رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حدود النار المشتعلة بين كابول وإسلام آباد: أفغانستان تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الباكستانية

عناصر حركة طالبان
عناصر حركة طالبان الباكستانية- أرشيفية

تجددت التوترات مرة أخرى بين أفغانستان وباكستان، وذلك على خلفية الاتهامات المستمرة من جانب إسلام اباد لكابول بتوفير ملاذات للحركات الإرهابية، خاصة حركة "طالبان باكستان" (TTP)، التي تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن الأراضي الباكستانية، وقد سبق لإسلام آباد مطالبة كابول بعدم توفير حواضن للجماعات المتمردة التي تنفذ عمليات ضد قوات الجيش الباكستاني، وهو الأمر الذي تنفيه طالبان الأفغانية باستمرار.

ووفق تقارير أفغانية، فقد شنت باكستان غارات جوية على أهداف في كابول وولاية بكتيكا، وأصدرت وزارة الدفاع في حكومة طالبان الأفغانية بيانًا أكدت فيه الغارة الجوية الباكستانية على كابول وولاية باكتيكا، ووصفت الهجوم بـ"أنه عمل غير مسبوق وعنيف وشنيع" في تاريخ أفغانستان وباكستان، معتبراً الغارة انتهاكًا للمجال الجوي الأفغاني ، والتأكيد على الحق في الدفاع عن المجال الجوي".

عناصر الجيش الباكستاني- أرشيفية 
عناصر الجيش الباكستاني- أرشيفية 

وشهدت الساعات الماضية اشتباكات عبر الحدود، أرجعتها الحكومة الباكستانية، إلى إطلاق القوات الأفغانية إلى إطلاق النار دون مبرر على مواقع متعددة على طول الحدود الباكستانية الأفغانية، مما دفع الجيش الباكستاني إلى الرد بقوة وفوريًا، وأن مواقع الحدود المتأهبة التابعة للجيش الباكستاني ردت بكامل قوتها، واشتبكت مع المواقع المهاجمة بشكل فعال، ما أدى إلى تدمير العديد من هذه المواقع.

وتأتي هذه التوترات في الوقت الذي تتزايد فيه الهجمات الإرهابية في المناطق الحدودية، خاصة مقاطعتي خيبر بختونخوا وبلوشستان الحدوديتين منذ عودة طالبان إلى حكم أفغانستان في 2021 ، حيث تتقاسم الدولتان حدودا  تمتد على مسافة 2500 كيلومتر تقريبا مع العديد من نقاط العبور التي لها أهمية كعنصر أساسي في التجارة الإقليمية، ما يدفع إسلام آباد للتحرك لحماية هذه الحدود من الجماعات المتمردة.

اتهامات متجددة.. وتوتر متصاعد

ليست المرة الأولى التي تهاجم فيها الحكومة الباكستانية حكومة طالبان الأفغانية بسبب الدعم للحركات الإرهابية والجماعات المسلحة، وشنت باكستان غارات جوية في ديسمبر 2024 على مقاطعتي خوست وبكتيكا في أفغانستان، مستهدفة معاقل يشتبه في أنها تابعة لحركة طالبان الباكستانية، وجاءت هذه الخطوة من جانب باكستان لإرسال رسائل بردود حاسمة خال استمرار تقديم الدعم لحركة طالبان الباكستانية "تحريك طالبان".

وجاءت التطورات الأخيرة بعدما أعلن مسؤولون أمنيون باكستانيون أن 11 جنديًا باكستانيا لقوا حتفهم، وأن الغارة الجوية في كابول استهدفت سيارة يستخدمها زعيم حركة طالبان باكستان نور والي محسود"، دون أن تتوفر تأكيدات بشأنه مصيره وما إذا كان قد نجا، وشددت إسلام أباد على أن "صبرها على كابول بدأ ينفد، دون أن تعترف أو تنفي تنفيذ الهجمات الجوية".

وحذر وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف من تدهور العلاقات مع أفغانستان، محذرًا من أن البيئة الحالية قد تؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات الثنائية، وهو أمر لا ترغب فيه باكستان، مشيرًا إلى أن  العلاقات مع أفغانستان لم تكن مثالية أبدًا، مضيفًا أن الإرهاب يتم تصديره من الأراضي الأفغانية إلى باكستان، داعيا أفغانستان إلى التعاون لمعالجة الإرهاب عبر الحدود، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن باكستان تريد علاقات قائمة على الاحترام والكرامة.

القوات العسكرية لحركة طالبان
القوات العسكرية لحركة طالبان

وفي رده على أسئلة الصحفيين بشأن الغارات الباكستانية، قال المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف شودري، إننا سنفعل كل ما هو ضروري" لحماية أمن باكستان وسلامة أراضيها، مشددًا على أن الهند تستخدم أفغانستان كقاعدة لتنفيذ هجمات إرهابية داخل باكستان، مشيرًا إلى أن باكستان تواصلت مع أفغانستان من خلال قنوات متعددة، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر وتركيا والإمارات العربية المتحدة، قبل وبعد اتفاق الدوحة، وتم حث الحكومة الأفغانية على "إغلاق الحدود" ومنع استخدام أراضيها لشن هجمات على باكستان.

وفي رده على الغارات الباكستانية، قال أمير خان متقي، وزير خارجية طالبان: "نعتبر هذا الإجراء الباكستاني خاطئًا. لا يمكن حل المشاكل بهذه الطريقة، ولا ينبغي اختبار شجاعة الأفغان. إذا أراد أحدٌ فعل ذلك، فعليه أن يطلب من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أن يشرحوا له أن اللعب مع أفغانستان ليس بالأمر الجيد، في إشارة إلى إمكانية التصعيد العسكري من جانب افغانستان.

عناصر مسلحة تابعة لحركة طالبان - أرشيفية 
عناصر مسلحة تابعة لحركة طالبان - أرشيفية 

"طالبان باكستان" ..  كلمة السر في تنامي الصراع

تلعب حركة طالبان باكستان "تحريك طالبان" (TTP) دورًا محوريًا في الخلافات والتوترات المتجددة بين كابول وإسلام آباد، في ظل وجود عناصر من الحركة المناوئة للحكومة الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية، و تتهم باكستان طالبان بإيواء قادة الحركة التي وتتمثل أهدافها المعلنة في القضاء على نفوذ إسلام آباد في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية وإقليم خيبر بختونخوا المجاور في باكستان، وتطبيق تفسير متشدد للشريعة الإسلامية في جميع أنحاء باكستان.

عناصر حركة طالبان الباكستانية- أرشيفية 
عناصر حركة طالبان الباكستانية- أرشيفية 

ويعلن قادة حركة طالبان باكستان أن الجماعة تسعى إلى إقامة خلافة إسلامية في باكستان، وهو ما يتطلب الإطاحة بالحكومة الباكستانية، وترتبط الحركة تاريخيًا بكبار قادة تنظيم "القاعدة"، وقد أدرجت الحركة في  يوليو 2011 في قائمة العقوبات على تنظيمي "داعش" و "القاعدة" باعتبارها مرتبطة بتنظيم القاعدة، وذلك لمشاركتها في تمويل أو تخطيط أو تسهيل أو إعداد أو ارتكاب أعمال أو أنشطة أو توريد أو بيع أو نقل الأسلحة والمواد ذات الصلة أو التجنيد لصالح تنظيم القاعدة.

وتتسبب الحركة في مناوشات مستمرة بين أفغانستان وباكستان عبر الحدود، وذلك نظرًا لإتاحة المساحة لها من جانب حكومة طالبان الأفغانية لاستخدام أراضي أفغانستان كمناطق غيواء أو عبور، وتعتبر الحكومة الباكستانية أن نشاط الحركة المناوئة لها هو نقطة الخلاف الوحيدة بين البلدين، وهو ما أكده عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني لوسائل الإعلام في يناير الماضي، موضحًا أن نقاط الخلاف الوحيدة بين باكستان وأفغانستان، هي وجود جماعة طالبان الباكستانية المحظورة في الأراضي الأفغانية والهجمات عبر الحدود.

عناصر الجيش الباكستاني- أرشيفية 
عناصر الجيش الباكستاني- أرشيفية 

الجنرال الباكستاني أشار أيضًا إلى أنه يجب على الجميع الوقوف صفًا واحدًا ضد الإرهاب دون تمييز أو تحيز، فالسياسة لا تُمارس إلا بوجود الدولة. وأضاف: "إن لم تكن هناك دولة، فلا وجود لأي شيء"، موضحًا أن القيادة السياسية في البلاد طلبت من كبار القادة العسكريين التعاون مع أفغانستان لمعالجة مشاكل الأمن الداخلي في باكستان، والوضع سيتحسن إذا عمل الجميع معًا وتعاونوا.

ورغم محاولات الاحتواء من جانب الحكومة الباكستانية لاحتواء الحركة المتمردة إلا إنها باءت بالفشل، وهكذا وجدت إسلام آباد نفسها أمام معادلة معقدة، فهي من جهة تحتاج إلى علاقات مستقرة مع كابول لأسباب جيوسياسية واقتصادية، ومن جهة أخرى ترى أن صعود طالبان الأفغانية قد منح طالبان الباكستانية مظلة أيديولوجية جديدة أعادت إحياء التهديد داخل أراضيها. 

ونفّذ الجيش الباكستاني عمليات متعددة للقضاء على الحركة وتمكّن من دفع بعض قادتها إلى أفغانستان، و بعد عودة طالبان الأفغانية إلى كابول أواخر عام 2021، أملت باكستان في استخدام نفوذها التاريخي على الحكام الأفغان الجدد لاحتواء طالبان الباكستانية، لكن ازدادت الهجمات، وكان عام 2023 من أكثر الأعوام دموية في تاريخ باكستان الحديث، إذ شهد أكثر من 650 هجومًا في جميع أنحاء البلاد، أسفرت عن مقتل ما يقرب من ألف شخص، معظمهم من عناصر أجهزة إنفاذ القانون والجيش. وتبنت حركة طالبان الباكستانية، إلى جانب جماعات مسلحة أخرى أقل شهرة نسبيًا، معظم الهجمات على أفراد الأمن.

ختامًا

يبقى استمرار حركة طالبان باكستان "تحريك طالبان" (TTP) في تنفيذ هجمات ضد الجيش الباكستاني انطلاقًا من الأراضي الأفغانية مهددا للعلاقة بين باكستان وأفغانستان، خاصة في ظل وجود قيادات الحركة على الأراضي الأفغانية وتنفيذ هجمات عبر الحدود المشتركة، وذلك في الوقت الذي كانت تأمل فيه الحكومة الباكستانية بمساعدة طالبان الأفغانية في احتواء الحركة المتمردة، وهو مالم يتحقق ولم تتحقق أيضًا مناشدات اسلام آباد بعدم استخدام الأراضي الأفغانية لتنفيذ هجمات ضدها.

وما يرشح الأمور للتصعيد هو لجوء باكستان إلى تنفيذ غارات على مقرات للحركة أو استهدفت قياداتها على الأراضي الأفغانية، وهو ما تعتبره حكومة أفغانستان انتهاكا للسيادة، وهو ما سيزيد من التوترات والمناوشات عبر الحدود والاستهداف المتبادل للمناطق الحدودية، لكن من المستبعد أن يتحول هذا التوتر أو التصعيد الوقتي إلى مواجهة مفتوحة، لكنه في الوقت نفسه سيؤدي إلى المزيد من انعدام الأمن في المناطق الحدودية وتصاعد الكراهية بين شعبي الجارتين، ما يتطلب تحركًا من جانب الحكومة الأفغانية لعدم استخدام الجماعات المتطرفة لأراضيها ضد الجوار، وهو مطلب يتكرر من روسيا والصين والمجتمع الدولي بشكل عام، حيث حذر مجلس الأمن الدولي في تقريره الصادر في فبراير 2024 من أن استمرار نشاط حركة طالبان باكستان يشكّل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، داعيا الحكومة الأفغانية إلى منع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيها.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء