزيينًا للجدران، بل هو وسيلة لفهم الذات وإعادة اكتشاف العالم.
حين أتناول قضية إنسانية، لا أبحث عن الحلول، بل أفتح نافذة للتفكير والحوار.
الإنسان في أعمالي كائن متأمل، يعيش التناقض بين المادي والروحي، بين الفوضى والسكينة.
أؤمن أن الفن الحقيقي يجب أن يكون صادقًا مع الإنسان، فهو مرآة الوعي الجمعي، وصوت الروح في مواجهة الضجيج.
كل لوحة عندي محاولة لتذكيرنا بأن الجمال ليس في الشكل فقط، بل في الفكرة التي تضيء داخلنا.
كيف تتعاملين مع النقد الفني؟ وهل ساعدك في تطوير تجربتك أم كان عائقًا أحيانًا؟
أتلقى النقد الموضوعي بامتنان، لأنه يمنحني فرصة لرؤية نفسي من زاوية أخرى.
لكنني لا أسمح له بأن يقيد حريتي، فالفنان الذي يتبع صوت الآخرين يفقد صوته الحقيقي.
النقد بالنسبة لي مساحة للحوار لا للحكم، لذلك أتعامل معه بوعي وهدوء، وأعتبره أحد أدوات التطور المستمر.
في بداياتي، كانت بعض الآراء قاسية أو غير منصفة، لكنها علمتني كيف أثق بحدسي، وأترك التجربة تقودني لا الكلمات.
هل النقد الفني العربي يواكب التطورات العالمية؟
بصراحة، النقد العربي ما زال يبحث عن لغته الجديدة.
هناك نقاد أكفاء ومخلصون، لكن الخطاب النقدي لم يواكب بعد التحولات الكبرى التي يشهدها الفن المعاصر، خاصة مع دخول التقنيات الرقمية وفنون الميكس ميديا.
ما زال البعض يستخدم أدوات تقليدية لتحليل أعمال تنتمي لعصر بصري وفلسفي مختلف تمامًا.
أما في سلطنة عمان، فالحركة النقدية محدودة، رغم ثراء المشهد التشكيلي، نحن بحاجة إلى مؤسسات أكاديمية تضع النقد في قلب التجربة الفنية، لا في هامشها.
النقد يجب أن يكون شريكًا للفنان، يفتح أمامه آفاقًا فكرية جديدة، لا أن يحاصره بتصنيفات جاهزة.
هل تنتمين إلى مدرسة فنية محددة؟
لا أضع نفسي في أي إطار مدرسي محدد.
الفن بالنسبة لي رحلة حرة، لا تخضع للتصنيفات.
أستوحي من التجريد ومن الرمزية، وأحيانًا أقترب من التعبيرية الحديثة، لكنني أحرص دائمًا على أن تبقى بصمتي حاضرة في كل عمل.
أمزج بين الحداثة والروح الشرقية، بين الفكرة والمادة، وبين الحس الإنساني والرمز الفلسفي.
هذا التنوّع هو ما يمنح أعمالي طابعها الخاص.
كيف ترين المشهد التشكيلي في سلطنة عمان والخليج؟ وهل بدأت ملامح هوية تشكيلية خليجية تتشكل؟
بكل تأكيد، هناك تطور ملحوظ في السنوات الأخيرة.
الفنانون العُمانيون والخليجيون أصبحوا أكثر جرأة في طرح قضاياهم، وأكثر وعيًا بأهمية الفن كأداة ثقافية.
بدأنا نرى هوية تشكيلية خليجية تتشكل، تمزج بين الأصالة والحداثة.
لكن ما زال أمامنا الكثير لترسيخ خطاب فني عالمي منفتح، يحافظ على جذوره العربية ويعبّر عن الإنسان في بعده الكوني.
الفن الخليجي اليوم في مرحلة نضوج جميلة، تحتاج فقط إلى دعم مؤسسي ونقدي أكثر عمقًا.
لوحاتك تُعرض في عُمان وخارجها.. كيف يختلف تفاعل الجمهور العربي عن العالمي مع أعمالك؟
الجمهور العربي يقرأ اللوحة بعاطفته وذاكرته الثقافية، يبحث عن الحكاية والرمز، عن ملامح المكان والإنسان.
أما الجمهور العالمي، فيقرأ العمل بلغة التكوين واللون والفكرة الفلسفية.
كلا التفاعلين يعنيني جدًا، لأن الفن الحقيقي يتجاوز اللغة، ويتحدث إلى الإنسان مباشرة.
حين أقف أمام عمل في معرض دولي، أشعر أن ما يجمعنا كبشر أعمق من اختلافاتنا الثقافية، وأن اللون يمكن أن يكون لغة سلام عالمية.
كيف يمكن للعمل الفني أن يتجاوز المحلية ويصل إلى العالمية؟
الفن يصبح عالميًا حين يكون صادقًا، حين يعبّر عن الإنسان لا عن الزمان والمكان فقط.
العالمية لا تعني أن نتخلى عن هويتنا، بل أن نُعبّر عنها بعمق ووعي.
حين يرسم الفنان من روحه، لا يحتاج إلى ترجمة، فالمشاعر الصادقة تُفهم أينما ذهبت.
أنا مؤمنة بأن الطريق إلى العالمية يمر عبر الجذور، لا عبر تقليد الآخر.
مع صعود الذكاء الاصطناعي.. هل ترينه تهديدًا للفنان التشكيلي؟
على العكس، أراه فرصة جديدة للتجريب والتطور.
الذكاء الاصطناعي لا يملك روح الإنسان، لكنه يمنحه أدوات جديدة للرؤية والإبداع.
يمكن للفنان أن يستخدمه لتوليد أفكار أو تفاعلات بصرية، لكن يبقى الحس الإنساني هو العنصر الذي لا يمكن استبداله.
الفن هو نتاج روح، وليس خوارزمية.
هل تفكرين في مشروع يجمع بين الفن والذكاء الاصطناعي؟
نعم، أعمل حاليًا على تصور لمشروع تفاعلي يمزج بين فن الميكس ميديا والذكاء الاصطناعي.
الفكرة أن يتفاعل العمل مع الجمهور، يتغيّر بناءً على حركته أو صوته أو مشاعره.
أطمح أن يكون هذا المشروع مساحة لاكتشاف العلاقة بين الإنسان والآلة، بين الوعي والتقنية، وبين الحلم والواقع.
إنه تحدٍ جميل يجعلني أؤمن أكثر بأن الفن سيظل دائمًا مساحة للحياة، مهما تغيّرت الأدوات.
ما أبرز التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي اليوم؟
أهم التحديات هي الحفاظ على الأصالة وسط الانفتاح الرقمي وسرعة الإيقاع.
نعيش زمن الصورة السريعة، والضوء المؤقت، لكن اللوحة تحتاج إلى الصبر والتأمل.
أيضًا هناك تحديات تتعلق بسوق الفن، وبقلة الدعم المؤسسي، وبغياب النقد المتخصص.
لكن رغم ذلك، أؤمن أن الفنان الحقيقي يخلق طريقه بنفسه، وأن الشغف هو الوقود الذي لا ينفد.
أخيرًا.. ونحن نحتفي بيوم المرأة العُمانية، كيف ترين حضور المرأة في الفن التشكيلي؟
يوم المرأة العُمانية بالنسبة لي لحظة فخر واحتفاء بكل ما حققته النساء من إنجازات، ليس في الحياة العامة فحسب، بل في الفن أيضًا.
المرأة العُمانية لم تعد مجرد ملهمة في اللوحة، بل أصبحت صانعة لها، تُبدع وتبتكر وتعيد صياغة الحكاية من منظورها الخاص.
في أعمالي، تحضر المرأة كرمز للخصب والضوء والصبر، أستمد من طاقتها ألواني وخطوطي.
هي ليست مجرد شخصية أنثوية، بل كيان يمثل الأرض والروح والذاكرة.
أستخدم الرموز والخامات المحلية لتجسيد حضورها، لتكون المرأة في لوحاتي مرآة للأنوثة العُمانية بكل ما فيها من عمق وكرامة وجمال.
الفن بالنسبة لي وسيلة للاحتفاء بها، لا بوصفها موضوعًا جماليًا فقط، بل باعتبارها قوة خالقة، تواصل الحياة وتعيد تشكيل الوعي والهوية.
