فلسطين في عيون كتّاب الغرب.. من جان جينيه إلى ساراماجو
ظلت فلسطين،عبر عقود طويلة، مرآةً تعكس موقف المثقف الغربي من العدالة والإنسانية، ومحكا لاختبار الضمير الإنساني الحر في مواجهة الاحتلال والتمييز والعنف. ومنذ النكبة وحتى اليوم، لم تتوقف أقلام كتاب غربيين عن مقاربة القضية الفلسطينية من زوايا إنسانية وأخلاقية وفكرية عميقة، كان أبرزهم الكاتب الفرنسي جان جينيه، والروائي البرتغالي خوسيه ساراماجو، وآخرون من رموز الأدب العالمي الذين رأوا في فلسطين رمزًا للمقاومة والكرامة.
جينيه.. شاعر الهامش وعاشق الفدائيين
يعد جان جينيه أحد أكثر الكتّاب الأوروبيين اقترابًا من التجربة الفلسطينية، لا من موقع التعاطف النظري، بل من قلب الميدان. فقد زار المخيمات الفلسطينية في مطلع السبعينيات، وعاش بين الفدائيين في لبنان والأردن، ليخرج بعمله الشهير “أسير عاشق عاشق” ، الذي يعد شهادة أدبية وسياسية نادرة عن الثورة الفلسطينية.
في نصه، يمزج جينيه بين الشعر والسيرة والموقف الأخلاقي، مصورًا الفدائيين لا كأبطال أسطوريين بل كبشر يواجهون المستحيل بحبٍّ وإصرار. كان يرى في فلسطين “آخر مكان يمكن فيه للحلم أن يتنفس”، وفي المقاومة الفلسطينية تجسيدًا لمعنى الحرية في أنقى صورها.
كتب جينيه “اربع ساعات في شاتيلا شاهدا على المجزرة.. والذي نشر بعد ثلاثة أشهر من وقوع الفاجعة، ومن بعد جاء كتابه "أسير عاشق". يقول جان جينيه عن الفلسطينين: "الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد الذي يقدم نفسه بصوره عصرية في البلدان العربية، إنه ليس مجرد شعب متمرد وإنما هو شعب ثوري. إن المجتمع العربي التقليدي محكوم عليه بالموت، ومن غير الممكن الحفاظ على النظام الاجتماعي القديم بدون وسائل الدولة البوليسية . إن ما يجتذب الملاحظة عند الفلسطينين. لا عند منظمة التحرير وحدها، بل عند كل فلسطيني مفرد، هو الثقل الذي تمتلكه الاشارة كل إشارة كل حركة تقدم نفسها بثقة مدهشة".

ساراماجو.. الحائز على نوبل “ شبّه فلسطين بمعسكرات النازية”
أما خوسيه ساراماجو، الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1998، فقد صدم الأوساط السياسية والثقافية في أوروبا عندما زار الأراضي الفلسطينية عام 2002، وصرّح بأن ما شاهده في الضفة الغربية “يشبه ما حدث في معسكرات الاعتقال النازية”.
في رواياته، كان ساراماجو دائمًا منحازًا للضعفاء والمقموعين، وعندما واجه واقع الاحتلال الإسرائيلي، وجد أن اللغة الأدبية وحدها لا تكفي لوصف القهر. قال بوضوح: “ما يحدث للفلسطينيين جريمة ضد الإنسانية”. وقد جعل من صوته الأخلاقي سلاحًا ضد صمت الغرب، فكتب مقالات وخطبًا أدان فيها ازدواجية المعايير الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية.
وعندما سئل عن الصراع العربي الاسرائيلي، هذا ليس صراعا بمكن استخدام كلمة صراع عند الحديث عن بلدين ، حدود ودولتين لكل منهما جيش ، أما هنا فالوضع مختلف تماما : إنه فصل عنصري ، وتدمير للبنية الاجتماعية الفلسطينية .

أدباء آخرون.. من المقاومة إلى الذاكرة
لم يكن جينيه وساراماجو وحدهما؛ فقد عبر كتاب مثل والناقد والفنان البريطاني جون بيرجر، ونعوم تشومسكي في مقالاته النقدية، عن مواقف مشابهه.عرف بيرجر بمواقفه وكتاباته المناهضة للاحتلال، والداعمة لحقوق الشعب الفلسطينية بالتحرر والاستقلال، ويعد واحداً من أهم الكتاب والنقاد على المستوى الدولي، وعلى الصعيد الإنساني كواحد من مؤيدي مقاومة الاحتلال، ومناهضة العنصرية، وخاصة في فلسطين

رأى بيرجر أن “الكتابة عن فلسطين هي فعل مقاومة ضد طغيان الرواية الإسرائيلية في الإعلام الغربي”، بينما كان نعوم تشومسكي من القضية الفلسطينية محورًا دائمًا في نقده للسياسات الأمريكية والإسرائيلية.
فلسطين كضمير للعالم
في نظر هؤلاء الكتّاب، لم تكن فلسطين مجرد جغرافيا للصراع، بل رمزًا للكرامة الإنسانية المهدورة، ومقياسًا لصدق الحضارة الغربية في دفاعها المعلن عن حقوق الإنسان. لقد تحولت فلسطين في كتاباتهم إلى سؤالٍ أخلاقيٍّ مفتوح: كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن الحرية وهو يصمت أمام الاحتلال؟