رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رغم أن الأصل في العمل الأهلي أن يكون سندًا للدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية والتنموية، فإن تجربة الجمعيات ذات الطابع الديني في مصر والعالم العربي أثبتت أنها كثيرًا ما تحولت إلى أدوات استغلال، تجمع التبرعات باسم الخير، بينما توجه الأموال في مسارات مشبوهة.

 

منذ الثمانينيات، ظهرت شركات توظيف الأموال مثل "الريان" و"السعد"، التي رفعت شعار "الفوائد الحلال" وأوهمت الناس بأن استثماراتها قائمة على مبادئ شرعية، لكنها في النهاية نهبت مدخرات مئات الآلاف من المصريين، وتركت جروحًا اجتماعية واقتصادية ما زال أثرها حاضرًا. لم يكن الأمر مجرد خطأ مالي، بل كان مقدمة لخلط الدين بالاقتصاد، قبل أن يتطور لاحقًا إلى خلط الدين بالسياسة.

 

تجربة الجمعيات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين لم تكن مجرد كيانات خيرية، بل ذراعًا سياسية ناعمة للجماعة، حيث استُخدمت التبرعات في تمويل حملات انتخابية وتجنيد أنصار، حتى وصلت الجماعة للحكم بعد 2011. وبعد سقوط حكم الإخوان عام 2013، كُشفت شبكات كاملة من هذه الجمعيات التي استغلت "العمل الخيري" كغطاء لدعم مشروع سياسي ديني، وهو ما دفع الدولة إلى حل المئات منها ومصادرة أموالها.

 

الأمر لم يتوقف داخل مصر. في غزة مثلًا، كثير من الجمعيات الخيرية التي تحمل غطاءً إسلاميًا وواجهة إنسانية، ثبت ارتباطها بحركة "حماس"، حيث توجهت أموال التبرعات لأغراض تخدم الحركة، بدلًا من تحسين أوضاع الفقراء. وفي ليبيا وسوريا، تحولت منظمات إغاثية إلى منصات لتمويل الجماعات المسلحة تحت شعار "نصرة الإسلام".

 

المشكلة أن هذه الجمعيات ما زالت تحاول كسب ثقة الناس من جديد عبر الإعلانات والبرامج المدفوعة على الفضائيات. يكفي أن نشاهد دعايات "ازرع نخلة وخذ بيتًا في الجنة" أو "تبرع لصدقة جارية تنفعك بعد الموت". هذه الرسائل العاطفية تستهدف بالأساس كبار السن والمرضى وأصحاب القلوب الطيبة، وتعيد ربط الناس عاطفيًا بتيار فقد مصداقيته بعد أن تلطخت يده بالإرهاب والدماء.

 

الأدهى أن بعض الجمعيات باتت تتعامل مع العمل الخيري كسلعة تجارية، تقدم "عروضًا ترويجية" شبيهة بمحلات التجزئة: "ازرع شجرة وخذ أخرى هدية"، أو "تبرع لخمسة آبار نحفر لك السادس مجانًا". هذا الانحدار يكشف كيف تحولت الصدقات والزكاة إلى "سوق سوداء للخير"، تُدار بعقلية الربح والتسويق بدلًا من روح التكافل.

 

ورغم وجود رقابة من وزارة التضامن الاجتماعي في مصر، فإن قدرة هذه الجمعيات على التحايل تبقى كبيرة، سواء عبر ثغرات قانونية أو باستخدام شخصيات عامة لكسب غطاء إعلامي واجتماعي. وقد أثبتت تقارير رقابية في سنوات سابقة أن بعض الأموال ذهبت بالفعل لدعم قنوات إعلامية وصحفيين موالين للتيارات الدينية، في محاولة لإعادة تحسين صورة هذه الكيانات.

 

إن استعادة الثقة بالعمل الأهلي لا يمكن أن تتحقق عبر هذه الجمعيات التي تحمل تاريخًا طويلًا من التلاعب بالعقول والجيوب. الحل يكمن في تمكين الدولة وتعزيز الجمعيات المدنية الحقيقية غير المسيسة، وإعادة تنظيم العمل الخيري تحت مظلة قانونية صارمة تضمن أن يبقى المال في خدمة الفقراء والتنمية، لا في خدمة مشاريع سياسية أو دينية.

 

اللهم قد بلغت.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء