رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«إيجبتكِ» تقتحم عالم الإدمان السري.. «مراكز السبوبة» تسرق عمر الشباب في صمت

مخدرات
مخدرات

400 مليار جنيه حجم تجارة المخدرات في مصر 

الشابو «أفيون» الشباب.. والضحايا بين نار الأسعار ونصب المحتالين 

بعد إغلاق عشرات المراكز غير المرخصة.. أزمة علاج الإدمان في مصر بين الاستغلال والأمل في التعافي

 

من خلال الحملات المكثفة التي تواصلها وزارة الصحة لإغلاق عشرات المراكز غير المرخصة لعلاج الإدمان، تتكشف أزمة صامتة تثقل كاهل آلاف المرضى وأسرهم، تتأرجح بين الخوف من الاستغلال والرغبة الملحة في الشفاء. ففي الوقت الذي أُغلقت فيه مراكز بسبب تجاوزات جسيمة، تستمر أخرى في العمل بالخفاء، ليختلط الألم بالأمل في عالم غامض تتداخل فيه الأسرار ويصعب الفصل بين الطب والتجارة.

 

يرى الخبراء أن ملف علاج الإدمان في مصر لا يمكن فصله عن مشكلات هيكلية أعمق، تشمل ضعف الرقابة، وارتفاع تكلفة العلاج، بالإضافة إلى الظهور المرعب لأنواع جديدة من المخدرات التخليقية مثل "الشابو" الذي يفتك بالشباب بسرعة مخيفة. في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الدولة تخوض معركة حقيقية لحماية المرضى، وتعمل على توسيع برامج العلاج المجاني، وإدخال أدوية حديثة تهدف إلى تقليل نسب الانتكاس ومنح فرصة حقيقية للتعافي.

 

أحمد.. رحلة من الترامادول إلى التعافي

أحمد (27 سنة)  من شبرا

قبل أربع سنوات، كان أحمد شابًا رياضيًا يعمل في ورشة ميكانيكا، بدأ بتعاطي حبوب الترامادول لمساعدته على "تحمل الشغل الطويل"، دون أن يدرك أنه سيصبح حبيس الإدمان بعد عامين.

 

يقول أحمد: «كنت آخذ أول قرص في الصباح لأبدأ يومي، ثم احتجت إلى 5 أو 6 أقراص يوميًا. عندما حاولت التوقف وحدي، ارتجف جسدي وتسارعت نبضات قلبي كأنني سأموت».

نصحه صديق متعافٍ بالدخول إلى أحد مراكز علاج الإدمان الخاصة في القاهرة. يصف أحمد الأيام العشرة الأولى بأنها كانت "جحيم الانسحاب". ويوضح الدكتور سامح عبدالغني، استشاري الطب النفسي والإدمان بالمركز، أن أحمد خضع لبرنامج سحب تدريجي باستخدام أدوية (مثل الديتوكس العلاجي ومسكنات للأعراض الانسحابية)، تلتها جلسات علاج معرفي سلوكي لمدة ثلاثة أشهر.

يضيف الطبيب العلاج الحقيقي يبدأ بعد خروج المريض من مرحلة الانسحاب، عندما يستعيد ثقته بنفسه ويبدأ التعامل مع محفزات الانتكاسة. والآن، يعمل أحمد متطوعًا داخل المركز لمساعدة الداخلين الجدد، مؤكدًا الذي ينجو من الإدمان يجب أن يساعد غيره؛ لأنك لا تنسى أبدًا أول يوم دخلت فيه هنا.

 

أم يوسف.. وجع أم فقدت ابنها بسبب مركز غير مرخص

أم يوسف (48 سنة) من المقطم

 

تحكي أم يوسف عن ابنها الشاب الذي لم يتجاوز 22 عامًا: «ابني كان يتعاطى مخدرات خفيفة مع أصدقائه، وبحثنا عن مركز لمساعدته. اتصلت برقم وجدته على الإنترنت، ادعوا أنهم مركز مرخّص. ذهبنا ودفعت 15 ألف جنيه مقدم إقامة شهر».

بعد أسبوع واحد، تلقت الأم اتصالًا يخبرها بأن ابنها "هرب" من المركز؛ لكن الحقيقة التي عرفتها لاحقًا كانت أكثر قسوة: «ابني مات داخل المركز. عندما ذهبت لاستلام جثته، وجدت آثار كدمات في ذراعه. لم يكن هناك رقابة، والممرض لم يكن طبيبًا أصلاً».

كشفت تحقيقات وزارة الصحة لاحقًا أن المركز غير مرخص ويُدار بواسطة شخص غير طبيب، وتم إغلاقه ضمن حملات الوزارة الأخيرة. تطالب أم يوسف الدولة بـ:«نفسي الدولة تفتح مراكز حكومية كثيرة بأسعار معقولة؛ حتى لا تقع الأمهات الغلابة في مصيدة النصابين».

 

دكتور كريم.. بين الطب والرحمة

د. كريم (طبيب نفسي بخبرة 15 عامًا) يعمل في أحد المراكز المرخصة بالمعادي. يرى أن الخلل في السوق يكمن في "غياب الرقابة الدائمة: في بعض المراكز، يتم احتجاز المرضى دون إشراف طبي حقيقي، أو يُجبرون على برامج انسحاب قاسية دون بروتوكولات علمية.

يؤكد الطبيب أن علاج الإدمان ليس "سحب سموم فقط"، بل هو خطة علاجية طويلة تشمل الجوانب الدوائية والسلوكية والاجتماعية. ويشير إلى استخدام أدوية حديثة، لدينا مرضى يتلقون علاجًا بالـ*"بوبرينورفين"* تحت إشراف طبي دقيق، وهو دواء بديل يقلل الرغبة في المخدر، ولكنه يتطلب حذرًا وله قيود قانونية».

يُضيف أن التحدي الآخر يتمثل في ضعف التمويل وغلاء الأدوية، فـكثير من الحالات تنتكس ليس لعدم رغبتها في العلاج، بل لعدم قدرتها على دفع مصاريف الإقامة أو استكمال العلاج.

 

منى… تجربة مع الإدمان النسائي

منى (32 سنة) موظفة سابقة في بنك 

تقول منى إنها بدأت بتعاطي مسكنات قوية بعد عملية جراحية، ومع الوقت أصبحت محتاجة إليها نفسيًا قبل جسديًا: «لا أحد يتحدث عن إدمان النساء، يحكمون علينا قبل أن يسمعونا.»

التحقت منى بمركز خاص يُقدم برنامجًا نسائيًا منفصلًا، يشمل جلسات جماعية محدودة العدد مع معالجة نفسية متخصصة: العلاج هنا ساعدني على مواجهة السبب الحقيقي الذي دفعني للهروب إلى المخدر الوحدة والضغط النفسي. واعتمدت الطبيبة المشرفة على علاجها على العلاج المعرفي السلوكي، وبرنامج دعم بعد الخروج يشمل لقاءات شهرية ومجموعة دعم متبادل بين المتعافيات. تختتم منى حديثها: اليوم أنا أعمل مرة أخرى وأربي ابنتي. الإدمان ليس نهاية، لكنه يحتاج إلى علاج آمن ومكان محترم.

الدكتور علي عبد الله: إغلاق المراكز غير المرخصة ضرورة لحماية المرضى

أكد الدكتور علي عبد الله، رئيس الجمعية المصرية للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان، تأييده الكامل لقرارات وزارة الصحة بإغلاق المراكز غير المرخصة، معتبرًا أنها خطوة "ضرورية لحماية حياة المرضى وصون سمعة مهنة الطب".

ويرى الدكتور علي  عبدالله أن من غير المقبول أن تُقدم خدمات طبية دون ترخيص رسمي أو إشراف من مختصين مؤهلين، موضحًا أن أغلب المراكز التي أُغلقت كانت تُدار من قِبل أشخاص غير أطباء، وبعضهم لا يمتلك أي خلفية علمية في مجال علاج الإدمان.

الدكتور علي عبد الله رئيس الجمعية المصرية للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان
الدكتور علي عبد الله رئيس الجمعية المصرية للدراسات الدوائية والإحصاء ومكافحة الإدمان

خطر التحايل القانوني

أشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على المراكز غير المرخصة؛ فبعض المراكز المرخصة تلجأ إلى التحايل القانونيبتسجيل اسم طبيب على الورق فقط دون وجوده الفعلي للإشراف، ما يشكل خطورة بالغة على سلامة المرضى.

الاستغلال المادي

 وأضاف أن كثيرًا من هذه الأماكن، مرخصة أو غير مرخصة، تمارس ابتزازًا ماديًا للأسر بفرض تكاليف علاجية مرتفعة دون تحقيق نتائج حقيقية، للأسف، أغلب المرضى الذين يخرجون من هذه المراكز لا يتلقون علاجًا فعّالًا، وبعضهم يخرج بحالة أسوأ مما دخل، نتيجة سوء المعاملة أو غياب الإشراف الطبي السليم.

تكلفة العلاج الخاص باهظة والمراكز الحكومية مجانية

تُشكل تكلفة علاج الإدمان في المراكز الخاصة عبئًا كبيرًا، حيث تتراوح تكلفة الإقامة الشهرية بين 20 إلى 50 ألف جنيه، وقد تصل التكلفة السنوية الكاملة إلى ما بين 500 ألف ومليون جنيه.

في المقابل، أكد الدكتور “ عبدالله ” على وجود بدائل حكومية آمنة ومجانية عبر صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، الذي يقدم العلاج على نفقة الدولة بالكامل، وأي مريض يمكنه الاتصال بالخط الساخن 16023 التابع للصندوق، وسيُنسَّق له دخول المركز العلاجي المناسب مجانًا، وقد شهدت الفترة الأخيرة توسعًا ملحوظًا في فروع المراكز الحكومية.

400 مليار جنيه.. الاقتصاد الخفي للمخدرات في مصر

رغم أن تجارة المخدرات تُعد نشاطًا محظورًا قانونًا وأخلاقيًا، فإنها تظل واقعًا اقتصاديًا خفيًا يلتهم المليارات سنويًا في مصر، ويستنزف طاقات المجتمع وقدرته على النمو. الأرقام التي تكشفها مراكز الدراسات والهيئات البحثية ترسم صورة قاتمة لسوق موازية تعمل في الظل بعيدًا عن أعين الدولة، لكنها تترك بصماتها واضحة على الأسر والاقتصاد الوطني.

حجم تجارة المخدرات في مصر

بحسب مركز «بصيرة للدراسات» يُقدَّر حجم تجارة المخدرات في مصر بنحو 400 مليار جنيه، وهو رقم يوازي نصف ميزانية الدولة في بعض السنوات السابقة، فيما تشير تقارير اقتصادية أخرى إلى أن إنفاق المتعاطين والمدمنين يتجاوز 131 مليار جنيه سنويًا، أي ما يعادل قرابة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه الأرقام تعكس ضخامة السوق التي تنمو على حساب جيوب المواطنين وصحتهم، في وقت تقترب فيه نسب التعاطي من 10% من إجمالي السكان وفق بعض الاستطلاعات. أما الضبطيات الأمنية فتُظهر حجمًا آخر من الكارثة، إذ تم في إحدى العمليات ضبط حاوية تضم 630 كيلوجرامًا من الحشيش بقيمة تقارب 45 مليون جنيه، وإذا كانت صفقة واحدة تحمل هذا الرقم الضخم، فإن ما لم يُكشف عنه يظل أكبر بكثير.

وراء هذه الأرقام أسباب جوهرية تدفع السوق إلى النمو، فالتفاوت الاقتصادي والبطالة والضغوط النفسية والاجتماعية تجعل شريحة واسعة من الشباب أكثر عرضة للتجربة، فيما يوفّر تجار المخدرات منتجات جديدة رخيصة وسهلة التصنيع مثل المخدرات التخليقية التي تجذب الفئات الأصغر سنًا. غياب البيانات الرسمية الدقيقة يزيد الصورة تعقيدًا، وهو ما أشار إليه اللواء مجدي السمري، الرئيس السابق لعمليات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، مؤكدًا أن «لا توجد جهة رسمية تملك بيانات دقيقة عن حجم تجارة المخدرات في مصر»، وأن ما يتم تداوله مجرد تقديرات قائمة على إنفاق المتعاطين وحجم الضبطيات.

 

ثورة دوائية في علاج الإدمان: أمل في تقليل الوفيات

تحدث الدكتور علي عبد الله عن وجود "ثورة طبية حقيقية" في مجال أدوية علاج الإدمان، مشيرًا إلى أن جزءًا من حالات الإدمان ينجم عن الاستخدام الخاطئ لأدوية مسكنة أو منومة تُصرف لأغراض علاجية. التطور الدوائي الحالي أتاح بدائل تُعطي نفس الفاعلية العلاجية دون خطر الإدمان.

أما فيما يخص أدوية العلاج، فهناك طفرة في إنتاج الأدوية التخليقية الأكثر أمانًا وفاعلية.

بخاخ الأنف المنقذ: أشار الدكتور علي عبدالله  إلى أن معظم حالات الوفاة الناتجة عن الإدمان تحدث بسبب الجرعات الزائدة (الأوفر دوز) من المواد الأفيونية لتأثيرها المباشر على الجهاز التنفسي. وكشف عن ابتكار دوائي جديد متوفر في الخارج يتمثل في بخاخ أنفي يمكنه إنقاذ حياة المرضى في حالات الجرعة الزائدة من المخدرات الأفيونية قبل وصولهم إلى المستشفى، مؤكدًا أن طرحه في السوق المصرية يمثل تطورًا كبيرًا في مواجهة وفيات الإدمان.

الأمل في المستقبل: اختتم الدكتور علي بالتأكيد على أن مواجهة الإدمان تتطلب توسيع نطاق العلاج العلمي الصحيح وتوفير البدائل الدوائية الآمنة والتوعية بأن الإدمان مرض يمكن الشفاء منه.

ما يحدث الآن في مصر هو بداية مرحلة جديدة من التعامل العلمي مع الإدمان، قائمة على الدواء والإشراف الطبي والتأهيل النفسي، وليست على الحجز القسري أو الاستغلال المالي. نحن أمام فرصة حقيقية لتقليل الوفيات وتحسين نسب التعافي إذا استمرت الدولة في هذا الاتجاه.

مخدر الشابو.. الخطر الجديد بين الشباب

تحذير من الانتشار المتسارع لمخدر "الشابو" بين الشباب والفتيات

حذر الدكتور نبيل عبد المقصود، أستاذ علاج الإدمان والطب النفسي، من الانتشار المتزايد لمخدر "الشابو" (الآيس)، مؤكدًا أنه يمثل خطرًا متصاعدًا على فئة الشباب في مصر، مع ملاحظة مقلقة لارتفاع نسبة الفتيات المتعاطيات له مؤخرًا.

"الشابو" يُعد من أخطر أنواع المخدرات التخليقية، حيث يؤدي إلى تدمير مباشر للجهاز العصبي المركزي ويتسبب في الإدمان السريع من أول أو ثاني استخدام، ما يجعل التعامل معه علاجيًا صعبًا للغاية.

الدكتور نبيل عبد المقصود أستاذ علاج الإدمان والطب النفسي
الدكتور نبيل عبد المقصود أستاذ علاج الإدمان والطب النفسي

علامات الاكتشاف المبكر: شدد الدكتور عبد المقصود على أهمية ملاحظة التغيرات السلوكية المفاجئة، ومن أبرز العلامات التي تساعد على اكتشاف تعاطي "الشابو":

بقاء الشخص مستيقظًا لفترات طويلة قد تمتد ليومين أو ثلاثة دون نوم.

العصبية والانفعالات الزائدة غير المبررة.

التحدث بسرعة مفرطة وبطريقة غير مترابطة أو خارجة عن سياق الحوار.

الدخول في نوبات من النوم العميق المتواصل بعد فترة النشاط الزائد، بحيث يصعب عليه الاستيقاظ أو الحركة بسهولة.

أكد أستاذ علاج الإدمان أن الاكتشاف المبكر يمثل الفارق الحقيقي لإنقاذ حياة المدمن المحتمل، محذرًا من أن كل يوم تأخير يزيد من صعوبة العلاج. ودعا إلى تكثيف حملات التوعية بخطورة "الشابو" وفتح قنوات حوار صادقة وآمنة بين الآباء والأبناء، مؤكدًا أن الأبناء بحاجة إلى الشعور بالأمان داخل الأسرة، ليتمكنوا من الحديث عن مشكلاتهم دون خوف أو وصم. الحوار هو خط الدفاع الأول ضد الإدمان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء