رسالة مبكية لـ وائل الدحدوح في ذكرى السابع من أكتوبر
منذ اندلاع الحرب في غزة أصبح وائل الدحدوح، مراسل وقائد مكتب قناة الجزيرة أحد أبرز وجوه الإعلام الفلسطيني التي تمثل المعاناة والصمود، وفي الذكرى الثانية لأحداث السابع من أكتوبر، نرصد معاناة أحد كوادر الصحافة الفلسطينية الذي تم استهدافه على مدار عامين، ورسالته المؤثرة للعالم.
معاناة وائل الدحدوح بذكرى الطوفان
لم ينهِ القصف والتدمير دور الصحافة والإعلام في غزة، وبرغم الاستهداف الممنهج للصحفيين الفلسطينيين استمر هؤلاء في توثيق المعاناة والتحليق فوق الدمار، وعلى رأسهم الدحدوح الذي فقد الكثير من عائلته خلال الحرب، ورغم أن الخطر صار يلاحقه هو وأهله شخصياً.
وخلال عامين، استُهدِف منزله، وفقد جزءاً من عائلته، وجُرِح، وتحمّل الألم على الملأ، متحدّياً كل محاولة لإسكات صوته أو التخفّي خلف الأنقاض التي تحولت إلى مأوى غير آمن حتى للمدنيين.
«بينتقموا منا بالولاد.. معلش» معاناة وائل الدحدوح
منذ الأيام الأولى للحرب، ومع الأوامر الإسرائيلية للمدنيين بالنزوح جنوباً، انتقلت عائلة وائل الدحدوح من مكان سكنهم إلى مخيم النصيرات بحثاً عن مأوى آمن، معتقدين أن السلام الجزئي قد يحميهم من القصف.
في إحدى غارات جوية استهدفت منزلهم في مخيم النصيرات، قُتِلت زوجته، وابنه المراهق محمود (15 سنة)، وابنته الصغيرة شام (7 سنوات)، وكذلك حفيده آدم، وكانوا جميعهم قد نزحوا إلى هناك معتقدين أنها منطقة آمنة.
وكان الدحدوح على الهواء عندما جاءه الخبر الصادم مساء الأربعاء، حيث كانت عائلته -التي نزحت كغيرها إلى منطقة ظنتها آمنة وفقا لوعود جيش الاحتلال- هدفا للقصف، وانضمت -حتى ذلك المساء- إلى قائمة 6546 شهيدا معظمهم نساء وأطفال حسب بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة.

وفي ذلك اليوم، دخل الدحدوح مستشفى الأقصى، حيث شاهد بأم عينه أجساد أحبّائه، يحمل طفلة صغيرة مغطّاة، ويبكي على وجه ابنه المراهق، وقد حاول ذلك في إثبات أن الأطفال الأبرياء ليسوا أهدافاً عسكرية عادلة.
لكن هذا لم يكن كل ما فقده. بعد الأشهر، في يناير 2024، استُهدف ابنه الأكبر، حمزة الدحدوح، وهو صحفي أيضاً، عندما كان في سيّارة عائد من مهمة عمل في خان يونس، وضربت السيّارة بصاروخ أو قذيفة، مما أدى لمقتله.
هذه الحادثة جاءت بعد أن فقد الأم والابن الصغير والحفيدة والحفيد.
وإضافة إلى ذلك، تعرّض وائل نفسه للإصابة في إحدى غارات ديسمبر، حين استُهدف مع المصوّر سمير أبو دقة، الذي قُتل، بينما نجا وائل من الإصابة التي ألزمته بالعلاج لاحقًا.

خروجه من القطاع وما يعنيه ذلك
في يناير 2024، وبعد تراكم المآسي من حوله، قرّر وائل الدحدوح أنه لا بدّ من خطوة تحفظ حياته وسط هذا الدمار، خاصة بعد إصابته وعجزه عن الاستمرار بنفس القدر تحت القصف المتواصل.
خرج من غزة عبر مصر، متوجّهاً إلى قطر للعلاج، مع بعض أفراد عائلته الذين نجوا من الهجمة الأولى.
وهذه المغادرة لم تكن هروبًا من الميدان، بل قرارًا صعبًا اتّخذه بعد مأساة كبيرة، حيث الدم الذي رآه بنفسه، وحرائق البيوت، وصرخات الأطفال الذين لا يجدون مأوى.
خروجه من غزة لم يكن نهاية الدور، بل تحولاً في المعركة. من الخارج، استخدم صوته المنهك ليبقى شاهداً على ما حصل، ليُذكّر العالم بأن الحقيقة التي يوثقها الصحفي لا تُخفى، وأن الدمار لا يُنسي، وأن الأسئلة لا تُمحى.
لقد خرج من المكان الذي عاش فيه عمره، لكنه لم يخرج من قلمه، ولم يُسكت صوته، حتى بعد أن فقد من هو أقرب إليه.

