في ذكرى رحيله.. وديع الصافي رمز المدرسة الصادقة في الغناء العربي
وديع الصافي أحد أعذب وأصدق الأصوات التي عرفتها الموسيقى الشرقية، في مثل هذا اليوم من عام 2013، خسر العالم العربي هذا العملاق، لكن صوته ظلّ حيًّا، يطلّ من ذاكرة الطرب الأصيل كأرزةٍ لا تنحني، تشهد على زمنٍ كانت فيه الأغنية صلاةً للوطن، والعشق لحنًا لا يموت.
وُلد وديع بشارة يوسف فرنسيس في الأول من نوفمبر عام 1921، بقرية نيحا الشوف اللبنانية، لأسرة متواضعة يعيلها والده الذي كان رقيبًا في الدرك، ومنذ صغره، كان الصافي يحمل في صوته وجع الجبل وحنين القرية، يغني للريح والقمح والوديان كأنها جزءٌ من روحه، في طفولته التحق بمدرسة دير المخلّص الكاثوليكية، وهناك كان المنشد الأوّل، قبل أن يطغى عليه عشق الموسيقى فيغادر المدرسة ليبدأ مشواره مع الفن.
في السادسة عشرة من عمره، كانت الشرارة التي غيّرت مسار حياته، شارك في مسابقة غنائية نظمتها الإذاعة اللبنانية عام 1938، ففاز بالمركز الأول غناءً ولحنًا وعزفًا بين أربعين متسابقًا، هناك اختارت له اللجنة اسمه الفني: وديع الصافي، لما في صوته من صفاءٍ ونقاء، ومنذ تلك اللحظة، وُلد “صوت لبنان الصافي” الذي سيصبح لاحقًا رمزًا للأغنية اللبنانية الحديثة.
تتلمذ الصافي في بداياته على أيدي موسيقيين كبار مثل ميشال خياط وسليم الحلو في إذاعة الشرق الأدنى، التي كانت بمثابة معهدٍ موسيقي حقيقي. ومع نهاية الخمسينيات، شارك في نهضة الأغنية اللبنانية إلى جانب الأخوين رحباني وفيلمون وهبي وزكي ناصيف وتوفيق الباشا، فكانوا معًا نواة “مدرسة بعلبك” التي منحت الأغنية اللبنانية هويتها الخاصة المستمدة من الفولكلور والجبل والإنسان.
غنّى وديع الصافي مئات الأغاني، معظمها من ألحانه، وجعل من صوته مسرحًا للحب والحنين، بين أشهر أغانيه التي لا تزال تتردد حتى اليوم:
«لبنان يا قطعة سما»، «عظيمة يا مصر»، «على رمش عيونها»، «يا دار قوليلي يا دار»، «طلّ الصباح وتكتك العصفور».
حتى إنّ محمد عبد الوهاب وصفه قائلًا: «من غير المعقول أن يملك أحد هكذا صوت».
ومع اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976، غادر الصافي بلاده إلى مصر ثم إلى باريس، لكنه لم يغنِّ إلا للبنان، ولم يحمل في قلبه سوى الحنين لترابه، وفي عام 1989 احتُفي به في المعهد العربي بباريس بمناسبة اليوبيل الذهبي لانطلاقته، كما نال خلال مسيرته الطويلة أرفع الأوسمة، منها وسام الأرز من الرئيس إميل لحود، ووسام الاستحقاق من سلطنة عمان عام 2007، إضافة إلى دكتوراه فخرية من جامعة الروح القدس في عام 1991.
ظلّ الصافي يغني رغم المرض والسنين، حتى بعد إجرائه عملية قلب مفتوح عام 1990. وفي كل مرة كان صوته يسبق عمره، كأن الحياة لا تزال تنتظره على المسرح.
وفي يوم 11 أكتوبر 2013، توقّف القلب الكبير عن الخفقان إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، ليرحل وديع الصافي عن عمر ناهز 92 عامًا، ودُفن في مسقط رأسه نيحا الشوف، في جنازة وطنية وشعبية شارك فيها الفنانون والسياسيون من لبنان والعالم العربي.
رحل الجسد، لكن بقي الصوت.. صوتٌ يشبه لبنان حين كانت تغني للحياة