رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المخلفات الزراعية.. ذهب صامت يحترق في الحقول

تدوير المخلفات الزراعية
تدوير المخلفات الزراعية

في كل موسم حصاد، تُنتج الحقول المصرية ملايين الأطنان من  المخلفات الزراعية القش والأعواد وبقايا المحاصيل، التي كان من الممكن أن تكون ثروة قومية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل جديدة، لكنها للأسف تتحول إلى عبء بيئي واقتصادي بسبب الإهمال وسوء الاستغلال، تُحرق تلك المخلفات في الهواء، فتلوث السماء وتسبب أمراضاً تنفسية، بينما تُهدر معها مليارات الجنيهات من الموارد التي كان يمكن تحويلها إلى طاقة نظيفة، وأسمدة عضوية، وأعلاف حيوانية، ومواد بناء صديقة للبيئة، 

 مفارقة موجعة بين ما نملكه من إمكانات زراعية هائلة، وما نضيّعه من فرص بسبب غياب الرؤية والسياسات الفاعلة، المخلفات الزراعية ليست نفايات تُلقى، بل كنز حقيقي ينتظر من يحسن استثماره لبناء اقتصاد أخضر ومستقبل أكثر استدامة.

 

تمكين المرأة عبر تدوير المخلفات الزراعية

 

قالت الدكتورة هالة يسري، أستاذة علم الاجتماع عضو لجنة المرأة الريفية بالمجلس القومي للمرأة، أن الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 أولت اهتمامًا كبيرًا بتمكين المرأة الريفية اقتصاديًا واجتماعيًا، وهو ما شجع اللجنة على تبني مشروعات تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية تسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

وأوضحت د. يسري، أن هذه المشروعات لا تقتصر فوائدها على توفير مصدر دخل كريم للسيدات الريفيات، بل تسهم أيضًا في زيادة الدخل القومي وتشغيل الطاقات البشرية المهمشة، فضلًا عن دورها في الحفاظ على البيئة والحد من التلوث الناتج عن حرق المخلفات الزراعية.

وأضافت، أن طبيعة المخلفات الزراعية تختلف من محصول لآخر ومن محافظة لأخرى، لذلك تم تنفيذ برامج تدريب متخصصة للسيدات في محافظات مثل القليوبية والمنيا، لتعليمهن طرق التعامل مع هذه المخلفات وتحويلها إلى سماد عضوي عالي الجودة يساعد في تحسين التربة وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية المستوردة.

كما تم توفير ماكينات لتقطيع وفرم المخلفات الزراعية، وتدريب السيدات على إنتاج السماد العضوي "الكومبوست "، إلى جانب تحويل بعض المخلفات إلى أعلاف غير تقليدية للمواشي، بما يسهم في تخفيف عبء استيراد الأعلاف بالعملة الصعبة. وتمتد الاستفادة أيضًا إلى صناعات متنوعة تشمل الأخشاب والأثاث والورق والطوب وإنتاج الطاقة الحيوية "البيوجاز".

وأشارت يسرى، إلى أن عدداً من فروع المجلس القومي للمرأة في المحافظات المختلفة طلبت تطبيق المشروع بعد النجاح الذي حققه على أرض الواقع، ليصبح نموذجًا عمليًا لتمكين المرأة الريفية وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية في آن واحد.
 



المخلفات الزراعية ثروة قومية مهملة 

أكد الدكتور حسام شوقي، رئيس مركز بحوث الصحراء، أن المخلفات الزراعية تُعد من أهم الموارد غير المستغلة في مصر، وتمثل ثروة قومية يمكن أن تسهم في تحقيق الزراعة المستدامة والتنمية الاقتصادية إذا جرى استثمارها بالشكل الأمثل.

وأوضح رئيس مركز بحوث الصحراء، أن المخلفات الزراعية تشمل كل ما يتبقى بعد الحصاد من سيقان وأوراق وأغلفة نباتية، إضافة إلى المخلفات الناتجة عن عمليات التصنيع الزراعي مثل العصر والتقشير والتعبئة. وهي تُعد بحسب دليل وزارة البيئة لعام 2010 منتجات ثانوية داخل منظومة الإنتاج الزراعي، يمكن تحويلها إلى أسمدة عضوية وأعلاف وطاقة نظيفة تساهم في تقليل التلوث البيئي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأضاف، أن مصر تنتج ملايين الأطنان من المخلفات سنويًا، أبرزها قش الأرز الذي يمكن استغلاله في إنتاج السماد العضوي الصناعي "الكومبوست"، أو تحويله إلى طاقة حيوية أو استخدامه كعلف غير تقليدي للمواشي بعد معالجته باليوريا أو الأمونيا. 

كما يمكن إدخاله في صناعة الورق، والطوب، والأثاث، والموبيليا، وعيش الغراب، فضلًا عن استخدامه كفرشة في مزارع الدواجن، مشيرا  إلى أن حطب الذرة وغيره من المخلفات يمكن أن يكون له دور بارز في إنتاج الأعلاف والسماد العضوي، بل وحتى في صناعة مواد البناء، مما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد ويوفر موارد مالية للدولة.

واختتم الدكتور شوقي، أن الاستثمار في تدوير المخلفات الزراعية أصبح ضرورة وطنية، ليس فقط لمواجهة التلوث، بل لتحقيق اقتصاد أخضر مستدام يربط بين الزراعة والطاقة والصناعة.
 



تدوير المخلفات الزراعية تواجه التغيرات المناخية

 

قال الدكتور السيد عويس عمران، أستاذ الأراضي والمياه ومدير وحدة تدوير المخلفات بجامعة القناة، أن المخلفات الزراعية تمثل كنزًا بيئيًا واقتصاديًا يمكن استثماره بطرق مبتكرة، مشيرًا إلى أن الوحدة تعمل على تنفيذ مشروعات بحثية وتطبيقية لتحويل هذه المخلفات إلى منتجات عضوية ذات قيمة عالية، تسهم في تحقيق الاستدامة الزراعية وتقليل البصمة الكربونية.

وأوضح د. عمران، أن من أبرز المشروعات الجاري تنفيذها إنتاج سماد "الفيرميشار "، الذي يعمل على تعزيز خصوبة التربة وتحسين خواصها من خلال الحفاظ على توازن الحموضة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، إلى جانب إنتاج "خل الخشب "، الذي يُستخدم في مقاومة النيماتودا وأعفان التربة بطريقة طبيعية وآمنة على البيئة.

وأضاف، أن تدوير المخلفات يتكامل مع مبادرة إنتاج "الڤيرمكمبوست " باستخدام ديدان الأرض وحشرة الجندي الأسود، حيث تسهم هذه المنظومة في رفع كفاءة تحويل المخلفات العضوية.

بينما تتحول الحشرات في نهاية دورة حياتها إلى مصدر غني بمادة "الشيتوزان " عالية الجودة، والتي تفوق في نقائها مثيلاتها المستخرجة من قشور الجمبري، مما يجعلها بديلًا مستدامًا لمواد مستوردة ذات تكلفة مرتفعة.

وأشارعمران ، إلى أن وحدة تدوير المخلفات توسعت في عدد من الابتكارات البيئية، مثل إنتاج الصابون العضوي وزيت الزيتون من مخلفات أوراق الزيتون، وتصنيع البلاستيك الحيوي من المخلفات النباتية، بالإضافة إلى نموذج الزراعة التكاملية بين النبات والطيور والأسماك، الذي يحقق دورة إنتاجية مغلقة خالية من الانبعاثات الكربونية، مؤكدا  أن تعميم هذه التجارب البحثية على نطاق أوسع، بالتعاون مع الجامعات والمراكز البحثية، يدعم جهود الدولة في مواجهة التغيرات المناخية وتحقيق الأمن الغذائي، ويحول المخلفات الزراعية إلى قيمة مضافة تدعم الاقتصاد الوطني وتخدم البيئة والمجتمع.



المخلفات الحيوانية ثروة طبيعية تدعم خصوبة التربة وتقاوم الآفات

أكد الدكتور أحمد حواش، أستاذ تدوير المخلفات بمركز البحوث الزراعية، أن المخلفات الحيوانية مثل روث الماشية تُعد من أهم مصادر الأسمدة الطبيعية، لما تحتويه من بكتيريا نافعة تمد التربة بعناصر غذائية رئيسية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، مما يجعلها بديلاً آمناً وفعالاً للأسمدة الكيماوية باهظة الثمن.

وأوضح د. حواش، أن الأبحاث الحديثة كشفت عن نوع من الديدان يتغذى على الروث والخضروات التالفة، وينتج مواد طبيعية تشبه المضادات الحيوية تسهم في مكافحة الحشرات الضارة وتحقيق ما يُعرف بـ المقاومة الحيوية، وهي تقنية حديثة تقلل الاعتماد على المبيدات الكيميائية وتدعم الزراعة النظيفة والمستدامة.

وأشار إلى أن الدراسات الصادرة عن مراكز البحوث الزراعية والجامعات المصرية تؤكد أن القيمة الاقتصادية للمخلفات الزراعية في مصر تُقدّر بنحو 3 مليارات جنيه سنويًا، حيث يبلغ وزن المكونات العضوية وحدها نحو 11 مليون طن بقيمة تتجاوز 1.1 مليار جنيه. كما يمكن استخراج 360 ألف طن من الأزوت بقيمة 675 مليون جنيه، و58 ألف طن فوسفور بقيمة 77 مليون جنيه، إلى جانب 372 ألف طن بوتاسيوم تقدر قيمتها بنحو 373 مليون جنيه.

وأكد د. حواش ، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح أن المخلفات الزراعية ليست عبئًا كما يعتقد البعض، بل ثروة وطنية مهملة يمكن أن تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسمدة والطاقة الحيوية، إذا ما تم استغلالها في إطار خطة علمية متكاملة تجمع بين البحث العلمي والتطبيق العملي في الحقل المصري.
 


قطاع صناعي ضخم يحتاج إلى منظومة متكاملة

أكد علاء نصر الدين، عضو مجلس إدارة غرفة صناعة الأخشاب، أن المخلفات الزراعية تمثل قطاعًا اقتصاديًا وصناعيًا واعدًا يمكن أن يسهم في خفض تكاليف الإنتاج داخل العديد من المصانع، إذا تم استغلالها ضمن منظومة وطنية متكاملة لإعادة التدوير.

وأوضح نصر الدين أن العديد من المصانع المصرية تضطر إلى استيراد خامات ومدخلات إنتاج تُصنع أساسًا من المخلفات الزراعية مثل الألياف والمواد العضوية، رغم توافرها محليًا بكميات ضخمة في الحقول والمناطق الريفية، لكن غياب التنسيق بين الجهات المعنية وعدم وجود شبكة متخصصة لجمع وفرز المخلفات يؤدي إلى إهدار هذه الثروة الوطنية.

وأشار إلى أن حرق المخلفات الزراعية، وعلى رأسها قش الأرز، يتسبب في أضرار بيئية وصحية جسيمة، في حين يمكن استغلاله في صناعة الورق، والسماد العضوي، والأخشاب الصناعية، بما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل جديدة.

ودعا عضو مجلس إدارة غرفة صناعة الأخشاب إلى وضع تشريعات وحوافز حكومية لتشجيع المصانع على الاستثمار في إعادة التدوير، مؤكدًا أنه لا يوجد مخلف زراعي إلا ويمكن تحويله إلى منتج صناعي محلي أو للتصدير، إذا وُجدت الإرادة والتخطيط العلمي المدروس.
إن ما يُعرف اليوم بالمخلفات الزراعية ليس عبئًا على البيئة كما يظن البعض، بل هو رصيد اقتصادي واستراتيجي يمكن أن يسهم في بناء اقتصاد وطني أخضر إذا أُحسن استثماره. فهذه المخلفات التي كانت تُحرق وتلوّث الهواء، يمكن أن تتحول إلى وقود نظيف، وسماد عضوي، وأعلاف، ومواد خام لصناعات جديدة تفتح آفاق عمل واسعة للشباب والمرأة في الريف.


المخلفات الزراعية.. من عبء بيئي إلى ثروة قومية

قال حسين عبد الرحمن أبو صدام، نقيب عام الفلاحين ، عضو لجنة التسويق الإعلامي بصندوق التأمين على الماشية، المزارعين بالتعاون الجاد مع الجهات المعنية لتعظيم الاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية، مؤكدا  أن حسن استغلال هذه الموارد يحولها من محنة إلى منحة، ومن عبء بيئي إلى ثروة قومية حقيقية.

وأوضح أبو صدام ، أن الحكومة المصرية، وبتوجيهات من القيادة السياسية، تبذل جهودًا مكثفة لتعظيم الاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية، للحفاظ على البيئة ومكافحة ظاهرة السحابة السوداء، إضافة إلى زيادة دخل المزارعين ومنع انتشار الأمراض الناتجة عن حرق المخلفات أو إلقائها في الترع والمصارف.

وأشار، إلى أن التعاون بين وزارات الزراعة والبيئة والتنمية المحلية أثمر عن منظومة متكاملة لإدارة قش الأرز، تتضمن دعم المزارعين بمعدات فرم وكبس وجمع القش، وتحويله إلى أعلاف وأسمدة عضوية، إلى جانب تنظيم ندوات إرشادية لنشر ثقافة إعادة التدوير والاستفادة من المخلفات بما يوفر فرص عمل ويحافظ على البيئة.

وأضاف نقيب الفلاحين، أن المخلفات الحيوانية أصبحت تُستغل في إنتاج الأعلاف المركزة والأدوية ومستحضرات التجميل، بينما يُستخدم مسحوق العظم في صناعة أغذية الحيوانات الأليفة، ما يقلل من استيراد هذه المكونات ويوفر عملة صعبة.

وأكد أبو صدام، أن الدولة بدأت في إنشاء وحدات البيوجاز لتحويل المخلفات إلى طاقة نظيفة ضمن خطة قومية لتعزيز الاقتصاد الأخضر وتحقيق التنمية المستدامة، مشيدًا بجهود الحكومة في دعم المزارعين وتذليل العقبات أمام مشروعات تدوير المخلفات.


إن ما يُعرف اليوم بالمخلفات الزراعية ليس عبئًا على البيئة كما يظن البعض، بل هو رصيد اقتصادي واستراتيجي يمكن أن يسهم في بناء اقتصاد وطني أخضر إذا أُحسن استثماره. فهذه المخلفات التي كانت تُحرق وتلوّث الهواء، يمكن أن تتحول إلى وقود نظيف، وسماد عضوي، وأعلاف، ومواد خام لصناعات جديدة تفتح آفاق عمل واسعة للشباب والمرأة في الريف، ولتحقيق ذلك، لا بد من تطبيق منظومة متكاملة للتدوير تجمع بين العلم، والصناعة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء