رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لو كنتَ وزيرًا للثقافة.. كيف تُصلح قصور الثقافة؟ مثقفون يجيبون

وزارة الثقافة
وزارة الثقافة

تُعد قصور الثقافة إحدى أهم الأذرع الثقافية للدولة المصرية، إذ تمتد بفروعها المنتشرة في المحافظات لتصل بالمنتج الثقافي إلى أوسع قاعدة من المواطنين، خاصة في القرى والمناطق البعيدة عن المراكز الحضرية، غير أن هذا الجهاز الثقافي العريق يواجه منذ سنوات تحدياتٍ عديدة تتعلق بالتمويل والإدارة وضعف الفاعلية وغياب الرؤية الواضحة، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول سبل تطويره وإعادته إلى دوره الحقيقي كمنبر للوعي والتنوير.

وفي ظل الحاجة الملحّة لإصلاح المنظومة الثقافية على أسس جديدة، طرحت "إيجبتك" سؤالًا مفتوحًا على عدد من المثقفين والكتاب والفنانين: "لو كنتَ وزيرا للثقافة.. كيف تُصلح قصور الثقافة؟"

جاءت الإجابات متباينة في التفاصيل، لكنها اتفقت في الجوهر على أن استعادة الدور الحقيقي لقصور الثقافة يبدأ من إعادة هيكلة الإدارات، واختيار قيادات مثقفة واعية تمتلك رؤية، إلى جانب تطوير آليات التواصل مع الجَمهور وتفعيل الدعاية، والاهتمام بالمواهب الشابة والقرى التي تمثل الخزان الحقيقي للوعي الشعبي.

في هذا التحقيق، يستعرض "إيجبتك" رؤى مجموعة من الكُتّاب والمبدعين الذين قدّموا تصوراتهم للإصلاح، مؤكدين أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية لحماية المجتمع من الجهل والتطرف، ولإعادة بناء الإنسان المصري على أسس من الوعي والجمال والانتماء.

 

وصول الثقافة إلى القرية المصرية

أكد الكاتب والروائي يوسف القعيد أهمية الدور الذي تلعبه قصور الثقافة في دعم الوعي والحفاظ على هوية المجتمع المصري، مشيرًا إلى أنها تمثل "الذراع الحقيقي لوزارة الثقافة المصرية وللدولة بأكملها"، لأنها تمتد إلى كل أقاليم مصر، خارج القاهرة والإسكندرية وأسيوط، لتصل إلى المواطنين الذين هم في أمسٌ الحاجة إلى العمل الثقافي.

وأوضح القعيد، في تصريحات لـ"إيجبتك"، أن قصور الثقافة يجب أن تعمل على إيصال الإنتاج الثقافي إلى القرى والمناطق البعيدة بمختلف أشكاله، سواء كانت روايات أو قصصًا أو أشعارًا أو عروضًا مسرحية وسينمائية، لأن الثقافة هي صمام الأمان الحقيقي لمستقبل مصر والأجيال القادمة.

يوسف القعيد
يوسف القعيد

وشدد على ضرورة أن تصل الأنشطة الثقافية إلى القرية المصرية، لأن القرية هي منبع الخير والإنسانية ومستقبل مصر كله، مشيرًا إلى أن القرى محرومة من النشاط الثقافي وتعاني من الأمية، وهو ما يتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية لإعادة الوعي.

تنظيم عروض سينمائية

واقترح القعيد تنظيم عروض سينمائية متنقلة في القرى من قبل الهيئة العامة لقصور الثقافة، تُعرض فيها أفلام قديمة أو جديدة في ساحات عامة مثل "دوار العمدة"، موضحًا أن السينما من أهم وسائل مواجهة التطرف والإرهاب الذي يستهدف العقول في تلك المناطق.

واختتم حديثه لـ"إيجبتك" أن العاملين في  قصور الثقافة كوادر مخلصة، لكنهم يحتاجون إلى إمكانات ودعم وتوجيه حتى يتمكنوا من أداء رسالتهم على أكمل وجه، مؤكدًا أن هذا الجهاز خطير للغاية في تأثيره الإيجابي، لأنه يصل إلى كل شبر من أرض مصر.

 

تقليص أعداد الموظفين

من جهته قال الشاعر أحمد أبو خنيجر، إن الثقافة الجماهيرية في مصر تواجه أزمة حقيقية في فاعليتها، رغم أهميتها الكبيرة في نشر الوعي بين المواطنين وخاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.

وأضاف أبو خنيجر في تصريحات خاصة لـ"إيجبتكِ"  أن هذه المؤسسات أنشئت أساسًا لتخدم عموم الشعب، لكنها تعاني اليوم من ضعف في الأداء وغياب الرؤية، مشيرًا إلى أن أول خطوة لإصلاح المنظومة هي تقليص أعداد الموظفين الإداريين غير المؤهلين واستبدالهم بمثقفين حقيقيين قادرين على إدارة الأنشطة الثقافية وتفعيلها.

وأوضح أن كثيرًا ممن تم تعيينهم في قصور الثقافة خلال السنوات الماضية لا علاقة لهم بالثقافة أو الإبداع، وبعضهم يرى أن المسرح والفنون حرام، فكيف يمكن لهؤلاء أن يديروا نشاطًا ثقافيًا، بالإضافة أن وجود هذا النوع من الموظفين أدى إلى تدمير الفعل الثقافي وتعطيل الأنشطة في المحافظات. 

 أحمد أبو خنيجر
 أحمد أبو خنيجر

تنمية الثقافة الداخلية

وأشار أبو خنيجر إلى أن وزارة الثقافة تحتاج إلى "ثقافة داخلية" قبل أن تنشر الثقافة للناس، موضحًا أن الوزارة تمارس أنشطة سرية لا يعرف بها أحد، لأن القائمين عليها لا يعلنون عن فعالياتهم ولا يجذبون الجمهور، ومن يُقيم نشاطًا لا يدعو الناس إليه كمن يقيم فرحًا ولا يرسل دعوات للحضور.

وأكد أن الدعاية هي روح العمل الثقافي، مشيرًا إلى أهمية الإعلان المسبق عن الفعاليات في الأماكن العامة لجذب المواطنين، لأن الهدف من الثقافة هو الوصول إلى الناس لا البقاء داخل الجدران.

واختتم أبو خنيجر حديثه لـ"إيجبتكِ"، بالقول إن إصلاح العمل الثقافي يبدأ من اختيار الكفاءات المناسبة للمناصب القيادية، بحيث تكون شخصيات مثقفة تمتلك وعيًا إداريًا حقيقيًا، وليست مجرد موظفين بيروقراطيين، ونحتاح إلى  قلة واعية تدير الثقافة بروحها الحقيقية، لتصل أنشطتها إلى القرى والمناطق النائية وتستعيد ثقة الناس في قصور الثقافة من جديد.

 

الثقافة تمثل الركيزة الأساسية لبناء الإنسان

وقال الشاعر إيهاب البشبيشي، إن الثقافة تمثل الركيزة الأساسية لبناء الإنسان، مؤكدًا أنه لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بالطرق والمباني والمصانع فقط، وجميع المجالات، إلا  إذا عمل على بناء أفراده، مضيفا في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن المجتمع الذي يهتم بالحجر ويهمل البشر، يرتكب خطيئة كبيرة، لأن المصانع والمبان قد تنهار، لكن إذا سقط الإنسان سقط الوطن بأكمله.

الثقافة صمام أمان حقيقي

وأوضح البشبيشي، أن الثقافة ليست ترفًا، بل هي صمام أمان حقيقي، مشيرًا إلى أن هناك أمن ثقافي يجب أن تتبناه الدولة كما تتبنى الأمن الداخلي والخارجي، لأن غياب الوعي يجعل المجتمع عرضة للتفكك والتيارات الهدامة، فالأمم  على حد قوله لا تُهزم بالجيوش، بل تُهزم حين تُهزم نفوس أبنائها. 

 إيهاب البشبيشي
 إيهاب البشبيشي

وانتقد البشبيشي، تحول اسم “الثقافة الجماهيرية” إلى قصور الثقافة ، معتبرًا أن هذا التغيير عكس رؤية تركز على المباني لا على الإنسان، موضحًا الثقافة الجماهيرية في الستينيات كانت حركة حقيقية وسط الناس، تُقدّم المسرح في القرى، وتتبنى المواهب، وتصنع علاقة حية مع الجمهور، لكن اليوم، انحسرت الثقافة داخل القصور وأصبحت شكلاً بروتوكوليًا بلا تأثير، مؤكدا أن ميزانيات قصور الثقافة تُنفق في معظمها على الأجور، بينما لا تتجاوز الأنشطة الثقافية نسبة بسيطة للغاية، مؤكداً أن هذا الوضع لا يمكن أن ينهض بالوعي الجمعي.

وعن رؤيته لو كان وزيراً للثقافة، قال البشبيشي، تركيزى سيكون على توسيع مفهوم الثقافة لتشمل كل مناحي الحياة، الثقافة ليست شعراً وأدباً فقط، بل هي صناعة وتربية وسلوك، كما كنت سأحول قصور الثقافة إلى مدارس شعبية لتأهيل الإنسان المهني، وأعقد شراكات مع  الصناعة والتعليم والنقابات المهنية، لتدريب العمال والفنيين على المهارات الحديثة، الثقافة ليست منتجاً ترفيهياً، بل هي القوة التي تصنع الوعي وتنهض بالمجتمع. 

 

هيكلة لوائح قصور الثقافة

وقال الشاعر والمترجم شرقاوي حافظ، إن هيئة قصور الثقافة تؤدي دورًا مهمًا في نشر الوعي وتقديم الخدمات الثقافية للمجتمع، غير أن الخلل لا يكمن في الفكرة، بل في آليات التنفيذ التي باتت بحاجة إلى مراجعة شاملة، موضحًا أن الثقافة الجماهيرية أنشئت لتثقيف الشعب وإثراء وعيه، إلا أن الأداء على أرض الواقع لا يرقى للمستوى المطلوب بسبب غياب التنظيم وضعف الإمكانات والدعاية.

وأضاف حافظ في تصريحات لـ"إيجبتك" أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين قصور الثقافة من حيث البنية والإمكانات، فبعضها يمتلك دعاية فعالة وبيئة مناسبة، بينما تعاني أخرى من الإهمال وغياب الترويج لأنشطتها، وأن اختيار غير الأكفاء لتولي المسؤولية من أكبر المشكلات التي تواجه المنظومة الثقافية.

 شرقاوي حافظ
 شرقاوي حافظ

وأكد أن نوادي الأدب التي تمثل النواة الأساسية للحراك الثقافي، أصبحت تفتقر إلى التعاون والدعم المالي، فلم تعد هناك مكافآت للضيوف أو المشاركين كما كان في الماضي، وهو ما تسبب في عزوف المبدعين عن المشاركة في الندوات والأنشطة، وأننا نضطر أحيانًا لتغطية نفقات الضيافة والمواصلات من جيوبنا الخاصة لتستمر الفعاليات، لأن الدعم شبه منعدم.

وأشار إلى أن غياب الدعاية من أبرز أوجه القصور، موضحًا أن كثيرًا من الأنشطة تُقام دون إعلان مسبق، وكأنها فعاليات سرية لا يراد للجمهور معرفتها، مشددًا على أن العمل الثقافي يحتاج إلى الترويج الذكي لاجتذاب الجمهور، لأن الغاية من الثقافة هي الوصول إلى الناس لا البقاء داخل الجدران.

وشدد على ضرورة إعادة هيكلة لوائح قصور الثقافة وإصلاح منظومة العمل الإداري، مع اختيار قيادات تمتلك وعيًا ثقافيًا حقيقيًا، مؤكدًا أن الثقافة لا تُدار بالعشوائية أو البيروقراطية، بل بروح المسؤولية والحماس الوطني، فهي السبيل الأهم لبناء وعي الأجيال وحماية المجتمع من الجهل والتطرف.

 

 

الثقافة في خدمة عامة الشعب

وتعليقًاعلى ذلك؛ قال الكاتب أحمد محمد عبده، إن جوهر فكرة الثقافة الجماهيرية يقوم على خدمة عامة الشعب وليس النخبة، فهي ثقافة الناس جميعًا، وليست حكرًا على فئة محددة، مشيًرا إلى أن الاسم القديم "الثقافة الجماهيرية" كان أكثر دقة من المسمى الحالي "قصور الثقافة"، لأن الأول يوجه المعنى مباشرة نحو الجمهور، بينما يوحي الثاني بالجمود والارتباط بالمبنى لا بالإنسان.

وأضاف عبده في تصريحاته لـ"إيجبتك"  أن الهيئة العامة لقصور الثقافة، رغم ما تقدمه من جهود وأنشطة فنية وأدبية، فإنها تحتاج إلى إعادة نظر في آليات عملها وتطوير أسلوب تفاعلها مع الجمهور، فهناك بالفعل نشاط قائم، خاصة في الفنون والمسرح، لكنه لا يصل إلى الناس بالصورة المطلوبة بسبب ضعف الدعاية وغياب الحوافز التي تشجع على المشاركة.

أحمد محمد عبده
أحمد محمد عبده

 

وأشار إلى أن العديد من الندوات الأدبية تُقام في القصور دون دعم كافٍ أو بدل انتقال للمشاركين الذين يأتون من مناطق بعيدة، مما يضعف الإقبال ويجعل الفعاليات محدودة التأثير، متسائلًا: كيف يمكن أن نحفز الأدباء والشعراء على الحضور والمشاركة دون مقابل مادي أو معنوي، فلابد من وجود حوافز ومغريات حقيقية.

وأكد عبده أن الجمهور نفسه يحتاج إلى عوامل جذب تجعله يترك الهاتف أو التلفاز ويذهب إلى حضور ندوة أو عرض مسرحي أو معرض فني، لأن الاكتفاء بلافتة صغيرة أمام القصر لا يكفي للترويج لأي نشاط، بل يجب توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي لجذب انتباه الناس وتحفيزهم على التفاعل مع ما يُقدم من محتوى.

وأوضح  أن الثقافة الجماهيرية لا يمكن أن تحقق رسالتها دون اهتمام حقيقي بالمحتوى والجمهور معًا، مشيرًا إلى أن هذا الكيان أُسس من أجل الناس، وأن نجاحه يقاس بمدى وصوله إليهم وتأثيره في وعيهم، لا بعدد الأنشطة أو التقارير والفعاليات التي لا فائدة منها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء