رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

طوفان الأطباء: بين أزمة التعليم وضياع هيبة المهنة

من سرق هيبة «البالطو» الأبيض؟.. خبراء يحذرون: الدولار لا يصنع طبيبًا

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


ضوابط أم فوضى؟ الجدل حول كليات الطب الجديدة... والرقابة التي "لا تجامل".

طوفان الأطباء: بين أزمة التعليم وضياع هيبة المهنة

 

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين تلقى الطبيب الشاب كريم اتصالًا من والدته. بصوتٍ مفعمٍ بالرجاء قالت له: "يا ابني.. بنت خالك اتقبلت في كلية طب خاصة، والسمسار طالب يدفعوا بالدولار علشان يضمنوا لها المقعد!
ساد صمتٌ ثقيل على الطرف الآخر من الخط. تذكّر كريم سنوات الكفاح في قصر العيني، والسهر الطويل في أقسام الطوارئ، والراتب الهزيل الذي بالكاد يغطي مصاريف المواصلات، تذكّر كيف كان الطب يومًا حلمًا لا يُنال إلا بالاجتهاد، وكيف أصبح اليوم مشروعًا لمن يملك، لا لمن يستحق.
أغلق الهاتف وفي صدره شعور مرير بأن المهنة التي أحبها تتبدل أمام عينيه لم تعد رسالة علم ورحمة، بل تجارة مربحة تُقاس بالقدرة على الدفع لا بالكفاءة أو التفوق.
في الأيام التالية، تصدرت الأخبار قرار الدولة بزيادة أعداد المقبولين في كليات الطب

 إلى نحو 30 ألف طالب، وافتتاح أكثر من 22 كلية جديدة بعضها بلا مستشفى جامعي، وبعضها بلا أعضاء هيئة تدريس كافيين. القرار الذي ظنه البعض حلًا لأزمة نقص الأطباء، اعتبره آخرون "كارثة" جديدة تهدد ما تبقى من هيبة المهنة ومستقبلها.
وبين من يحذر من "طوفانٍ من الأطباء غير المؤهلين"، ومن يرى في القرار خطوة إصلاحية لتلبية احتياجات المنظومة الصحية، تتشكل أزمة جديدة على طاولة النقاش العام، تجمع بين التعليم والاقتصاد والسياسة والصحة في معادلةٍ معقدة... عنوانها الأبرز: هل تُخرّج كليات الطب الجديدة أطباءً.. أم أزمة جديدة؟


د. ماجد فياض: "نحارب نقص الأطباء بفيضانٍ من غير الأطباء"

انتقد الدكتور ماجد فياض، أستاذ جراحة المسالك البولية بجامعة عين شمس وعضو الزمالة البريطانية، قرار الدولة الأخير بمضاعفة أعداد المقبولين في كليات الطب ليصل إلى نحو ثلاثين ألف طالب، محذرًا من أن ما يجري لا يُعد إصلاحًا حقيقيًا بل "فيضانًا من غير الأطباء".
وقال فياض: "ما نعيشه اليوم ليس توسعًا أكاديميًا بقدر ما هو عبث بمستقبل المهنة. الدولة فتحت 22 كلية طب جديدة دون مستشفيات جامعية مجهزة أو معامل كافية أو أعضاء هيئة تدريس مقيمين، ثم تُطمئن نفسها بندب أساتذة من الجامعات القديمة، وكأن تدريب الطبيب يمكن أن يتم عبر شاشة (زووم) أو بخطاب تكليف إداري".
وأشار إلى أن الكارثة الأكبر تكمن في معايير القبول نفسها، قائلًا: "حين يُقبل طالب في كلية طب بمجموع 74%، فنحن لا نعاني فقط من أزمة تعليم، بل من أزمة ضمير. هذا الشاب لم يُعدّ نفسيًا أو علميًا لحمل مسؤولية قرارٍ قد يتعلق بحياة مريض أو موته. هل ندرك خطورة أن نُخرج طبيبًا بلا تدريب كافٍ ولا أساس علمي متين؟".

لدكتور ماجد فياض
لدكتور ماجد فياض

التعليم الطبي: سوق مفتوحة تُباع فيها المقاعد

وأضاف فياض أن مظاهر الفساد لم تعد مقتصرة على بعض الجامعات الخاصة، بل امتدت إلى بعض الجامعات الحكومية أيضًا، موضحًا: "اليوم، يستطيع أي طالب أجنبي بمجموع ضعيف، طالما يحمل جوازًا غير مصري وحسابًا بالدولار، أن يحجز مقعدًا في قصر العيني أو طب عين شمس، بينما يقف طالب مصري متفوق خارج الأسوار، يشاهد حلمه يُباع بالعملة الصعبة".
وتابع: تحول التعليم الطبي إلى سوق مفتوحة، تُباع فيها المقاعد لمن يملك لا لمن يستحق، وتآكلت فكرة تكافؤ الفرص. لم يعد الطب مهنة لخدمة الناس، بل مشروعًا استثماريًا يُدار بمنطق العرض والطلب. الطبيب لا يهاجر لأنه لم يجد مكانًا في الجامعة، بل لأنه لم يجد كرامة في وطنه ولا بيئة تحترم مهنته أو تحميه قانونيًا.
كما حذر من العواقب الدولية لهذه السياسات، قائلًا: "خريجو الكليات غير المعترف بها لن يُقبلوا مستقبلًا في أي نظام طبي متقدم، لأن المجالس الدولية مثل WFME وUSMLE وGMC لا تعترف بالشعارات ولا تجامل التساهل. هؤلاء الخريجون لن يتمكنوا من العمل في أوروبا أو الخليج أو حتى اجتياز اختبارات الترخيص العالمية".

تناقض مع النماذج العالمية

ولفت فياض إلى أن ما يحدث في مصر يتناقض تمامًا مع النماذج العالمية الرصينة، مضيفًا:
"في بريطانيا، لا يمكن لأي كلية طب أن تقبل طالبًا واحدًا دون اعتماد مسبق من المجلس الطبي العام (GMC)، الذي يُراجع المناهج والمستشفيات الجامعية سنويًا. وفي الولايات المتحدة، لا تُنشأ كلية جديدة إلا بعد اعتماد اللجنة المشتركة للتعليم الطبي (LCME)، التي تُجري تقييمًا دوريًا صارمًا. أما في سنغافورة، فعدد كليات الطب لا يتجاوز ثلاثًا فقط، تُحدَّد مقاعدها بدقة وفق خطط وطنية تمتد لعشر سنوات".
وأكد فياض أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ ببناء مبانٍ جديدة، بل بإعادة بناء المنظومة من الداخل:
"الكليات الطبية ليست أبنية من الخرسانة، بل منظومات من العقول والمناهج والضمائر. من لا يُدرك هذه الحقيقة يُنشئ مباني تحمل لافتة (كلية طب)، لكنها تفتقر إلى جوهر الطب ذاته".
وختم حديثه قائلًا: "ما نحتاجه ليس كليات جديدة، بل إرادة جديدة. الحل في تطوير التعليم الطبي القائم ووضع امتحان ترخيص وطني صارم لا ينجح فيه إلا من يستحق، أيًا كانت كليته. ما يحدث الآن ليس قرارًا إداريًا عابرًا، بل خطيئة وطنية سيدفع ثمنها المرضى والأطباء معًا في المستقبل. اللهم فاشهد".


د. أشرف حاتم: لا جامعة خاصة بدون مستشفى معتمد

من جهته، أكد الدكتور أشرف حاتم، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب ووزير الصحة الأسبق، أن التوسع في إنشاء كليات الطب الجديدة لا يتم بشكل عشوائي، بل يخضع لضوابط وإجراءات دقيقة يشارك فيها عدد من الجهات الرقابية والعلمية.
وقال حاتم في تصريح خاص:
«أي جامعة خاصة ترغب في إنشاء كلية طب لا يمكنها البدء في القبول إلا بعد صدور قرار جمهوري بالموافقة، ثم حصولها على موافقة لجنة القطاع الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات، وهي لجنة تضم خبراء وأطباء متخصصين إلى جانب ممثلين من الرقابة الإدارية والرقابة العسكرية».

الدكتور أشرف حاتم، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب
الدكتور أشرف حاتم، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب


وأوضح أن اللجنة لا تكتفي بالمستندات، بل تتأكد ميدانيًا من توافر الإمكانيات البشرية والمادية، وفي مقدمتها وجود مستشفى جامعي مجهز تابع للجامعة نفسها، لتدريب الطلاب عمليًا طوال فترة الدراسة.
«وجود المستشفى ليس أمرًا شكليًا، بل شرطًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه. والدليل على ذلك أن اللجنة قامت مؤخرًا بتأجيل اعتماد عشر جامعات خاصة لعدم استكمالها متطلبات المستشفى الجامعي، وتم منحها مهلة حتى العام المقبل لاستيفاء هذا الشرط قبل السماح لها باستقبال الطلاب».

"الجامعات الأهلية مولودة من رحم المستشفيات"

وفيما يتعلق بالجامعات الأهلية، شدد رئيس لجنة الصحة على أنها تختلف جذريًا عن الجامعات الخاصة، قائلًا:
«الجامعات الأهلية وُلدت من رحم الجامعات الحكومية الكبرى، وهي تعتمد على مستشفياتها الجامعية بالفعل. لدينا الآن من 15 إلى 20 مستشفى جامعي تم تخصيصها لتدريب طلاب الجامعات الأهلية المنتشرة في المحافظات».
وأوضح حاتم أن هناك شروطًا محددة لضمان جودة التعليم في هذه الجامعات، من بينها:
1. توافر مستشفى جامعي فعال ضمن شبكة المستشفيات الجامعية القائمة، لتدريب الطلاب عمليًا.
2. انتداب عدد من أعضاء هيئة التدريس من الجامعات الحكومية للعمل بشكل كلي لضمان جودة المحتوى العلمي.
3. عقد اتفاقيات تعاون أكاديمي مع جامعات دولية معترف بها لتبادل الخبرات.
وأكد حاتم أن هذه الضوابط تمثل «ضمانة حقيقية» للحفاظ على جودة التعليم الطبي في مصر، مشددًا على أن التوسع في إنشاء الكليات لا يعني التفريط في المعايير.
«الرقابة الآن أشد من أي وقت مضى، وكل خطوة محسوبة. هدفنا في النهاية هو تخريج طبيب مصري مؤهل وقادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا».


نقص الأطباء بالأرقام: أزمة حقيقية أم هجرة جماعية؟

تؤكد وزارة الصحة والسكان أن مصر تعاني من فجوة حقيقية في عدد الأطباء العاملين في القطاع الحكومي.
ووفقًا لتصريحات الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، فإن عدد الأطباء المسجلين في نقابة الأطباء يقارب 230 ألف طبيب، لكن العاملين فعليًا في المستشفيات الحكومية لا يتجاوز 93 ألفًا فقط، أي بنسبة لا تتعدى 40% من إجمالي المسجلين.
وفي تصريحات أخرى لنقيب الأطباء، فإن نحو 7 آلاف طبيب مصري يهاجرون سنويًا للعمل بالخارج، بحثًا عن بيئة عمل أفضل ودخلٍ يليق بمجهودهم العلمي والمهني.
"الأزمة ليست في عدد المقبولين بكليات الطب، بل في الحفاظ على من تخرج بالفعل. الطبيب يهاجر لأنه لا يجد تقديرًا ولا حماية قانونية ولا بيئة تدريب مناسبة."
وأشار تقرير صادر عن موقع مصر 360 إلى أن أكثر من 11 ألف طبيب استقالوا من العمل الحكومي بين عامي 2019 و2022، ما جعل نسبة الأطباء إلى عدد السكان في مصر تتراجع إلى 8.6 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، مقارنةً بـ 25 طبيبًا لكل 10 آلاف مواطن كحدٍّ أدنى عالمي وفق توصيات منظمة الصحة العالمية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء