رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الجوائز الأدبية في مصر والعالم العربي.. مكافأة أم مجاملة؟

ارشيفية
ارشيفية

منذ مطلع الألفية الجديدة، شهدت الساحة الثقافية المصرية والعربية طفرة في عدد الجوائز الأدبية التي تُمنح سنويًا للمبدعين في مجالات الرواية والشعر والقصة القصيرة والمسرح.


وأصبحت هذه الجوائز حلمًا مشروعًا يسعى إليه كثير من الكتّاب، باعتبارها مكافأة رمزية ومعنوية على جهد الكاتب وتميّزه الإبداعي. لكن مع كل إعلان عن القوائم الطويلة أو القصيرة، أو حتى النتائج النهائية، تتجدد الأسئلة والجدل: هل تُمنح الجوائز حقًا على أساس الجدارة الأدبية؟ أم تُوزّع وفقًا للمجاملة والعلاقات الشخصية؟، وهل لا تزال الجوائز أداة لدعم المبدعين، أم تحوّلت إلى عبء نفسي على الكاتب ومصدر انقسام داخل الوسط الثقافي؟.

في هذا التحقيق، يحاور موقع «إيجبتك» عددًا من الكتّاب والنقاد والشعراء للبحث في جوهر السؤال الذي لا يغيب عن الأذهان: هل الجائزة الأدبية في مصر والعالم العربي مكافأة للإبداع أم مجاملة اجتماعية؟

 

الجوائز في الأغلب منصفة.. لكن المجاملة واردة

يرى الكاتب الصحفي ماجد سمير، الحاصل على جائزة أحمد رجب للأدب الساخر لدورتين متتاليتين، أن الجوائز في الأساس تُمنح للأجدر والأكثر إبداعًا، وغالبًا ما تكون منصفة في أغلب الأحيان.


وقال في تصريح خاص لـ«إيجيبتك»: “لجوائز بشكل عام موجهة للأصلح والأجدر، وغالبًا ما تكون مكافأة مستحقة للأنسب. لكن مع الأسف، أحيانًا يشوبها مجاملة أو توازنات تحكمها قواعد أكبر من لجان التحكيم نفسها”.

وأضاف أن الهجوم على الفائزين بالجوائز قد يكون بدافع الغيرة أو الإحباط من عدم الفوز، مؤكدًا أن بعض الكتّاب لا يتقبلون الهزيمة قائلًا: "نحن لم نعتد ثقافة التنافس الشريف حتى النهاية، فالخاسر نادرًا ما يهنئ الفائز."

 

ثلاثية الجائزة.. المانح والتحكيم والموضوع

يؤكد الشاعر والكاتب أشرف أبو جليل أن الحكم على نزاهة الجوائز لا يمكن أن يكون مطلقًا، إذ تختلف من عام إلى آخر تبعًا لثلاثة اعتبارات رئيسية: الجهة المانحة، لجنة التحكيم، وموضوع الجائزة، قائلا: "علينا أن نعرف أولًا غاية الجائزة: هل هي فنية خالصة أم موجهة أيديولوجيًا؟ بعض الجوائز العربية – مثل كتارا أو جوائز بيروتية وفلسطينية – تُظهر بوضوح انحيازًا لتوجهات المانحين في المراحل النهائية."

وأوضح أن تغيّر اللجان يؤثر بشكل مباشر على النتائج، فهناك لجان نزيهة وأخرى تتورط في انحيازات شخصية أو مصالح مشتركة، متابعا: "الخلل الحقيقي ليس في الانحياز الفكري، بل في الانحياز الشخصي. لذا يجب اختيار محكّمين شرفاء يمتلكون علمًا ونزاهة معًا."

ويشير أبو جليل إلى أن نزاهة أي جائزة تُقاس بنتائجها سنويًا، فالنتيجة – على حد قوله – "هي المعيار الكاشف لكل شيء".

 

أحمد عايد: الجوائز تمنح للأصحاب والمعارف

أما الشاعر أحمد عايد فيرى أن الفجوة كبيرة بين ما ينبغي أن تكون عليه الجوائز وبين ما هي عليه فعليًا، قائلا: "كان من المفترض أن تكون الجائزة مكافأة للإبداع ودفعًا للمشروع الأدبي، لكنها الآن تُمنح في 90% من الحالات للأصحاب والمعارف، وأحيانًا كمجاملة في مناسبات اجتماعية!"

ويضيف ساخرًا: "لدينا قصص مضحكة في مصر عن من نال جائزة دون أن يتقدّم لها أصلًا!"

ويرى عايد أن المشهد الثقافي المصري والعربي والعالمي يعاني من فساد متشابه، حيث تتدخل الانتماءات الدينية والأيديولوجية والمواقف السياسية في منح الجوائز، مختتمًا بقوله: "قليلًا ما تصادف الجوائز مستحقيها، وحتى ذلك القليل يدعو للشك."

 

شريف صالح: الجوائز تفسد الأدب وتمنح المجد للأعمال المتوسطة

من جهته، يرفض الكاتب شريف صالح فكرة التقديس المبالغ فيه للجوائز، معتبرًا أن الكتابة أعظم من أي تقييم خارجي، مؤكدًا:  "لا أؤمن بالجوائز وإنما بالكتابة. فالرواية العظيمة تفوق قيمتها كل جوائز العالم. ومعظم العظام لم ينالوا نوبل مثل تشيخوف وبورخيس وكازانتزاكيس."

ويضيف: "الجوائز أحيانًا تفسد الأدب، لأنها تمنح قيمة زائفة لأعمال متوسطة، وتشجع (الكيتش) وتحول الإبداع إلى تسويق واستهلاك."

ويؤكد صالح أن معظم الجوائز العربية محكومة بالشللية والمصالح، مشيرًا إلى أن بعضها يتحول إلى إعانات شخصية تحت غطاء ثقافي، مشيرًا: "سمعنا عن جوائز منحت لتغطية مصاريف الزواج أو العمليات الجراحية، لا لتقدير الأدب."

ويختم قائلاً: "ما أكثر من فازوا بالجوائز وذهبوا إلى النسيان، وما أكثر من تجاهلتهم الجوائز وبقوا في الصدارة. الجائزة لا تصنع كاتبًا، بل الكتابة وحدها تفعل."

 

ابتهال الشايب: الجوائز تحولت إلى عبء نفسي وضغط على الكاتب

ترى الكاتبة ابتهال الشايب أن الجوائز الأدبية لم تعد حافزًا للإبداع، بل أصبحت عبئًا نفسيًا وضغطًا اجتماعيًا على الكاتب، قائله: "وصل الأمر إلى حد التسوّل، لأن كثيرًا من الجوائز تُمنح على أساس العلاقات لا على أساس جودة الكتابة."

وأشارت إلى أن تحديد موضوعات بعينها في بعض الجوائز ساهم في تدهور مستوى الإبداع، لأن الكاتب يضطر لتغيير أفكاره ومشروعه ليتناسب مع شروط الجائزة.
كما لفتت إلى غموض معايير الاختيار، مؤكدة أن بعض الأعمال الفائزة "لا ترقى لمستوى الجائزة".

وقالت: "الفرق بين الجوائز المصرية والعربية هو القيمة المادية فقط، أما في الجوهر فكلتاهما تعاني من الشللية وعدم الإنصاف."

 

واختتمت حديثها قائلة: "الجوائز ترهق الكاتب أكثر مما تفيده، لأن الكتابة ليست منافسة رياضية. الجائزة مجرد شهادة بأن العمل مقبول، لكنها لا تمنح الكاتب مرتبة أعلى من غيره."

 

فاطمة البودي: الجائزة وسيلة تحفيز لا مؤامرة

من جانبها، ترى الدكتورة فاطمة البودي، مدير دار العين للنشر، أن الجوائز تمثل حافزًا مهمًا للمؤلفين، لكنها تعاني من صورة ذهنية سلبية بسبب الشللية والاتهامات المستمرة بالمجاملة، متابعة: "الجوائز في الأساس حافز لتحسين الأداء وتنمية المعرفة، لكن نظرية المؤامرة أصبحت سائدة نتيجة لبعض الوقائع التي شابها التحيز."

وأكدت أن القيمة المالية للجائزة أمر مطلوب لأنها تقدير مادي للموهبة، مضيفة: "أفضل أن تتولى دور النشر ترشيح الكتّاب للمسابقات، لأنها أدرى بالأعمال القوية التي تستحق المنافسة."

واختتمت حديثها قائلة: "الجوائز الأدبية رغم كل ما يثار حولها تبقى وسيلة لتسليط الضوء على الكتّاب الموهوبين، وتخلق حراكًا في المشهد الثقافي، وهو أمر لا غنى عنه."

 

 الجائزة بين الحلم والشك

تظل الجوائز الأدبية في مصر والعالم العربي سيفًا ذا حدين؛ فهي من جهة وسيلة لتقدير الإبداع وتسليط الضوء على الموهوبين، ومن جهة أخرى بابٌ للمجاملة والانقسام إذا غابت عنها الشفافية والنزاهة.


ويبقى الأمل في أن تستعيد الجوائز مكانتها كمكافأة مستحقة للإبداع الخالص، بعيدًا عن التوازنات والعلاقات والمصالح، لتكون كما أرادها الجميع: "جسرًا بين الكاتب والقراء، لا بين الكاتب واللجان".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء