رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مغامرة داخل عالم «المعالج الروحاني».. دجل إلكتروني بلمسة عصرية

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

هكذا حاولت استعادة خطيبي بـ400 جنيه فقط!

“ما اسمك واسم والدتك؟”.. الخطوة الأولى في طريق الوهم

القانون يتحدث: الشعوذة جريمة نصب مغلّفة بطابع ديني

خبيرة نفسية: الدجالون يستغلون الضعف العاطفي واليأس النفسي

الدكتور أحمد كريمة يحسم الجدل: العلاج بالطاقة “وهم وشعوذة”

خبراء يحذرون: مواجهة الدجل الإلكتروني تبدأ من الوعي لا من القانون فقط

في زمنٍ تُدار فيه الحياة بضغطة زر، وتتحكم التكنولوجيا في تفاصيل يومنا من الاستيقاظ حتى النوم، لا يزال هناك من يبحث عن الحل في بخورٍ يتصاعد من ركن مظلم، أو في همساتٍ تُقال خلف شاشة هاتف محمول.

عالمٌ موازٍ ازدهر على الإنترنت، يجمع بين السحر والخرافة والتكنولوجيا، يُسمى اليوم «العلاج الروحاني الإلكتروني».. تجارة مربحة يختلط فيها الدين بالوهم، والعلم بالاحتيال، والاحتياج الإنساني بالطمع البشري.

على صفحات «فيسبوك» و«تيك توك» و«واتساب»، تنتشر مئات الحسابات التي تحمل أسماءً مثيرة مثل: الشيخ الروحاني الكبير، المعالج بالطاقة الإلهية، خبير رد المطلقة، فك السحر خلال 24 ساعة!

صور رجال يرتدون الجلابيب البيضاء، وآيات قرآنية مزخرفة، وتعليقات من متابعين يزعمون أن حياتهم تغيّرت بعد “جلسة كشف روحاني” أو “تحصين شرعي” عبر الهاتف.

لكن خلف هذه العناوين البراقة تختبئ تجارة مربحة تستغل حاجة الناس للحب، والشفاء، والأمل… وتحوّل الألم الإنساني إلى حساب بنكي ينتفخ كل يوم.

تُقدّر بعض الدراسات أن المصريين ينفقون ما يقارب 10 مليارات جنيه سنويًا على خدمات الدجل والشعوذة، سواء في جلسات حقيقية أو عبر الإنترنت، في وقتٍ تتسع فيه فجوة الوعي وتضعف الثقة بين الإنسان والعلم.

ورغم التحذيرات القانونية والدينية، فإن صفحات “المعالجين الروحانيين” تواصل الانتشار كالنار في الهشيم، مستغلة ضعف النفوس والأزمات العاطفية والنفسية، لتبيع الوهم تحت شعار “العلاج بالإيمان” أو “رد الحبيب بالقرآن”.

في مغامرة خاصة لموقع «إيچبتك»، قررتُ أن أخوض التجربة بنفسي، متظاهرة بأنني فتاة فقدت خطيبها وأرغب في استعادته، لأكشف كيف يعمل هؤلاء، وكيف تُدار هذه المنظومة المجهولة التي تجمع بين “الدين والتجارة والخداع”.

رسالة واحدة فقط كانت كافية لأبدأ رحلتي في هذا العالم الغامض: “خطيبي سابني وعايزة أرجع له.. ممكن تساعدني يا شيخ؟”

ومن هنا… بدأت الحكاية

وجاء الرد فورًا: ما اسمك واسم والدتك؟ حولي 400 جنيه على الرقم ده، وبعد الكشف الروحاني هيرجعلك خطيبك خلال 24 ساعة و لم أقم بالتحويل، لكنني واصلت الحديث لاختبار صدقه.

قال لي: لو اتأخرتي في التحويل الحالة هتتعقد أكتر و في دقائق معدودة تحوّلت مشكلتي المفترضة إلى سحر تفريق، والحل دائمًا واحد: المال.

 

الدجل يرتدي ثوب العصر

تجربتي كشفت سهولة وقوع كثيرين في فخ “المعالجين الإلكترونيين”، خصوصًا من يعيشون أزمات نفسية أو عاطفية و يكفي أن تكتب اسمك واسم والدتك لتبدأ رحلة الاستنزاف المالي والعاطفي تحت مسميات مثل“الكشف الروحاني” – “فك الربط” – “تحصين العلاقات”.

دراسات اجتماعية حديثة تشير إلى أن المصريين ينفقون ما يقارب 10 مليارات جنيه سنويًا على خدمات الدجل والشعوذة، سواء على أرض الواقع أو عبر الإنترنت.

“م.س”: صدّقته في لحظة ضعف

تروي م.س، فتاة في بداية العشرينيات، لـ”إيچبتك”: كنت مدمّرة نفسيًا بعد أن تركني خطيبي دون إنذار. وجدت إعلانًا لشخص يدّعي أنه معالج روحاني قادر على رد الحبيب خلال أيام، فتواصلت معه.

بدأ بطلب 300 جنيه لـ”مستلزمات روحانية”، ثم توالت الطلبات بحجة “قوة السحر” و تقول في لحظة ضعف صدقته، وكنت متمسكة بأي أمل حتى لو كان زائفًا.”

 

الاحتيال تحت عباءة “الروحانيات”

هذه الحكايات تتكرر يوميًا وخلف كل حساب إلكتروني يبيع الوهم، ضحايا يدفعون أموالهم ومشاعرهم لمن يستغل ضعفهم النفسي باسم الدين أو الطاقة أو “الروحانيات”.

 

“خدعني بالأمل الكاذب”.. حكاية آسيا محمود

خدعني بالأمل الكاذب".. آسيا تحكي قصتها مع أحد من ادّعوا أنهم معالجون روحانيون بعد زواج زوجها من أخرى.

في مجتمع لا يزال بعض أفراده يصدقون "الروحانيات" كحلّ سريع للمشاكل الاجتماعية والأسرية، تقع نساء كثيرات ضحية استغلال من يزعمون امتلاكهم "قدرات خارقة" على تغيير المصير، مقابل مبالغ مالية قد تكون باهظة.

آسيا محمود، سيدة في الثلاثين من عمرها، واحدة من هؤلاء اللاتي لجأن إلى من أطلق على نفسه لقب "معالج روحاني"، بعدما واجهت صدمة نفسية كبيرة بسبب زواج زوجها من امرأة أخرى.

تحكي آسيا قصتها بمرارة قائلة: "فوجئت بأن زوجي تزوج عليّ بعد سنوات طويلة من الحياة المشتركة. شعرت بالقهر والخذلان، ولم أجد من يُساندني أو يُخفف عني و أصبحت أتخبط بين المشاعر السلبية، وبدأت أبحث عن حل يعيد لي استقرار حياتي."

وأكدت آسيا أنه أثناء تصفحها لمواقع التواصل الاجتماعي، وجدت إعلانًا لشخص يُلقب نفسه بـ‘الشيخ فلان’، يقول فيه إنه متخصص في حل الخلافات الزوجية وربط الزوج ومنع زواجه من أخرى، وظنت أنها وجدت ضالتها، فتواصلت معه على الفور.

تقول آسيا إنه استمع لها، وطلب منها بياناتها الشخصية، مثل اسمها واسم والدتها وتاريخ ميلادها، بحجة إجراء "كشف روحاني" عن حالتها و  قال لها إن طاقة حسد وسحر تفصل بينها وبين زوجها، وأنه يستطيع أن يعالج ذلك خلال أيام قليلة، ولكن يجب أن تشتري بعض 'المستلزمات الروحانية' مثل البخور والأحجار والأعشاب الخاصة، بتكلفة تصل إلى 1000 جنيه، وأكد أن هذه الأمور ضرورية لإتمام العمل.

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

وفي لحظة ضعف، دفعت آسيا المبلغ على أمل أن تنتهي معاناتها. لكنها لم تحصل على شيء سوى وعود زائفة وكلما مرّ يوم، كان يخبرها أن هناك عوائق جديدة تحتاج إلى طقوس أخرى، وكل مرة يطلب مبلغًا إضافيًا وبدأت تشك، لكنها كانت تعيش حالة من التعلق الكاذب بالأمل، فلم تتوقف إلا بعد أن فقدت أكثر من المال، فقدت راحتها وثقتها بنفسها.

استغلال المشاعر تحت عباءة "الروحانيات"

قصة آسيا ليست حالة فردية، بل هي نموذج يتكرر كثيرًا، حيث يلجأ البعض، في لحظة ضعف، إلى من يزعمون أنهم يملكون مفاتيح الحل عبر "أعمال روحانية"، وهم في الحقيقة مجرد محتالين يستغلون آلام الآخرين.

ويحذر الخبراء من الانسياق وراء هذه الأساليب، مؤكدين أن الحلول السحرية لا وجود لها، وأن المشكلات الأسرية يجب التعامل معها بالعقل والحوار، أو من خلال متخصصين نفسيين واجتماعيين، لا عبر من يستغلون الجهل أو الحاجة أو الألم النفسي.

 

رسالة من آسيا لكل سيدة تمر بأزمة

"أنصح كل سيدة ألا تثق في أي شخص يدّعي امتلاك قوى خارقة أو قدرات روحانية. لا تضيعي وقتك ومالك، ولا تسمحي لأحد أن يتاجر بمشاعرك و  الحل يبدأ من نفسك، من قوتك، ومن دعم حقيقي ممن حولك أو من متخصصين أمناء.

 

القانون يتحدث

ويرى جمال محمود عرفة، المحامي بالنقض والإدارية العليا والمنسق التنفيذي لمنتدى الجنوب القانوني، أن ممارسة الدجل والشعوذة تدخل تحت طائلة القانون باعتبارها من صور النصب والاحتيال، خصوصًا عندما يتم استغلال حاجات الناس النفسية أو العاطفية أو المرضية، مقابل مبالغ مالية، دون أي أساس علمي أو طبي.

جمال محمود عرفة – المحامي بالنقض والإدارية العليا
جمال محمود عرفة – المحامي بالنقض والإدارية العليا

وأوضح عرفة في تصرحات لـ إيجبتك، أن القانون المصري لم يستخدم لفظ "الدجل" أو "الشعوذة" بشكل مباشر، لكنه عالج هذه الأفعال تحت مواد النصب والاحتيال في قانون العقوبات، وتحديدًا المادة 336 عقوبات، التي تُجرم الاستيلاء على مال الغير بطريق الاحتيال أو باستخدام وسائل توهم بوجود مشروع كاذب أو واقعة غير صحيحة.

كما أشار إلى أن بعض هذه الأفعال قد تندرج أيضًا تحت بند ممارسة مهنة بدون ترخيص، وخاصة عندما يدّعي البعض القدرة على العلاج أو التدخل في الصحة النفسية أو الجسدية دون صفة قانونية أو ترخيص من الجهات المختصة.

وأضاف جمال، أن ما يسمى بالعلاج الروحاني أو رد المطلقة أو فك السحر يدخل في نطاق الجرائم المجتمعية الخطيرة، لأنها تؤثر على وعي المواطن، وتنشر الجهل، وتفتح الباب للنصب العابر للمنصات الإلكترونية.

ودعا عرفة إلى تشديد الرقابة الإلكترونية على الصفحات التي تروج لمثل هذه الخدمات، وتفعيل دور النيابة العامة في تتبع أصحابها، مؤكدًا أن الردع القانوني وحده لا يكفي، بل يجب أن يصاحبه توعية مجتمعية وثقافية تكشف خطورة هذه الظواهر على الفرد والأسرة والمجتمع ككل.


التحليل النفسي.. لماذا نصدق الخرافة؟

تقول الدكتورة سوسن فايد، أستاذة علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن اللجوء إلى الدجالين ناتج عن ضعف الدعم النفسي وفقدان الإحساس بالأمان الداخلي.

 

الدكتورة سوسن فايد
الدكتورة سوسن فايد

وتؤكد أن هؤلاء “المعالجين” يستغلون مشاعر العزلة واليأس مستخدمين لغة دينية وروحانية مضللة لإقناع الناس بأنهم يملكون الحل السحري.

رأي الأزهر: السحر كفر والعلاج بالطاقة وهم

ويؤكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف، أن الدجل والشعوذة ظاهرتان قديمتان، تعود جذورهما إلى عصور بعيدة، ولا يخلو مجتمع بشري من وجود هذه الممارسات بشكل أو بآخر، موضحًا أنها تتجدد مع الزمن وتأخذ أشكالًا حديثة، مثل "الدجل الإلكتروني" أو "العلاج بالطاقة".

الدكتور أحمد كريمة
الدكتور أحمد كريمة

وقال كريمة إن القرآن الكريم حذّر من هذه الممارسات، مستشهدًا بقوله تعالى: «وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا»

ليؤكد أن الدعوة دائمًا يجب أن تكون إلى الحق والعلم، ومحاربة الباطل والخرافة.

حكم الاستعانة بالجن أو تعليم السحر

وأشار الدكتور كريمة إلى أن تعلم السحر أو تعليمه محرَّم شرعًا، والاستعانة بالجن أو محاولة استخدامهم في قضاء الحوائج أمر مرفوض في الشريعة الإسلامية، وقد يؤدي إلى الكفر إذا اقترن باستحلال ما حرّمه الله.

وأوضح أن بعض من يدّعون القدرة على العلاج أو كشف الغيب من خلال الجن أو "خدام الآيات" ما هم إلا دجالون يستخدمون الدين غطاءً للنصب والاحتيال.

 

العلاج بالطاقة.. وهم وشعوذة

وعن ما يُعرف بـ"العلاج بالطاقة"، قال كريمة إن هذا النوع من "العلاج" لا أصل له في الشريعة، ولا يستند إلى أي قاعدة علمية معترف بها، مشددًا على أن العلم لا يعترف بهذه الممارسات، وأنه لو كان لها أساس علمي حقيقي لما احتاج الناس إلى الأطباء والمستشفيات.

وأضاف أن الترويج للعلاج بالطاقة يدخل في باب الدجل والشعوذة، ويُعد تضليلًا للناس واستغلالًا لاحتياجاتهم النفسية أو الصحية، وهو أمر يجرّمه الدين ويحذّر منه العقل.

 

الرقية الشرعية.. دعاء لا علاج بديل

كما أوضح أن الرقية الشرعية في الإسلام هي مجرد دعاء وذكر لله، وهي مشروعة في إطارها الروحي، لكنها ليست علاجًا بديلاً عن الطب، ولا يجوز التعامل معها على أنها وسيلة للشفاء من جميع الأمراض.

وأكد كريمة أنه لا يصح استخدام الرقية كغطاء للدجل، أو ترويجها على أنها قادرة على علاج السحر والحسد والأمراض النفسية والعضوية دون اللجوء إلى أهل الاختصاص من الأطباء والمعالجين النفسيين.


دراسة حول انتشار الدجل والشعوذة في المجتمع المصري

تشير نتائج بحث ميداني أُجري من قبل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى تزايد ملحوظ في عدد الأفراد الذين يزعمون امتلاك قدرات خارقة لعلاج الأمراض، سواء عبر استحضار الأرواح أو إخراج "الجن" من جسد الإنسان وقد قُدّر عدد هؤلاء بما يزيد عن 300 ألف شخص داخل مصر.

كما أظهرت الدراسة أن هناك عددًا مماثلًا ممن يدّعون القدرة على العلاج باستخدام نصوص دينية من القرآن أو الإنجيل، تحت مسميات حديثة مثل "العلاج الروحاني" أو ما يُعرف مؤخرًا بـ "الدجل الإلكتروني"، خاصة من خلال منصات التواصل الاجتماعي.

وأبرزت البيانات أن الخرافات والمعتقدات غير العلمية لا تزال تحظى بانتشار واسع، حيث يُقدّر حجم ما ينفقه المواطنون على خدمات المشعوذين والدجالين بما يقرب من 10 مليارات جنيه سنويًا.

ومن اللافت للنظر أن هذه الظاهرة لا تقتصر على فئة غير المتعلمين فقط، بل تمتد لتشمل شرائح من ذوي التعليم العالي والثقافة الرفيعة، الذين يلجأ بعضهم إلى هؤلاء الدجالين في محاولات لحل مشكلاتهم الشخصية أو الصحية.

وتُقدّر الدراسات أن هناك دجالًا واحدًا لكل 240 مواطنًا تقريبًا، ما يعكس حجم الظاهرة وانتشارها في المجتمع، خصوصًا في ظل توسع الظاهرة عبر الإنترنت ووسائل الإعلام الرقمي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء