رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أزمة الترجمة في العالم العربي.. لماذا نقرأ أقل مما يُترجم إلينا؟

القراءة
القراءة

تبدو أزمة الترجمة في العالم العربي واحدة من أكثر القضايا الثقافية إلحاحًا، إذ لا تزال حركة الترجمة متعثّرة رغم ما يشهده العالم من طفرة معرفية غير مسبوقة. ويُفتح بذلك الباب أمام تساؤلات كبرى حول واقع الترجمة في وطننا العربي، ولماذا نتراجع في نقل المعارف والعلوم، وما تداعيات هذا التقاعس على وعينا وثقافتنا وهويتنا.
 

فالترجمة ليست مجرّد وسيلة لنقل المعرفة، بل هي جسر للتواصل الإنساني، ولغة للحوار بين الشعوب، تبني الجسور بين الثقافات وتفتح الأبواب أمام التفاهم والتقارب. ومن خلالها يسافر الإنسان في فضاءات الفكر والمعرفة من عالم إلى آخر. غياب هذا الجسر يعني ببساطة أننا نحكم على أنفسنا بالعزلة عن فكر العالم وعلومه وثقافاته، ونغلق النوافذ التي تطل منها الأمم على بعضها البعض. فكيف نبني تقدّمًا حقيقيًا ونحن لا نتابع ما توصّل إليه غيرنا؟ وكيف نُظهر صورتنا وثقافتنا الحقيقية للعالم إن لم نترجم نحن أيضًا ما نبدعه وننتجه فكريًا؟


 

ويتفق الكتّاب والنقّاد والمثقفون على أنّ العرب مقصّرون في مجال الترجمة، فحركتها ما تزال محدودة وغير مواكبة لمعدلات الإنتاج المعرفي في العالم، سواء من اللغات الأجنبية إلى العربية، أو من العربية إلى اللغات الأخرى. والمحصلة أننا نقرأ أقل بكثير مما يُترجم إلينا، ونُترجم أقل مما ينبغي أن نُعرّف به العالم عن فكرنا وأدبنا وتراثنا.
 

وفي هذا السياق يرى الشاعر والأكاديمي الدكتور محمد حجاج، عضو لجنة حماية اللغة العربية وإحياء التراث بجامعة القاهرة، أن أزمة الترجمة لا يمكن فصلها عن أزمة القراءة نفسها، موضحًا أن من أهم معوقات القراءة وانتشارها اليوم انشغال الشباب والمثقفين بالبحث عن لقمة العيش أكثر من انشغالهم بالمعرفة، فالحياة المعيشية الصعبة وغلاء الأسعار وارتفاع تكلفة الكتب والورق جعلت القراءة رفاهية لا يقدر عليها كثيرون.


 

وأضاف حجاج في حديثه لـ«إيجبتكِ» أن التسارع الزمني في التقنيات الحديثة خلق بدائل سهلة للقراءة، إذ أصبح كثير من الشباب يكتفي بمشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة التي تلخّص كتبًا كاملة، ما أضعف التعمق والفهم الحقيقي للنصوص، وأفقد القارئ صبره على القراءة الطويلة. وأشار إلى أن ضعف الحصيلة اللغوية لدى خريجي الجامعات فاقم من المشكلة، لأن اللغة العربية لم تعد متطلبًا أساسيًا في أغلب الكليات، مما جعل التواصل مع التراث العربي الأصيل محدودًا، وأبعد الشباب عن لغتهم التي تُعد مفتاح المعرفة والتفكير.
 

ويرى حجاج أن كثيرًا من الشباب صاروا يستسهلون القراءة في الروايات فقط، ويأخذون منها العلم والمعرفة، بينما يعزفون عن الكتب العلمية أو الفكرية التي تعب مؤلفوها عليها سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن المشهد الثقافي اليوم يشهد ازدحامًا في حفلات توقيع الروايات، مقابل غياب واضح للإقبال على اقتناء الكتب المتخصصة أو المعرفية.

 

ويؤكد أن الحل يبدأ من البيت، فالأب والأم مطالبان بترسيخ عادة القراءة في أبنائهما من خلال القدوة، وتنظيم مسابقات بسيطة تشجع الأطفال على القراءة والتلخيص، مثلما كان يحدث في البيوت المصرية والعربية القديمة. كما دعا إلى إعادة النظر في دور المدارس والجامعات بحيث لا يقتصر التعليم على المقررات الدراسية، بل يمتد إلى تشجيع الطلاب على القراءة الحرة والتدرّج في الاطلاع من الكتب السهلة إلى الموسوعية.

 

واختتم حجاج حديثه لـ«إيجبتكِ»بالتأكيد على أهمية إعادة إحياء مشروع مكتبة الأسرة وتوفير الكتب بأسعار في متناول الجميع، لأن الكتاب لم يعد سلعة ثقافية ميسّرة كما كان في السابق، بل أصبح بعيدًا عن يد القارئ العادي. فعودة الكتاب إلى البيت تعني عودة الوعي واللغة والاتصال بالثقافة الإنسانية.

 

وهكذا، تبدو أزمة الترجمة في العالم العربي انعكاسًا لأزمة القراءة والاهتمام بالمعرفة، وليست مجرد نقص في الجهود المؤسسية أو الإمكانات. فالترجمة، في جوهرها، فعل وعي وامتداد حضاري، وإذا أردنا أن نستعيد مكانتنا بين الأمم، فعلينا أن نعيد وصل ما انقطع بيننا وبين لغة العالم، وأن نترجم لا لنعرف فقط، بل لنُعرّف العالم بنا أيضًا

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء