رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الفنانة التشكيلية السعودية غدير حافظ: عبرت عن فلسطين في لوحاتي

الفنانة التشكيلية
الفنانة التشكيلية السعودية عدير حافظ

في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، ويكاد فيه الإنسان أن يذوب بين الشاشات والرموز الرقمية، يظل الفن التشكيلي أحد آخر المساحات التي تحفظ للروح إنسانيتها، وللخيال قدرته على الخلق والتجدد. 

وفي هذا العالم، تبرز الفنانة التشكيلية السعودية غدير حافظ كواحدة من أبرز الأصوات الفنية التي اختارت أن تحيا في قلب اللون، وأن تجعل من الفن رسالةً تتجاوز الزمان والمكان، وتنحاز دومًا للإنسان قبل كل شيء.

منذ بداياتها الأولى، تشكّلت ملامح تجربتها بين الموهبة والدراسة والبحث الدائم عن الجديد.

 لم تكن لوحاتها مجرّد أعمال جمالية تسرّ الناظرين، بل كانت – ولا تزال – نوافذ مفتوحة على الفكر والمشاعر والوجدان الإنساني.

 فغدير لا ترسم لتزيّن الجدران، بل لتوقظ فينا الأسئلة، وتستفز فينا الدهشة، وتذكّرنا بأن اللون قادر على قول ما تعجز عنه الكلمات.

تتنقل غدير حافظ بين المدارس والأساليب، لكنها لا تنتمي إلا لذاتها، مؤمنةً بأن الفن لا يُقاس بالانتماء إلى مدرسة محددة، بل بالقدرة على الإبداع الحر. وفي حوارها مع « إيجبتك»، تكشف الفنانة السعودية عن فلسفتها في العمل الفني، وعن رؤيتها لموقع الفنان وسط تحولات العالم الرقمي، كما تتحدث عن تجربتها في توظيف الفن كأداة مقاومة وتوثيق لقضية فلسطين، تلك التي تراها واجبًا دينيًا وإنسانيًا لا يسقط بالتقادم.

وفي حديثها، تتجلى شخصية فنانة تعرف جيدًا قيمة اللون، وتدرك أن الفن الحقيقي لا يُصنع في المرسم فقط، بل في لحظة الوعي والصدق مع الذات والآخر.

وإلى نص الحوار:

لو رجعنا للبداية.. كيف تشكلت أولى ملامح تجربتك الفنية؟


تشكلت تجربتي من خلال الموهبة الفطرية والدراسة الأكاديمية، لكن العنصر الأهم هو البحث الدائم عمّا هو جديد. منذ بداياتي كنت أرى أن الفن لا يُعلَّم بقدر ما يُكتشف، وكل تجربة جديدة كانت تضيف لي بصمة جديدة. 

لم أتعامل مع الفن كهواية بل كحياة كاملة، فيها التأمل والتعب والفرح والاكتشاف.

 

ما العناصر البصرية أو الرمزية التي تميز أعمالك وتجعلها تعبّر عن هويتك الخاصة؟


أعمالي تحمل هوية واضحة، تنعكس من خلال المواضيع التي أتناولها، والألوان التي أستخدمها بجرأةٍ عالية. 

أحيانًا تصرخ الألوان في لوحاتي لتخرج عن مدلولاتها المألوفة، فتعكس معانيها في شكلٍ مختلف. أمزج الخيال بالواقع في أسلوبي، وأحاول دائمًا أن تلامس لوحاتي عقل ومشاعر المتلقي معًا.

 بالنسبة لي، اللوحة ليست شكلًا بصريًا فقط، بل فكرة حيّة تنبض بروحٍ إنسانية.


 

كثير من أعمالك تحمل بُعدًا إنسانيًا واضحًا.. كيف ترين علاقة الفن بقضايا الإنسان والمجتمع؟


أنا مؤمنة تمامًا أن الفن إن لم يحمل رسالة، فهو بلا قيمة. الفن وُجد ليكون لغة صامتة تهمس في عقول الناس، لا مجرد زينة تُعلّق على الجدران.  أحيانًا لا يعجب العمل الفني الجميع، ولكن إن حرّك فيهم شعورًا — سواء بالقبول أو الرفض — فهذا يعني أنه أدى رسالته. 

الفن الحقيقي هو الذي يُثير الفكر والمشاعر معًا، ويجعلنا نرى أنفسنا والآخرين بعيون جديدة.


 

النقد الفني دائمًا حاضر.. كيف تتعاملين مع آراء النقاد؟ وهل ساعدتك في تطوير تجربتك؟


أعتقد أن الكثيرين لا يفهمون معنى النقد الفني الحقيقي. فالنقد ليس أن نقول "هذا جميل" أو "هذا غير جميل"، بل هو تحليلٌ عميق ودراسة مستنيرة بالمعرفة والثقافة.

 النقد الجاد لا يقلل من العمل بل يُقوِّمه، وهو جزء أساسي من التطور الفني.
أتقبل النقد من أصحاب الخبرة والوعي، وأعتبره طاقة بنّاءة لا تهدُّمًا، لأنه يفتح لي أبوابًا جديدة للتفكير في عملي.


برأيك، هل النقد الفني العربي يواكب التطورات العالمية؟


لا، ما زال النقد العربي في حاجة إلى تجديد أدواته والغوص أكثر في آفاق الفن.  ما زلنا نفتقر إلى عقلية الناقد الحقيقي الذي يفهم السياق البصري والفكري للعمل، وليس فقط شكله الخارجي.

 نحتاج إلى نقاد يجمعون بين المعرفة الأكاديمية والوعي الجمالي الحديث.


 

مع التحولات الحديثة في المدارس الفنية، هل تنتمين إلى مدرسة معينة أم تميلين للمزج بين الأساليب؟


أنا لا أحب أن أحصر نفسي في مدرسة بعينها. الفنان – في رأيي – يجب أن يخوض كل التجارب حتى يجد صوته الخاص.  الفن عالم واسع، والفنان لا يُقاس بانتمائه لمدرسة، بل بقدرته على ابتكار أسلوبه الفريد.  في بداياتي كنت أتأثر ببعض المدارس التي شعرت بأنها تناسبني، لكن مع الوقت وجدت نفسي أبتكر أسلوبي الخاص الذي يمثلني ويشبهني.


كيف تقيمين المشهد التشكيلي في المملكة العربية السعودية؟


الفن متغير بطبيعته، لا يقف عند نقطة ثابتة. من وجهة نظري، هناك زخم فني كبير في المملكة اليوم.  بعض الأعمال تستحق أن تُعرض عالميًا لما تحمله من وعي وتقنية، وبعضها الآخر يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتأصيل.

 الجميل أن هناك جيلاً جديدًا بدأ يفكر خارج الصندوق، ويكسر القوالب التقليدية في التعبير. نحن نعيش الآن نهضة تشكيلية حقيقية، لكنها لا تزال في طور النضج المستمر.


 

ما الفروق التي تلاحظينها بين الجمهور العربي والعالمي في تفاعلهم مع أعمالك؟


الجمهور العربي بدأ يتطور ويفهم الفن بشكل أعمق من الماضي، لكن ما زال هناك تفاوت. بعضهم يفسر اللوحة من منظور محدود، بينما ألتقي أيضًا بعقول مثقفة وواعية.

 في المقابل، أجد لدى الجمهور الغربي عمقًا أكبر في تفسير الأعمال، لأنهم يتربون منذ الصغر على التعامل مع الفن كجزء من حياتهم وثقافتهم.
لكنني أؤكد أن مجتمعنا العربي يسير بخطى سريعة نحو الوعي الفني الحقيقي، وهذا مبشّر جدًا.


كيف يمكن للعمل الفني أن يتجاوز حدوده المحلية ليحمل رسالة عالمية؟


كلما تحررت اللوحة من حدود الإطار، وغاصت في عوالم الخيال والرمز والوجدان الإنساني، باتت أكثر قدرة على مخاطبة العالم. أنا أؤمن أن الغرابة تجذبني، وكل ما يخرج عن المألوف يحمل في داخله رسالة كونية يمكنها أن تُخاطب الإنسان أينما كان.


مع صعود الذكاء الاصطناعي في الفنون، هل ترينه تهديدًا للفن التقليدي؟


أبدًا، لا يقلقني الذكاء الاصطناعي على الإطلاق. فهو مهما بلغ من تطور لن يتجاوز عظمة عقل الإنسان الذي أبدعه الخالق. الإنسان يحمل من روح الله ما يجعله مبدعًا على نحو لا يمكن تقليده.
الذكاء الاصطناعي بالنسبة لي مجرد أداة، لكن الفن الحقيقي يصدر عن روحٍ حيةٍ ووجدانٍ متفرد.

 

هل تفكرين في توظيف الذكاء الاصطناعي في مشاريعك الفنية؟


قد أستفيد منه في طرق العرض أو التصميم التقني، لكن في تنفيذ اللوحات لا ولن أستخدمه أبدًا.
لديّ إيمان عميق بأن ما أملكه مختلف ومميز، وأن الاعتماد الكامل على هذه البرامج يجعل الفنان عبدًا للتقنية بدل أن يكون سيدًا لها.


 

ما أبرز التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي اليوم؟


أهمها مواكبة التطور الهائل في العالم الرقمي دون أن يفقد الفنان بصمته الإنسانية.
أنا شخصيًا لا أميل إلى الفن الرقمي أو الذكاء الاصطناعي، لأنني لا أشعر بالمتعة إلا في فوضى الألوان التي تخرج من تحت يدي. هذه الفوضى هي ما يمنح العمل صدقه وحيويته.


أنتِ معروفة بتنظيم ورش فنية.. ما الهدف منها؟ وما رسالتك للجمهور؟


الورش الفنية وسيلة لرفع الوعي المجتمعي بمفهوم الفن الواسع، أما الدورات التعليمية فهي تؤسس جيلًا يسير على أسس صحيحة وقواعد متوازنة، قادرة على الابتكار والتجديد.
رسالتي من خلال هذه الورش هي نشر الوعي الفني والثقافي، وتأكيد أهمية الفن ودوره في تشكيل الوجدان وتأثيره على عقلية المتلقي.


كيف ترين دور الفنان التشكيلي العربي اليوم في التعبير عن معاناة الشعب الفلسطيني؟


هذا واجب ديني قبل أن يكون واجبًا إنسانيًا.
فلسطين والمسجد الأقصى حق للمسلمين جميعًا كما الحرمين الشريفين، ويجب أن يكون لنا انتماء كبير لهذه القضية. الفن يستطيع أن يكون لسانًا ناطقًا للحق، وأن يوثق المأساة بلغة لا تموت.


 وهل يمكن للفن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة أو التوثيق الإنساني؟


بالتأكيد، فالفن لغة عالمية تُعبّر عن الألم والفرح والمعاناة دون كلمة واحدة.
اللون والخط والتكوين أدوات قادرة على تحريك العقول والضمائر، وإذا أتقن الفنان استخدامها يمكنه أن يغزو العقول والقلوب بسهولة.

هل قدمتِ أعمالًا تتناول القضية الفلسطينية؟


نعم، نفذت العديد من الأعمال حول هذه القضية، وتم عرضها داخل المملكة وخارجها في دول مثل كوسوفو وألبانيا وسكوبيا وقبرص وفيينا.
هذه اللوحات حملت رسائل إنسانية تصف معاناة الشعب الفلسطيني، وتم اقتناء العديد منها من قبل محافل دولية.


برأيك، كيف يمكن للفن أن يواجه حملات التشويه التي تحاول طمس الوعي الجمعي تجاه فلسطين؟


ببساطة، اللوحة الصادقة قادرة على فضح الكذب دون كلمة واحدة.
تجسيد معاناة الشعب الفلسطيني باللون أو الخط أو المجسم يحرك العقول ويوقظ الضمائر، ويدفع المتلقي للبحث عن الحقيقة بنفسه.
 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء