بين الردع والتصعيد.. معضلة الدفاع الأوروبي أمام الحرب الروسية الهجينة
على مدار الأيام الماضية، اضطرت هيئة مراقبة الحركة الجوية الألمانية لتعليق حركة الطيران في البلاد كإجراء احترازي بعد رصد مسيرات مجهولة في الأجواء الألمانية، بينما اتهمت دول أوروبية أخرى منها بولندا وإستونيا ورومانيا وأوكرانيا، روسيا بأنها تخوض حربًا هجينةً تهدف لزعزعة الأمن الإقليمي، وهو ما تنفيه موسكو.
ودفعت هذه التطورات، بجانب الحرب الروسية الأوكرانية الجارية، قادة الدول الأوروبية لعقد اجتماع غير رسمي في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن لمناقشة أمن القارة العجوز ومواجهة الحرب الهجينة التي تشنها روسيا ضد الاتحاد، وناقش الاجتماع مقترح إقامة "حصن أوروبا" أي جدار ضد المسيرات يُغطي الأجواء الأوروبية، وهي فكرة طُرحت من أجل التعامل مع التهديدات التي تشكلها المنظومات الجوية غير المأهولة/ المسيرات، ولم يجرِ التوافق بشأنها حتى الآن.

وتكشف التطورات الأخيرة جانبًا من مشكلة الدفاعات الجوية لحلف شمال الأطلسي "ناتو" في أوروبا، في وقت تتصاعد فيه التهديدات لأمن القارة على وقع الحرب الروسية الأوكرانية التي تدفع حلف الناتو لتعزيز قواته في شرق أوروبا، وتكمن المشكلة الرئيسية للدفاعات الجوية في أنه يجب على الدول الأوروبية حماية مساحة واسعة من أراضيها ومجالها الجوي من تهديدات متنوعة تشمل المسيرات، والصواريخ الفرط صوتية والبالستية وعمليات الحرب الإلكترونية، وهذا باستخدام أصولها الدفاعية باهظة الثمن والموزعة في أكثر من دولة من الدول الأعضاء بالحلف.
وبجانب المشكلة السابقة، تواجه الدول الأوروبية مشكلة تتعلق بمخاطر التصعيد غير المحسوب ضد روسيا، وتفاوت القدرات والموارد المخصصة للدفاع في دول الحلف فضلا عن مشاكل التنسيق المشترك وهي مشاكل ذات طبيعة تنظيمية بالأساس، وبدا ذلك واضحًا في القمة الأخيرة التي عقدها الزعماء الأوروبيون في كوبنهاغن، التي شهدت تباينًا واضحًا في الآراء بين قادة الدول الأوروبية حول آلية التعامل مع تهديدات الحرب الروسية الهجينة.
ويتضح من مراجعة مواقف رؤساء ورؤساء حكومات الدول الأوروبية المشاركة في قمة كوبنهاغن أن القارة العجوز ما زالت تخشى التصعيد غير المحسوب أو القيام بعمل اعتراضي يؤدي مباشرة إلى مواجهة مع روسيا، التي نفى رئيسها فلاديمير بوتين قيام بلاده بشن عمليات ضد دول الاتحاد الأوروبي، قائلًا بسخرية: "إن الأوروبيين يخشون لعب أطفال- يقصد المسيرات- تطير فوق رؤوسهم، ولن أرسل شيئا إلى فرنسا أو ألمانيا.. وكل هذا من أجل رفع ميزانية الدفاع الأوروبية".
حرب هجينة.. اللعب على حافة التصعيد
وبطبيعة الحال فإن كلمات الرئيس فلاديمير بوتين الغامضة بشكل محدد هي جزء من العمليات النفسية التي تبرع فيها موسكو ضد خصومها، وفي المقابل فإن بعض قادة الدول الأوروبية، منهم رئيسة وزراء الدنمارك ووزير دفاعها، اتهموا موسكو صراحةً بأنها تقود حملة متعددة الأدوات تشمل اختراقا جويا، وتخريبا بحريا، وهجمات إلكترونية، وعمليات دعائية تضليلية ضد أوروبا.
ويقصد بالحرب الهجينة: الحرب التي تجمع بين التكتيكات والوسائل التقليدية وغير التقليدية مثل العمليات العسكرية المباشرة، والحرب السيبرانية، والتضليل الإعلامي والدعائي، وعمليات الضغط السياسي.. إلخ، وهذا النوع من الحروب هو نوع من الحروب غير التقليدية، ويرجع تاريخ استخدام المصطلح إلى العام 2007، حين نشر الباحث الأمريكي في الشؤون الدفاعية فرانك هوفمان، دراسة تحلل الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق تناول فيها تآكل الحدود التقليدية المفرقة بين العمليات العسكرية النظامية وغير النظامية والفاعلين المنخرطين فيها.
ويهدف الطرف الذي يشن الحرب الهجينة إلى تجنب نقاط قوة خصمه والعمل على إضعافه عبر الوسائل المختلفة، ويمكن من هذه الجزئية ملاحظة أن الحروب الهجينة نوع من الحروب اللاتناظرية (غير التقليدية) التي يشنها، غالبًا طرف ضعيف ضد خصم أقوى، ومع ذلك فليست الحروب اللاتناظرية حكرًا على الخصوم الأضعف إذ يمكن للقوى الكبيرة استخدام نفس التكتيكات والوسائل من أجل إدراك أهدافها.
وللروس أسلوبهم الخاص في هذا النوع من الحروب التي يسمونها الحروب المتفاوتة التي يقول عنها الجنرال فاليري جيراسيموف، قائد القيادة العامة للقوات المسلحة الروسية، في مقال له نُشر عام 2013، إن الحدود الفاصلة بين السلم والحرب في القرن الحادي والعشرين طمست، ولم تعد تُعلن الحروب بالصورة المألوفة.

وفي ضوء هذا المفهوم فإن الجانب الروسي، الذي لم يعلن رسميا مسؤوليته عن إطلاق المسيرات التي اخترقت أجواء العديد من الدول الأوروبية، يهدف إلى اختبار استجابة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي واكتشاف الثغرات في الدفاعات الجوية مستغلا التطورات على الساحة الدولية وإعلان الرئيس الأمريكي أنه لن يدافع عن الدول الأوروبية إلا إن دفعت له مبالغ طائلة سنويا نظيرا الدور الأمريكي في حمايتها، وهو ما عُدّ تراجعا عن الالتزامات الأمريكية بأمن القارة الأوروبية، والتي تعهدت بها واشنطن في ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن مرورًا بفترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق.
والاختبار الروسي، هدفه إدراك حدود ردود الأفعال الأوروبية بما في ذلك اختبار إجراءاتها الدفاعية لقياس مدى الاستعداد العسكري وقياس زمن الاستجابة، وهذا الاختبار هو جزء من تكتيكات الحرب الهجينة وله هدف بعيد المدى يتمثل في التأثير على المجتمعات الأوروبية وإشعارها بفقدانها الأمن لإحداث اضطراب داخلي في نفوسها يترتب عليه، مستقبلا، ضرب الاستقرار المجتمعي في دول القارة العجوز، بجانب زرع عدم الثقة بين الحلفاء في الناتو.
دفاعات جوية قوية تقليديا وضعيفة عمليًا
وبدوره، عزز حلف الناتو كجزء، من استجابته الدفاعية، من عمليات المراقبة الجوية وأطلق عملية الحارس الشرقي Eastern Sentry ، في سبتمبر المنصرم، لتعزيز دفاعات دول الجناح الشرقي للناتو (بولندا، دول البلطيق الثلاث ليتوانيا إستونيا ولاتفيا، ورومانيا وسلوفاكيا وبلغاريا) عن طريق زيادة القدرات الجوية والبحرية والبرية، وقامت بولندا بتفعيل دفاعاتها الجوية التي تشمل صواريخ باتريوت وطائرات أواكس للإنذار المبكر وطائرات مقاتلة من طرازي F- 16، F-35، وهي استجابة عالية مقارنة بمستوى التهديد المتمثل في مسيرات صغيرة، ولعل هذا سبب سخرية الرئيس الروسي من الناتو، مع الإقرار بأن هذه السخرية جزء من العمليات النفسية ضمن الحرب الهجينة أيضا.
ومكمن السخرية التي لا تخلو من بعد عملياتي أن موسكو استطاعت بتكلفة منخفضة تُقدر ببضعة آلاف من الدولارات أنفقتها على نماذج مسيرات مصنوعة من الفوم، إجبار حلف الناتو على حشد موارد كبيرة شملت طائرات بولندية وألمانية وهولندية وإيطالية واستخدام صواريخ باهظة الثمن أطلقتها المقاتلات لإسقاط "نماذج وهمية" من المسيرات، ومع أن هذه الحادثة انتهت بلا خسائر تقريبا لبولندا سوى تضرر منزل بفعل صاروخ أطلقته مقاتلة للناتو (من طراز إف- 16)، إلا أن تكرار مثل هذه الحوادث على نطاق واسع من شأنه أن يستنزف حلف شمال الأطلسي من حيث الموارد والقدرات ويخل بالموازين بينها وبين روسيا.
ومع الإقرار بأن الدفاعات الجوية لحلف الناتو قوية عمليا ومصممة للتعامل مع تهديدات عالية وبعيدة المدى أيضًا، لكن دروس الحرب الأوكرانية تؤكد أن طبيعة ونوعية التهديدات تغيرت فعملية مثل شبكة العنكبوت التي نفذتها الاستخبارات العسكرية الأوكرانية بواسطة المسيرات، في يونيو من العام الجاري، استطاعت أن تصيب قدرات عسكرية روسية استراتيجية، وكذلك يمكن أن يتكرر الأمر على الجهة الأخرى مع دول الناتو، فروسيا الآن تستطيع أن تنتج 5 آلاف مسيرة في العام، تقريبا وفق التقديرات الأوروبية، واستخدام المسيرات في هجمات متكررة ضد الناتو من شأنه أن يؤدي حتما إلى إصابة أهداف لدوله قد تكون مطارات أو أهداف عسكرية أو مدنية عالية القيمة أو حتى منظومات الدفاع الجوي بما فيها بطاريات الصواريخ (كباتريوت وغيرها)، وهذا هو التحدي الآن لحلف الناتو والذي يفرض عليه أن يعمل من أجل تطوير استجابة مستدامة لمواجهة هذه التهديدات النوعية لأن اختراق المسيرات للأجواء الأوروبية، مؤخرا، يشير إلى أن أنظمة الدفاع الجوي ضد المسيرات في الدول الأوروبية ليست كافية، حتى الآن.
ومما سبق، نستنج أن الدفاعات الجوية لحلف الناتو تبقى محدودة مقارنة بحجم التهديد، وهذا ما أشار له القادة الأوروبيون في اجتماعهم الأخير إذ أشارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا مِلوني إلى خشيتها من تأثير تعزيز الجناح الشرقي للناتو على الجناح الجنوبي (اليونان، وتركيا، وإسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا)، وهذا جزء جوهري من المشكلة الدفاعية لدول الناتو في أوروبا. كما أن المشكلة ليست في الجانب العسكري فقط بل هي مشكلة مركبة تتداخل فيها الجوانب الاستراتيجية والسياسية والقانونية وحسابات التصعيد المرتبطة بقواعد الاشتباك وحالات الطوارئ، فهناك قوات متعددة الجنسيات تعمل ضمن قوات الحلف في دول عدة، ويمكن أن تؤدي العمليات الاعتراضية ضد روسيا، بما فيها اعتراض المقاتلات الروسية التي قد تخترق أجواء الناتو، كما حدث في إستونيا في 20 سبتمبر الماضي، إلى تصعيد غير متوقع تماما كما حدث عند إسقاط تركيا لمقاتلة سوخوي 24 روسية اخترقت الأجواء التركية في نوفمبر 2015، وهو ما أشعل فتيل أزمة كادت تنقلب لمواجهة مباشرة، وبالطبع هذا قد يتكرر في شرق أوروبا أو في غربها، وهذا يفرض على الناتو إعادة النظر في استراتيجيته الدفاعية في الوقت الراهن ليتلافى المشكلات العديدة ومنها مشكلة الدفاعات الجوية بكل تأكيد.



