"إيجبتك" يخترق العالم الخفي للشحاتين.. كيف تحول التسول إلى تجارة رابحة؟
في شوارع القاهرة ومحطاتها المزدحمة، وعلى أرصفة المترو، وعند إشارات المرور، لم تعد يد المتسول مشهدًا عابرًا في يوم المصريين، بل تحولت الظاهرة إلى عادة مألوفة، يديرها عالم سري يشرف عليه مجموعة من البلطجية.
وبين نساء يحملن أطفالًا نائمين في أحضانهن، إلى رجال يدّعون العجز أو فقدان البصر، وأطفال يحترفون البكاء للاستعطاف، أصبح المواطن العادي هدفًا لتلك لأباطرة تلك التجارة الرابحة، التي تدار تحت إشراف البلطجية.
وفي بعض المناطق الشعبية، يُعرف “المعلم”، أو "الكبير"، الذي يوزّع المتسولين على النقاط الحيوية من إشارات المرور، ومحطات المترو، والميادين الكبرى، ويحدد لكل فرد مكانه وساعات عمله، كما يحصي ما يتم جمعه في نهاية اليوم مقابل نسبة محددة من الأرباح.
ويتولى "البلطجية " حماية هذه الشبكات من أي متطفلين، ويفرضون "إتاوات " على من يريد التسول في نطاقهم، بينما يُمنع الآخرون من دخول "المنطقة" إلا بإذن مسبق، كما أن بعض هؤلاء المنظمين لا يظهرون في الصورة مطلقًا، حيث يستخدمون النساء والأطفال كواجهة، ويكتفون بجمع الأموال في الظل.

ويكشف عدد من السائقين والباعة الجائلين أن بعض المتسولين يجنون يوميًا ما يتجاوز 10 آلاف جنيه، لكنهم لا يحتفظون سوى بجزء بسيط، فيما يذهب الباقي إلى "المنسق" أو "الكبير " الذي يدير الدائرة.
جهود مضنية لمكافحة الظاهرة
في المقابل، تشير تقارير وزارة التضامن الاجتماعي إلى أن حملات مكافحة التسول تضبط مئات الحالات شهريًا، لكن أغلبها يُفرج عنه بعد أيام، لتعود الوجوه نفسها إلى الشارع من جديد، في حلقة مغلقة لا تنكسر.
21 ألف قضية خلال شهر
وكشف تقرير حديث لوزارة الداخلية، عن ضبط أكثر من 21 ألف قضية تسول خلال شهر فبراير 2025 فقط، في مؤشر واضح على تفاقم الظاهرة في الشوارع والمواصلات العامة، خصوصًا مع تزايد استغلال النساء والأطفال في عمليات الاستجداء المنظم.

ووفقًا لبيانات وزارة التضامن الاجتماعي، تم التعامل مع 162 بلاغًا خلال الفترة ذاتها تخص حالات إنسانية وأطفالًا وكبار سن بلا مأوى، وردت عبر الشكاوى الحكومية والمنصات الإلكترونية، في إطار خطة الوزارة لمتابعة الظواهر الاجتماعية المنتشرة في الشارع المصري.
أما على مستوى التوزيع الجغرافي، فتقدّر المراكز البحثية وجود ما بين 4 إلى 5 آلاف متسول داخل القاهرة وحدها، مقابل نحو 1600 متسول في محافظة الإسكندرية، بحسب بيانات المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية.
وفيما يخص الأطفال، تشير بيانات وزارة التضامن بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) واليونيسف (UNICEF) إلى أن عدد أطفال الشوارع في مصر يبلغ نحو 16019 طفلًا موزعين على أكثر من 2500 منطقة، بينما تؤكد منظمات المجتمع المدني أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بسبب غياب تعريف موحّد لمفهوم “طفل الشارع”.
كما أظهر تقريرالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن دوافع التسول تتوزع بين الفقر (34.9%)، وغياب المعيل (76.5%)، فيما تصل نسبة المتسولين المحترفين إلى أكثر من 82% من إجمالي العينة البحثية.
من ناحية أخرى، أعلنت وزارة الداخلية عن ضبط 20 شخصًا ضمن حملة أمنية في محافظة الجيزة بتهم تتعلق باستغلال الأطفال في التسول، وذلك بعد تداول مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي كشفت نشاط مجموعة تعمل تحت كوبري شهير.
ويحذر خبراء الاجتماع من أن استمرار الظاهرة بهذا الحجم يعكس تحول التسول إلى نشاط منظم له شبكات إدارة وحماية، مطالبين بزيادة الرقابة الميدانية، وتفعيل برامج الرعاية الاجتماعية والاقتصادية للفئات الأكثر فقرًا، للحد من اتساع ما وصفوه بـ“اقتصاد الاستعطاف” في الشارع المصري.
"إيجبتك" يخترق عالم التسول الخفي
في قلب العاصمة، حيث تتقاطع ممرات المترو مع آلاف الوجوه العابرة يوميًا، تجلس منال.ع وهي سيدة في منتصف الثلاثينيات على رصيف محطة "رمسيس "، تحمل طفلًا صغيرًا نائمًا في حضنها، وبجوارها كوب بلاستيكي تنتظر فيه "حسنة " من عابر طريق.

وتقول السيدة بصوت متعب وهي تتجنب النظر المباشر إلينا: "أنا مش لاقية شغل ولا سكن، جوزي سابني من سنتين، وبصرف على العيال كده بالعافية، وفيه واحد في المنطقة بيوزعنا كل يوم على أماكن مختلفة، وبيقولنا نرجعله بالليل بالحساب، بياخد كل اللي بنلمه وبيدينا اللي يدوب يمشينا ومحدش يقدر يتكلم لأن هيسيّب علينا رجالته تمنعنا من الشغل مش كده بس لا ممكن يعورنا، لأن معاه رجالة كتير.
وأضافت: "بلم في اليوم من الصبح إلى بالليل 5 آلاف جنيه، لكن في المواسم الرقم ده بيتضاعف غير أن في شباب بيجيبولنا أكل كل يوم وعربيات فيها ناس طيبة بيمروا يدونا وجبات فيها لحمة.
ثم تنظر حولها بخوف وتهمس: "أمشي يا باشا مش عايزة حد يشوفني وأنا بكلمك مينفعش أقول اسمه، الناس دي كبيرة، ولو حد اتكلم ممكن يختفي".

جولة وسط المتسولين
ومع استمرار جولتي الميدانية في المترو، مر بجانبي طفل في عمر 10 سنوات اسمه أحمد قال "عمو ممكن جنيه"، بدأت أتحدث معه عن سبب طلبه وسبب تسوله، فقال إنه يسكن في مدينة السلام بالقاهرة، ويعمل 3 شيفتات يوميا تحت إشراف والده الذي لا يعمل، وإنما ينتظره يوميا لأخذ غنيمة التسول التي تتراوح في الشفت الواحد بين 3000، و5000 جنيه.
ويضيف أحمد: “وقت الذروة وهي بداية من الساعة السابعة صباحا وحتى 11 ظهرا، ومن الساعة واحدة حتى الساعة سادسة، ثم من السابعة حتى 11 ليلا بنعمل أكتر من كده، وبين كل شيفت والتاني بيمر والدي ليستلم حصيلة التسول ويعطيني بعض الطعام لأقدر على مواصلة اليوم”.
أما سالي بائعة اللبان داخل عربات المترو، حاولتُ تصويرها لكنها كشفت أمري، وحدث شجار بسيط، ثم بكت وتحدثت معي، وقالت إنها ليست متسولة، بل بائعة لا تأخذ أي حسنة دون وجه حق، لكنها كشفت عن شبكة كبيرة للتسول، أو عصابة ضخمة جدًا لها "معلم" والكثير من البلطجية لحماية الشبكة، وبعض المرتشين الذين يخبرونهم عن موعد مرور حملات الداخلية للقبض على المتسولين. وكشفت سالي عن مكان العصابة، وهي في منطقة عزبة النخل.
كما أضافت أن "رئيس عصابة المتسولين" يقوم بتوزيع الأماكن بناءً على تقديراته الشخصية، وفي كل منطقة أحد رجال عصابته لحماية ومراقبة المتسولين وتحذيرهم أو معاقبتهم في الوقت نفسه.
وأكدت أن هناك بعض الأشخاص يخطرونه بموعد مرور حملات الداخلية، فيقوم بتغيير نشاط نساء وفتيات العصابة، فيخلعن النقاب ويذهبن للرقص على مراكب وسط البلد أو لسرقة الشباب.
كما أن هناك أحد الأكشاك في حلمية الزيتون، يقوم بتجميد أموال المتسولين، مع أخذ نسبة بسيطة، الـ11 جنيهًا بـ10 جنيهات.
ومع استمرار البحث والتحقيق في موضوع التسول تم الكشف عن العديد من الحالات، وكان أبرزها الحالات التي تطلب الحسنة في وسائل المواصلات أو الشوارع، حاملين أكياسًا من الدماء، وروشتات الأدوية، حتى السيدات اللآتي يحملن أطفالا مصابين أو مرضى علي كراسي متحركة.
وقال أحد المتسوليين ـ رفض ذكر اسمه ـ حتي لا يكشف أن هناك شخصًا كان يعمل ماكيرًا سينمائيًا، يقوم برسم ميكياج الإصابات المختلفة للمتسولين، وإعطائهم أوراق الأدوية وأكياس الدماء، مقابل أسعار تبدأ من 100 جنيه، وحتى 500 جنيه.
أما عن الأطفال فقال المتسول إن هناك سيدات يأجرون أطفالهم بمقابل 400 جنيه مع إطعامه، ويقوم المتسولين بإعطاء أدوية الكحة والمهدئات القوية للاطفال ليظهروا كما نراهم.

التضامن تبحث عن حلول
وفي إطار حرص الدولة على تعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأولى بالرعاية، عقدت وزارة التضامن الاجتماعي اجتماعًا موسعًا برئاسة الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن، لبحث سبل السيطرة على ظاهرة التشرد والتسول، التي تمثل أحد التحديات الاجتماعية ذات الأبعاد الإنسانية والأمنية.
وأكدت الوزيرة خلال الاجتماع أن الوزارة تولي اهتمامًا بالغًا بملف "المشردين والمتسولين "، لما له من انعكاسات مباشرة على الأمن الاجتماعي وصورة الشارع المصري، مشيرةً إلى أن الجهود مستمرة لتطوير آليات "التدخل السريع " التابعة للوزارة، وتوسيع نطاق عملها في جميع المحافظات بهدف الاستجابة الفورية للبلاغات الواردة من المواطنين أو الأجهزة التنفيذية.
وأوضحت الوزارة في بيانها أن فرق التدخل السريع تتعامل شهريًا مع متوسط 270 حالة على مستوى الجمهورية، تشمل بلاغات عن كبار السن والأطفال بلا مأوى، فضلًا عن حالات التسول المنتشرة في بعض الميادين ومحطات النقل العامة.
ويتم التنسيق في هذا الإطار مع مأموري الضبط القضائي بالوحدات الاجتماعية في المحافظات المختلفة، لضمان سرعة اتخاذ الإجراءات القانونية والإنسانية اللازمة تجاه الحالات التي يتم رصدها، سواء بإيداعها في دور الرعاية المناسبة أو توفير المأوى والخدمات الصحية اللازمة.
وشددت وزارة التضامن الاجتماعي على أن الدولة مستمرة في مواجهة الظواهر الاجتماعية السلبية، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والأجهزة الأمنية، مؤكدةً أن الحلول لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى تمكين الأفراد اقتصاديًا وتوفير فرص بديلة للحياة الكريمة.

واختتم البيان بالتأكيد على أن الوزارة تعمل وفق رؤية متكاملة للحماية الاجتماعية تستهدف بناء الإنسان المصري، وإعادة دمج الفئات المهمشة في المجتمع بصورة تحفظ كرامتهم وتحقق العدالة الاجتماعية.
علم الاجتماع يحذر
من جهتهم حذّر عدد من أساتذة علم الاجتماع من تصاعد ظاهرة التسول في مصر، معتبرين أنها لم تعد مجرد سلوك فردي ناتج عن الحاجة، بل تحوّلت إلى مهنة اجتماعية تمارسها فئات مختلفة وتنتقل بين الأجيال، ما يجعلها من أخطر الظواهر التي تهدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
وأكدت الدكتورة سهير صفوت، أستاذة الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة عين شمس ، في ، إن نحو 8% من أطفال مصر يتسولون في الشوارع والميادين العامة، موضحًا أن الفتيات عادة ما يتوقفن عن التسول عند بلوغ سن 12 عامًا خوفًا من الاستغلال أو الملاحقة.
وأشارت إلى أن أسباب الظاهرة اجتماعية وتربوية بالأساس، منها فشل الأب في أداء دوره الاجتماعي، وضعف الإمكانات الاقتصادية للأسر الفقيرة، والتسرب من التعليم، إلى جانب نقص دور الرعاية القادرة على استيعاب الأطفال بلا مأوى.
كما أوضحت أن مكافحة التسول تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على الحملات الأمنية، بل تشمل:
توفير دور رعاية متخصصة للأطفال والمشردين.
تحريك الجهات الصحية والتعليمية والاجتماعية لتقديم الدعم للأسر الفقيرة.
تعزيز الوعي المجتمعي واستعادة القيم الأسرية التي تضعف يوماً بعد يوم.

التسول سلوك مرضي
حذّر عدد من المتخصصين في علم النفس من خطورة ظاهرة التسول، مؤكدين أنها لم تعد مجرد سلوك ناتج عن الفقر أو الحاجة المادية، بل أصبحت انعكاسًا لمجموعة من الاضطرابات النفسية والاجتماعية العميقة التي تضرب بنية الأسرة والمجتمع معًا.
وأوضحت آية ناصر أخصائية علم النفس أن الأطفال المتسولين تحديدًا يعيشون تحت ضغوط نفسية شديدة، تدفعهم إلى البحث عن أي وسيلة لجذب الانتباه أو الحصول على القبول المجتمعي، بعد أن فقدوا الإحساس بالأمان داخل أسرهم.
وأشارت الأخصائية إلى أن البيئة الأسرية المضطربة، والعنف الأسري، والتفكك العائلي، تسهم في خلق جيل يعاني من اضطرابات في النمو النفسي، وضعف في الثقة بالنفس، وشعور دائم بالانفصال عن الآخرين.
وأضافت أن التسول في كثير من الحالات لا يُمثّل فقط حالة مادية طارئة، بل هو تعبير عن رُهاب الفقر والنبذ الاجتماعي، حيث يشعر المتسول بأنه غير مرئي أو غير منتمي، ما يدفعه للتمسك بأي وسيلة تضمن له البقاء، حتى وإن كانت مهينة أو غير قانونية.
ودعت إلى ضرورة التعامل مع الظاهرة من منظور نفسي شامل، من خلال إنشاء برامج علاجية وتوعوية تستهدف الأطفال والأسر المعرضة للخطر، وتقديم جلسات دعم نفسي مباشر، إضافة إلى تعزيز دور المدارس ودور الرعاية في احتواء هذه الفئات بدلًا من تركها فريسة للشارع أو لعصابات الاستغلال.
وأكدت أخصائية علم النفس أن الحل لا يقتصر على الملاحقة الأمنية فقط، بل يحتاج إلى تدخل مجتمعي متكامل يشارك فيه القطاع الصحي والتعليمي والاجتماعي، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني، لإعادة تأهيل هؤلاء الأطفال والمتسولين نفسيًا وسلوكيًا، وبناء شعور حقيقي بالأمان والانتماء.
قانون التسول بحاجة إلى تحديث شامل يواكب الواقع الحالي
بدوره أكد المحامي أحمد شرف، في تصريح خاص ل "إيجبتك "، أن ظاهرة التسول في مصر لم تعد مجرد سلوك فردي، بل تحولت إلى "نمط منظم " يستغل الفقر والحاجة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، ما يستدعي مراجعة عاجلة وشاملة للإطار القانوني المنظّم لها.
وقال شرف إن القانون رقم 49 لسنة 1933 الخاص بمكافحة التسول لا يزال هو المرجع التشريعي الأساسي حتى اليوم، رغم أنه صدر في سياق اجتماعي واقتصادي مختلف تمامًا عن الواقع الحالي، موضحًا أن هذا القانون ينص في مادته الأولى على معاقبة كل شخص صحيح البنية يبلغ من العمر 15 عامًا أو أكثر، إذا وُجد متسولًا في الطريق العام، بعقوبة الحبس مدة لا تتجاوز شهرين.
وأضاف أن العقوبة تُشدد إلى ثلاثة أشهر إذا استُخدمت وسائل خداع أو استُغلت العاهات، أو الجروح لاستدرار الشفقة، أو في حال حمل أشياء لا يُثبت مصدرها.
وأشار إلى أن القانون يتضمن أيضًا نصوصًا خاصة باستغلال الأطفال، إذ يعاقب كل من يُغري طفلًا دون الثامنة عشرة على التسول بالحبس حتى ثلاثة أشهر، وتصل العقوبة إلى ستة أشهر إذا كان الجاني وليًّا على الطفل أو مسؤولًا عنه.
وأوضح الخبير القانوني أن هناك مشروعات قوانين جديدة مطروحة أمام مجلس النواب، تهدف إلى تغليظ العقوبة ووضع تعريف أكثر دقة للتسول، بحيث تشمل النصوص القانونية كل أشكال الاستغلال، مؤكدًا أن مشروع قانون "مكافحة التسول والتشرد" الذي يجري بحثه حاليًا يسعى إلى تحقيق توازن بين الردع القانوني والرعاية الاجتماعية، لضمان عدم معاقبة الفقراء لمجرد فقرهم، بل ملاحقة القائمين على استغلالهم.
وأضاف أن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل في 2023 يضمن حماية الأطفال من جميع أشكال الإهمال والاستغلال، بما فيها التسول، ويعاقب كل من يعرّض الطفل للخطر أو يدفعه لهذا المسار.
ووفقًا لحديثه أيضًا فإن التطبيق العملي للقانون ما زال يعاني من قصور، بسبب ضعف آليات الرقابة وصعوبة إثبات الجريمة، خصوصًا في ظل وجود شبكات خفية تُدير عمليات التسول وتُعيد توزيع العائدات المالية.
وشدد المحامي أحمد شرف على أن مكافحة الظاهرة تتطلب منظومة تشريعية متكاملة، تشمل تغليظ العقوبة على من يستغل الأطفال أو يدير مجموعات للتسول، إلى جانب تفعيل برامج التأهيل النفسي والاجتماعي، بحيث لا يقتصر الرد على العقاب فقط، بل يمتد إلى الإصلاح والرعاية.

واختتم تصريحه قائلًا: "القانون يجب أن يواكب التغير الاجتماعي، فالتسول اليوم لم يعد مجرد طلب إحسان، بل نشاط منظم يضر بالأمن والاقتصاد والقيم المجتمعية، ويجب أن يواجه بتشريعات عادلة وحاسمة".
حكم الشرع في التسول
وأجاب الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، على سؤال من "إيجبتك " بخصوص هذه الظاهرة، وحكم التسول، ليؤكد أنه سلوك مرفوض دينيًا وأخلاقيًا، ويسيء إلى صورة المجتمع، ويشوه مظهره العام، مشيرا إلى أن الإسلام حثّ على حفظ الكرامة الإنسانية وصون النفس عن الابتذال والإهانة.
وقال أمين الفتوي: "النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يذلّ المؤمن نفسه، مستشهدًا بحديثه الشريف، الذي رواه الإمام الترمذي ويقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَه".
كما ورد التحذير في حديث آخر: "مَا يزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ" (متفق عليه).
وشدّد على أن التسول لا يُمثل فقط أكلًا لأموال الناس بالباطل، بل هو امتهان للكرامة التي خصّ الله بها الإنسان، لقوله تعالى:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء:70].
وأضاف أمين الفتوي أن الإسلام حرّم المسألة على من يملك ما يُغنيه عنها، معتبرًا أن من يُظهر الفاقة كذبًا ليحصل على المال “يقبضه من غير رضا صاحبه”، مستشهدةً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ " (رواه مسلم).
وأكد أن الإسلام دعا إلى العمل والإنتاج الشريف، وجعل من كسب اليد خير الرزق، في قوله عليه الصلاة والسلام ":مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ " (رواه البخاري).
وأتمّ بالتأكيد على أن من كان في ضيق أو حاجة حقيقية فعليه التوجّه إلى الجهات الرسمية المختصة بوزارة التضامن الاجتماعي أو الجمعيات الموثوقة، لا أن يتخذ التسول وسيلة للكسب، محذرًا المواطنين من تشجيع المتسولين بالتصدق عليهم في الشوارع، داعيًا إلى "التصدق المنظَّم عبر القنوات الشرعية حتى لا يكون المال وسيلة لتغذية الاستغلال أو العصابات التي تتخذ من التسول حرفة ".