"انتصار أكتوبر" من عبد الناصر إلى عبد الفتاح السيسي: قراءة في المعركة العسكرية وحروب الاستنزاف والحفاظ على الأرض
مسيرة ممتدة يسلم فيها جيل الراية لجيل وتستمر فيها رحلة الكفاح حربًا وسلامًا في عالم متغير، هذه باختصار قصة مصر ورؤسائها منذ إعلان الجمهورية، عام 1952، وما تلاها من استكمال لمسيرة التحرر من الاستعمار البريطاني وبناء الدولة الحديثة، مرورًا بتجربة النكسة المريرة ثم حربي الاستنزاف وأكتوبر، التي تحل ذكرى نصرها الـ52 اليوم، وما تلاها من مفاوضات مضنية من أجل استعادة كامل التراب الوطني، الذي حاولت الجماعات الإرهابية أن تنتزع جزءًا منه فكانت حربًا أخرى وصولا إلى اللحظة الحالية بصعوباتها التي فرضها الوضع الإقليمي وعلى رأسه ظروف الحرب على غزة ومشروع التهجير الذي يراد به تصفية القضية الفلسطينية.
ووسط كل هذه الأحداث الكبيرة التي ساهمت في صيغة وجه المنطقة، على مدار عقود، عملت مصر شعبًا وجيشًا وقيادةً على بناء نفسها ومواجهة التحديات المحيطة بالوطن العربي والقارة الإفريقية في ظل تنافس القوى الكبرى على الموارد والنفوذ في هذه البقعة الجغرافية المحورية، وكان لكل رئيس من رؤساء مصر دورًا في المسيرة الممتدة، فالرئيس جمال عبد الناصر جاء ومعه حلم التحرر الوطني لا لمصر فقط بل لكل الدول العربية والإفريقية التي استنزفها الاستعمار طويلا، وخلال الخمسينيات والستينيات استطاعت القاهرة أن تفرض وجودها على الساحة الإقليمية والدولية التي تنازعها قطبي العالم، في تلك الفترة، أي الولايات المتحدة الأمريكية واتحاد الجمهوريات السوفيتية.
وكنتيجة حتمية لدورها وطموحها، فُرض على مصر أن تدخل حرب العام 1967، الشهيرة بنكسة 67، ورغم مرارة الهزيمة لم يستسلم الشعب المصري ولا قيادته فأعلن الرئيس جمال عبد الناصر المبدأ الشهير: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، وكانت تلك لحظة فارقة أمام الشخصية المصرية بكبريائها القومي المعروف مهدت فيما بعد لنصر أكتوبر الذي كانت له آثار استراتيجية على مصر والمنطقة والعالم ككل.

جمال عبد الناصر.. نضال ضد الهزيمة
وخلال فترة رئاسته لمصر الممتدة من 24 يونيو 1956: 28 سبتمبر 1970، أطلق الرئيس جمال عبد الناصر مشروعًا طموحًا لتحديث مصر التي ورثت تركة ثقيلة خلفها الاستعمار البريطاني، وبالفعل استطاعت مصر أن تنجز سلسلة كبيرة من المشروعات القومية في قطاعات الصناعة والزراعة وبناء الدولة المصرية وجيشها من جديد، وكان صعود مصر أحد الأسباب المؤدية لضرب ما تبقى من النفوذ الاستعماري البريطاني القديم بعد تأميم قناة السويس المصرية وما أعقبها من حرب العدوان الثلاثي على مصر بمشاركة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.
حازت مصر في هذه الحرب نصرًا سياسيًا كبيرًا وصعدت أسهم الرئيس جمال عبد الناصر في الوطن العربي والقارة الإفريقية، حيث أدت دورًا هامًا في التحرر من الاستعمار بدعمها حركات التحرر الإفريقية والعربية، وكان لهذا الصعود ثمن بكل تأكيد، ويصفه بعض من عاصروا تلك الحقبة بأنه كان سببًا مباشرًا في استدراج مصر لفخ 1967، كما يسميه مدير جهاز المخابرات العامة المصري (الأسبق) صلاح نصر في الجزء الثالث من مذكراته المعنون بـ"العام الحزين".
ووصف مدير جهاز المخابرات العامة المصري (الأسبق) حرب يونيو 1967 بأنها كانت مؤامرة كبرى نسجتها عدد من الدول للرئيس جمال عبد الناصر ولمصر. وبالفعل دخلت مصر وهي غير مستعدة من أي ناحية حربًا كبيرة نجم عنها احتلال شبه جزيرة سيناء ومعها قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وهضبة الجولان السورية، كما خسرت مصر 80% من معداتها العسكرية، ونحو 11500 شهيد من ضباط وجنود القوات المسلحة فضلًا عن نحو 5500 أسير اقتادهم القوات الإسرائيلية لمعسكرات الاعتقال في الأراضي المحتلة، بحسب ما أورده مدير إدارة التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة (سابقا) العميد أركان حرب محمد جمال الدين محفوظ في كتاب "عبد الناصر والقوات المسلحة"، الصادر عن الإدارة خلال فترة حرب الاستنزاف.
رفضت مصر الإقرار بالهزيمة وكان لدى قيادتها وشعبها إرادة القتال، واختار الرئيس جمال عبد الناصر أن يُعد الدولة لحرب التحرير عبر استراتيجية شاملة تقوم على إعادة البناء الشعبي وإعداد الشعب للحرب المنتظرة، وإعداد القوات المسلحة، وإعداد أراضي الدولة للحرب وتجهيز مسرح العمليات، وحشدت مصر كل قوتها العسكرية والاقتصادية والفكرية لتحرير الأرض.
وشرعت مصر، منذ نكسة 1967، في حملة سياسية إقليمية ودولية لحشد الدعم لقضيتها العادلة، وبالتوازي معها بدأت عملية إعادة بناء القوات المسلحة المصرية التي بدأت عقب أيام من هزيمة 5 يونيو 1967، فبعد نحو أسبوع واحد أصدر الرئيس قرارًا بتشكيل القيادة العامة الجديدة للقوات المسحة وأجرى تغيرات قيادية أيضًا في جهاز المخابرات العامة وغيرها من أجهزة الدولة.
وبدأت مصر عملية إعداد حقيقية للحرب، شملت إعداد قاعدة بيانات كاملة عن العدو والتي لم تكن موجودة قبل الحرب وأدى نقص هذه المعلومات إلى التأثير على خطط وعمليات القوات المسلحة في 1967، حسبما يقول الوزير أمين هويدي، وزير الحربية ومدير المخابرات العامة في الفترة التالية للنكسة مباشرةً، في كتابه "حرب 1967 أسرار وخبايا".
وخلال رحلة الإعداد لحرب التحرير، التي تمت في أكتوبر 1973، نجحت القوات المسلحة المصرية في توجيه ضربات مؤثرة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وخاض الجيش المصري أول معركة له عند رأس العش، في 1 يوليو 1967، حين أفشلت قوات الصاعقة محاولة قوة مدرعة إسرائيلية احتلال منطقة بور فؤاد، وفي أكتوبر من نفس العام أغرقت القوات البحرية المدمرة الإسرائيلية إيلات، وخاضت حرب الاستنزاف التي هدفت لتنشيط الجبهة وعدم ترك فرصة للإسرائيليين ليستريحوا على طول خط المواجهة، وقامت القوات الخاصة المصرية بسلسلة عمليات إغارة ناجحة على العدو في قلب الأراضي المحتلة في سيناء، وفق ما أورده الفريق أول في الجزء الأول من مذكراته المعنونة بـ"حرب الثلاث سنوات".
وكذلك، استطاع جهاز المخابرات العامة بالتعاون مع القوات البحرية في تنفيذ واحدة من العمليات النوعية التي جرى خلالها تدمير الحفار الإسرائيلي "كينتنج" الذي استأجرته تل أبيب للتنقيب عن البترول في خليج السويس، وجرى تدمير الحفار قبالة سواحل أبيدجان في ساحل العاج في 1970، وهذه العملية وثقها الوزير أمين هويدي في مذكراته "خمسون عامًا من العواصف".
وبحلول يونيو من العام 1970، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق وزير خارجيتها وليام روجرز وطرحت مبادرة وقف إطلاق النار المعروفة بمبادرة روجرز، والتي وافق عليها الرئيس جمال عبد الناصر، بغرض منح القوات المسلحة المصرية فرصة استكمال بناء حائط الصواريخ المضادة للطائرات، وهو أحد الخطوات الهامة في الإعداد لحرب التحرير.

السادات.. الرؤية الاستراتيجية وضرب نظرية الأمن الإسرائيلي
رحل الرئيس جمال عبد الناصر، بشكل مفاجئ في 1970، وخلفه الرئيس محمد أنور السادات الذي تولى السلطة، في 15 أكتوبر 1970، وبدأت معه المرحلة الحاسمة لحرب أكتوبر وتحرير الأراضي المحتلة عام 1967.
امتلك الرئيس أنور السادات رؤية استراتيجية مبنية على الواقع العملي، وهو واقع تمتعت فيه إسرائيل بأفضلية فعلية نابعة من تمسكها بالأراضي المحتلة وبناءها خط برليف، أحد أقوى الخطوط الدفاعية على مدار التاريخ العسكري، والدعم الأمريكي المتواصل لها، في مقابل دعم سوفيتي محسوب قدمته موسكو لمصر وكان مثارا للجدل بين البلدين في بعض المحطات.
أدرك الرئيس السادات أن خوض معركة التحرير لن يكون ممكنا دون أن تتوفر لمصر قوة ردع ولذا طلب من الاتحاد السوفيتي توريد صفقات أسلحة لمصر، وأبرم مع موسكو اتفاقية تنص على توريد الأسلحة وإقامة الصناعات العسكرية، وبناء على هذه الاتفاقية طلبت مصر طائرات من طرازي ميغ 17، وتي يو 22، ودبابات من طراز تي 62 ومعدات للحرب الإلكترونية، بيد أن تأخر تسليم هذه الأسلحة لمصر والخلافات بين الدولتين، دفعا الرئيس السادات لطرد الخبراء السوفييت الذين استقدمهم الرئيس جمال عبد الناصر، خلال حرب الاستنزاف، وكان عددهم 8 آلاف خبير عسكري حتى تكون حرب التحرير بأيدي مصرية، كما ذكر المؤرخ العسكري جمال حماد في كتابه "المعارك الحربية على الجبهة المصرية: حرب أكتوبر 1971/ العاشر من رمضان" .
والحقيقة أن الرئيس السادات كانت لديه رؤية استراتيجية منذ توليه السلطة تقوم على أساس تقدير نقاط قوة وضعف مصر، وكذلك كل الأطراف المرتبطة بالمواجهة بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والدول العربية، وهذه الرؤية التي ساهمت في صياغة مساره السياسي وقراره العسكري فيما يتعلق بالحرب مع إسرائيل.
وخلال فترة رئاسته، بدأ وضع الخطط الفعلية لعبور قناة السويس، إذ لم تكن هناك خطط فعلية قبل ذلك، بل مجرد مشاريع تعبوية تفترض وجود أسلحة وإمكانيات غير موجودة وقتها لبدء الحرب، وكانت أول الخطط التي وضعت خطة المآذن العالية التي هدفت لأن تفرض على إسرائيل القتال بأسلوب جديد غير أسلوبها القائم على الحرب الخاطفة الذي يمنحها أفضلية على حساب مصر والدول العربية، حسبما أورده الفريق سعد الشاذلي في "مذكرات حرب أكتوبر".
وعقب تولي المشير أحمد إسماعيل منصب وزير الحربية، جرى التعديل على خطة المآذن العالية ووضعت خطة جديدة هي "بدر" التي سُميت بذلك تيمنًا بغزوة بدر، التي خاضها النبي محمد ضد كفار قريش في السنة الثانية للهرجة، وهذا التعديل جاء بعد دراسة الموقف الاستراتيجي على الجبهتين المصرية والسورية.
ورأى "السادات" والقادة العسكريين المصريين ضرورة خوض المعركة على جبهتي مصر وسوريا معًا لمنع العدو الإسرائيلي من الاستفراد بإحدى الجبهتين، وكان التفكير الاستراتيجي للرئيس السادات قائم على إدراك محددات الاستراتيجية الإسرائيلية ونظرية الأمن القومي الصهيوني التي تشكلت بعد 1967 وتقوم على فكرة الاحتفاظ بالأراضي المحتلة وتثبيت خطوط إسرائيل الدفاعية عليها والاحتفاظ بالقدرة على ردع القوات العربية والاحتفاظ بالمبادأة وهذا يقتضي وجود جهاز مخابرات قوي يمد تل أبيب بالمعلومات للتحرك مبكرا، والاحتفاظ بمؤازرة حليف قوي هو الولايات المتحدة لنجدة إسرائيل عند الحاجة، كما ذكر المؤرخ العسكري جمال حماد.
وقامت النظرية الاستراتيجية المصرية على أساس تحدي نظرية الأمن الإسرائيلي عن طريق بدء عمل عسكري على حسب إمكانات القوات المسلحة المصرية يكون هدفه إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي وإقناع العدو بأن احتلاله للأراضي العربية سيفرض عليه دفع ثمن لا يتحمله، وبالتوازي مع ذلك كانت مصر تنفذ خطة الخداع الاستراتيجي لإعطاء تل أبيب وواشنطن انطباع بأن القاهرة لن تخوض الحرب وأن وضع اللاسلم واللاحرب سيستمر.
وبعد دراسة وافية للموقف الإقليمي والدولي، وإتمام الاستعدادات العسكرية المصرية والسورية والاتفاق على خوض معركة واحدة على جبهتين، أصدر الرئيس أنور السادات توجيهه العسكري الأشهر، في 9 رمضان/ 5 أكتوبر 1973، والذي نص على إزالة الجمود العسكري وكسر وقف إطلاق النار وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والمعدات والعمل على تحرير الأرض المحتلة.
وعند ظهر الـ6 من أكتوبر 1973، بدأت الحرب المفاجئة التي ظنت إسرائيل أنها لن تقوم، ونجحت القوات المسلحة المصرية في عبور أصعب مانع مائي في العالم وهو قناة السويس واقتحام خط برليف على طول جبهة المواجهة البالغ نحو 160 كم، وإقامة رؤوس كباري لعبور القوات المصرية للضفة الشرقية للقناة، وفي نفس الوقت كانت القوات السورية تخوض معارك محتدمة مع الجيش الإسرائيلي في الجولان المحتل، وهكذا وجدت إسرائيل والولايات المتحدة لأول مرة المرة أن العرب يهاجمون إسرائيل ويحققون انتصارًا تاريخيا فريدًا.
انكسرت نظرية الأمن القومي الإسرائيلي المزعومة، وحافظت القوات المصرية على أوضاعها وفشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها رغم الجسر الجوي الأمريكي، وحاولت إسرائيل أن تصور معركة ثغرة الدفرسوار التي تسميها إسرائيل "القلب الشجاع" أو "القلب القوي" باعتبارها معركة حاسمة، لكن في نهاية المطاف كان لدى القوات المصرية أفضلية على حساب القوات الإسرائيلية، غير أن الرئيس السادات برؤيته الاستراتيجية الأبعد رأى أن الإنجاز العسكري الذي تحقق ما زال محدودًا وأن الحرب حققت أغراضها باعتبارها وسيلة من وسائل السياسة، ولابد من استكمال العمل السياسي بالدخول في مفاوضات لاستعادة كامل التراب الوطني المصري، كما يروي في مذكراته "البحث عن الذات".
وبناءً على ما تحقق في حرب أكتوبر، دخلت مصر وإسرائيل في مفاوضات فض الاشتباك الأولى والثانية ثم استمرت مصر في مفاوضات السلام التي سبق أن بادر الرئيس السادات بطرحها عند وصوله للسلطة في عام 1971 ورفضتها إسرائيل والولايات المتحدة وقتها، واستمرت المفاوضات المضنية إلى حين توقيع اتفاقية السلام المعروفة بكامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978، وهو ما وثقه الفريق أول كمال حسن علي، رئيس الوزراء ومدير المخابرات العامة (سابقا) في كتابه "محاربون ومفاوضون".

مبارك.. مواصلة مسيرة الحرب والسلام
كان مقررًا أن تستكمل إسرائيل انسحابها من الأراضي المصرية المحتلة، وفقًا لاتفاقية "كامب ديفيد" في 25 أبريل 1982، وقبيل موعد الانسحاب المقرر، حدثت عملية الاغتيال الشهيرة للرئيس أنور السادات في منصة العرض العسكري حين كان يحتفل بعيد النصر في 6 أكتوبر 1981.
وتولى الرئيس محمد حسني مبارك، الذي كان قبل عملية الاغتيال نائبًا للرئيس، منصب رئيس الجمهورية في 14 أكتوبر 1981، ولم يكن توليه سوى استمرار لرحلة كفاح طويلة بدأت منذ تخرجه في الكلية الحربية عام 1949، وعندما فتحت كلية الطيران أبوابها التحق بها وتخرج فيها عام 1950، حسبما ينقل عنه كتاب "كلمة السر.. مذكرات محمد حسني مبارك".
خاض الرئيس مبارك رحلة طويلة في صفوف القوات الجوية قبل وصوله إلى منصب رئيس الجمهورية، فعمل طيارا مقاتلا من تخرجه ولمدة عامين، ثم تولى مسؤولية تدريب طياري القوات الجوية من 1952: 1959، ثم سافر إلى روسيا عام 1964 لدراسة الدراسات العليا في أكاديمية فرونز العسكرية، وبعد عودته عايش هزيمة 1967 وما صاحبها من تدمير للقوات الجوية المصرية على أراضي المطارات، واستطاع خلال اليوم العصيب (5 يونيو 1967) أن يطير بسربه من قاذفات تي يو 16" إلى أسوان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وخلال عملية إعادة بناء القوات المسلحة، شغل منصب مدير الكلية الجوية وتولى الإشراف على عملية تدريب وتأهيل الطيارين المقاتلين استعدادًا للمعركة، وفي يونيو 1969، شغل منصب رئيس أركان القوات الجوية ووقتها كان برتبة عميد، وبعد ترقيته إلى رتبة اللواء تولى منصب قائد القوات الجوية في أبريل 1972، وعمل في تلك الفترة على إعداد خطة القوات الجوية ضمن خطة حرب أكتوبر التي ذكرنها.
وعقب حرب أكتوبر 1973، قرر الرئيس الراحل أنور السادات أن يختار محمد حسني مبارك ليشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي ظل فيه إلى أن اختير رئيسًا في استفتاء شعبي بعد أيام من اغتيال الرئيس السادات في 1981.
وعندما تولى رئاسة الجمهورية، كانت أمامه معركة أخرى تختلف في طبيعتها عن المعارك العسكرية، فقد رفضت إسرائيل الانسحاب من مدينة طابا في جنوب سيناء بدعوى أن العلامة الحدودية التي تحددها (العلامة 91) غير موجودة، وهو ما ذكره اللواء محمد إبراهيم الدويري، وكيل جهاز المخابرات العامة وعضو اللجنة القومية العليا لطابا (سابقا) في شهادته المنشورة عبر المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية بعنوان" طابا واستعادة السيادة بقوة القانون وبراعة التفاوض في المعركة الدبلوماسية".
وبناءً على نص اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وجب أن تُحل الخلافات بشأن طابا بطريق المفاوضات فإن لم تحل يتم اللجوء لآلية التحكيم الدولي، وبتوجيه من الرئيس محمد حسني مبارك تشكلت اللجنة القومية العليا لطابا، في 1985، من ممثلين عن وزارة الخارجية والقوات المسلحة والمؤسسات القانونية والعملية ودخلت مصر في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي لتحديد مواقع العلامات الحدودية الـ14 وآخرها العلامة 91 على الشريط الحدودي في طابا.
وبعد سجالات طويلة مع الجانب الإسرائيلي، قررت مصر اللجوء إلى التحكيم الدولي ووافقت إسرائيل على الخطوة بعد مماطلة، وعمل فريق مصري مكون من 25 خبيرا في المجالات المختلفة على إثبات مصرية طابا، وقدم الفريق المصري إلى المحكمة 29 خريطة تثبت مصريتها منها 6 خرائط مصرية، و4 وبريطانية، و4 وفلسطينية، و4 وإسرائيلية 10 وخرائط أخرى منها خريطة صادرة عن منظمة عصبة الأمم، وأخرى عن وزارة الخارجية الأميركية، وخرائط أخرى من الأمم المتحدة.
وفي 27 سبتمبر 1988 أصدرت محكمة التحكيم الدولية حكمًا نهائيا بأحقية مصر في طابا، وانسحبت إسرائيل منها في مارس 1989 طابا، ورفع الرئيس المصري محمد حسني مبارك العلم المصري على طابا في 19 مارس 1989، لتكتمل مسيرة التحرير بعد نحو 22 عامًا على احتلال الأراضي المصرية في 1967.
وعلى صعيد آخر، كانت مصر تخوض في عهد الرئيس حسني مبارك حربا ضد التنظيمات المتطرفة المسلحة التي حاولت اغتياله عدد من المرات وشنت سلسلة من الهجمات الإرهابية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وما أن فرغت مصر من هذا التهديد بعد إطلاق مبادرة مراجعات الجماعة الإسلامية فعليا في 2002 حتى ظهرت جماعة جديدة، في 2003، تسمي نفسها "التوحيد والجهاد"، متأثرة بجماعة أبو مصعب الزرقاوي في العراق، وشنت تلك الجماعة عمليات إرهابية في طابا ونويبع عام 2004، وشرم الشيخ 2005، ودهب عام 2006، واستطاعت مصر أن تقبض على غالبية كوادر الجماعة وأن تحتوي التهديد الإرهابي في تلك الفترة.

المجلس العسكري والحرب ضد الإرهاب
وبعد رحلة طويلة في رئاسة الجمهورية، تنحى الرئيس حسني مبارك عن الحكم، في 11 فبراير 2011، إثر احتجاجات شعبية اندلعت في يناير من نفس العام، وأدار المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي دفة الأمور في البلاد في تلك الفترة الحرجة.
وعقب الـ25 من يناير 2011، هاجمت مجموعات مسلحة عددًا من السجون وأطلقت سراح السجناء وكان ممن فر منها بعض كوادر جماعة التوحيد والجهاد الذين عادوا إلى سيناء حيث كانت العديد من المجموعات الإرهابية تنشط مستغلةً حالة الفراغ الأمني التي حدثت نتيجة الأحداث، وأسس هؤلاء جماعة جديدة سمت نفسها بأنصار بيت المقدس.
وبدأت الجماعات الإرهابية تظهر بشكل واضح في سيناء وتقوم بعمل عروض عسكرية دون أن تخشى مواجهة قوات الجيش المصري كما هاجم الإرهابيون مقرات أمنية منها قسم شرطة العريش، وظهر على الساحة تنظيم سمى نفسه جيش تحرير الإسلام تعهد بإعلان إمارة جهادية في سيناء وطرد قوات الجيش والشرطة وقوات حفظ السلام المسؤولة عن مراقبة تنفيذ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.
وبفعل زيادة النشاط الإرهابي، أطلق المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في أغسطس 2011، "العملية نسر" التي هدفت لتطهير سيناء من الخلايا الإرهابية، ونجحت قوات الجيش في ضبط العشرات من المسلحين بعضهم ينتمي لتنظيمات جهادية فلسطينية كجيش الإسلام الذي قاده الإرهابي ممتاز دغمش من قبل.
وبعد نحو عام، وفي ظل حكم الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان محمد مرسي، هاجم إرهابيون نقطة لقوات الجيش المصري وقتلوا 16 جنديا، وردًا على الهجوم أطلق الجيش المصري العملية نسر 2، والتي نفذت على مرحلتين أولهما خصصت لإعادة الانتشار الأمني في سيناء وثانيهما البناء على نتيجة المرحلة الأولى والعمل على القضاء على البؤر الإجرامية والإرهابية، وهي العملية التي تدخلت القيادة السياسية لإيقافها بعكس رغبة القيادة العسكرية في ذلك التوقيت.

السيسي.. حرب الحفاظ على سيناء ومصر
وفي 2013، أُطيح بالرئيس المعزول محمد مرسي، واندلعت موجة إرهابية غير مسبوقة في سيناء وفي محافظات أخرى، وبرز على الساحة مجموعة من التنظيمات الإرهابية أبرزها أنصار بيت المقدس الذي تكون من بقايا جماعة "التوحيد والجهاد" والمجموعات الأخرى التي نشطت في سيناء، وشن التنظيم سلسلة هجمات في سيناء والقاهرة والمنصورة وحاول اغتيال وزير الداخلية، وقتها، اللواء محمد إبراهيم، واستهدف مديريات الأمن في القاهرة والجيزة والدقهلية وغيرها من المقرات الأمنية والحكومية.
وبدوره، أدرك المشير، في ذلك التوقيت، عبد الفتاح السيسي أن التهديد الجديد ليس موجة عنف عابرة بل هي حملة مخططة هدفها انتزاع سيناء من الدولة المصرية وجعلها إمارة إرهابية مفصولة عن مصر وهو ما يخدم مصالح الأعداء، وأصدر "السيسي" في مارس 2014 قرارًا بإنشاء قوات التدخل السريع لتكون قوة نوعية قادرة على الانتشار السريع والتعامل مع التهديدات المختلفة، وهي خطوة استباقية أثبتت الأيام أنها كانت في محلها تماما، فبعد نحو 3 أشهر فقط برز تنظيم داعش في العراق وسوريا بصورة غير مسبوقة وسيطر على مدن ومساحات واسعة وأعلن تشكيل خلافة مكانية، في يونيو 2014، وتم إعلان الخلافة المزعومة بعد أقل من شهر على وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لقصر الاتحادية بعد فوزه الانتخابات التي جرت في نفس العام.
وفي أواخر 2014، حول تنظيم أنصار بيت المقدس ولاءه لداعش وسمى نفسه بولاية سيناء، ونفذ التنظيم هجمات إرهابية كبيرة ضد ارتكازات الجيش والشرطة في سيناء، وردًا على هذا التهديد أطلق الجيش المصري في عام 2015 عملية حق الشهيد ضد البؤر الإرهابية الموجودة في سيناء، وبالتوازي مع العمليات العسكرية بدأ الجيش المصري تدريب وحدات نوعية على أعمال مكافحة الإرهاب للتصدي للتهديد الذي تشكله هذه المجموعات الإرهابية بعدما كان تدريب مكافحة الإرهاب قاصرًا على وحدات مخصوصة في القوات المسلحة، وبذلك أصبح لدى الجيش المصري قوات قادرة على خوض حروب العصابات دون أن تتأثر الوحدات والتشكيلات المدربة على خوض الحروب ضد الجيوش النظامية.
وفي يوليو 2015، كانت مصر على موعد مع مخطط خطير استهدف احتلال سيناء عن طريق التنظيمات الإرهابية، فأطلق تنظيم أنصار بيت المقدس/ ولاية سيناء هجومًا شاملا استهدف كل ارتكاز وكمائن الجيش المصري في الشيخ زويد وأعلنت فضائيات إخبارية غير مصرية نبأ سقوط الشيخ زويد في قبضة الإرهابيين حتى قبل بدء الهجمات وهو ما لم يتم فعلا، وأراد داعش أن يكرر تجربة إسقاط مدينة الموصل العراقية ليعلن ولاية مكانية في سيناء.
وببسالة تماثل تلك البسالة التي قاتل بها جنود وضباط الجيش المصري ضد العدو الإسرائيلي، في 6 أكتوبر 1973، خاض جنود وضباط الجيش المصري معركة حاسمة في الشيخ زويد حتى قبل وصول قوات الدعم وتمكنوا من إفشال الهجوم ومنذ ذلك الحين انكسرت الموجة الكبرى للهجمات الإرهابية وإن لم تنتهِ فقد كانت التنظيمات الإرهابية يصل لها الدعم من أطراف خارجية عدة.
على أن الجيش المصري كان يقاتل في ظروف صعبه وكان لزاما عليه أن يقوم بالتعامل مع مئات الأنفاق الحدودية الممتدة بين غزة وسيناء وهو ما تم بعد أن أنشأ الجيش منطقة عازلة حدودية، وكذلك كان عليه أن يُعدل بالاتفاق مع الجانب الإسرائيلي اتفاقية كامب ديفيد ليدخل عدد أكبر من القوات إلى سيناء لمحاربة التنظيمات الإرهابية، وبالفعل عُدلت الاتفاقية رسميًا، بينما كان الجيش المصري يستعد لأكبر حملة عسكرية في سيناء منذ أكتوبر 1973، ففي 2018، أطلق الجيش العملية الشاملة سيناء 2018 التي كانت حملة منسقة ومركزة على البؤر الإرهابية في شمال سيناء شملت هجمات مركزة على معاقلها وفي نفس الوقت كان الجيش يشن حملة على الحدود الليبية لمنع تسلل الإرهابيين أو تهريب السلاح، وفي هذه العملية قُتل جل قادة وأفراد تنظيم أنصار بيت المقدس الذي سمى نفسه بولاية سيناء.
وعلى مدار العامين التاليين، ركز الجيش المصري على تفكيك ما تبقى من الخلايا الإرهابية وتطهير البؤر الأخيرة في شمال سيناء، لتصبح أرض الفيروز خالية من الإرهاب نهائيا وينهزم المتطرفون فيها تمامًا كما انهزم الجيش الإسرائيلي قبل عقود.
وبنظرة تحليلية للنهج المصري في مكافحة الإرهاب، يتضح أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان لديه رؤية استراتيجية تتخطى حدود اللحظة الحالية، وقامت هذه الرؤية على أساس إدراك التهديدات على جميع الأصعدة الاستراتيجية ولذا فإن مصر لم تبارح مكانها ولا توقفت عن الأدوار التي التزمت بها تجاه قطاع غزة المجاور لسيناء، ففي حين كانت معركة التنمية تستمر في سيناء بعد دحر الإرهاب، عن طريق المشروعات القومية والمدن الجديدة المخصصة لأهالي سيناء الذين ساندوا الدولة المصرية في حربها ضد التنظيمات المتطرفة، عملت أجهزة الدولة المصرية المختلفة، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة، بمسؤولية على ملف قطاع غزة.
ورغم وجود تحفظات مصرية عديدة على نهج حماس التي انحازت لإخوانيتها على حساب قضيتها لفترة طويلة قبل أن تتدارك الأمر بعد التغيرات القيادية التي تمت فيها في 2017، حافظت مصر على لعب أدوار محورية في القضية الفلسطينية فتوسطت لوقف الحرب الإسرائيلية على القطاع في 2021 ونجحت في استعادة التهدئة، وخصص الرئيس المصري مبلغ 500 مليون دولار كمبادرة منه لإعادة إعمار غزة بعد هذه الحرب، وبالفعل دخلت المعدات المصرية إلى القطاع وشرعت في العمل.
وبنت مصر 3 مدن في قطاع غزة، على مدار الفترة التالية وحتى بدء الحرب الجارية حاليا، وأقامت كورنيشا على ساحل بحر غزة عرف بكورنيش مصر، لكن الحرب الأخيرة التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 دمرت ما بنته مصر.
وفي خضم الحرب الجارية، عملت مصر على الحفاظ على ثوابت القضية الفلسطينية فرفضت تهجير الفلسطينيين إلى خارج القطاع لأنها تدرك وجود مشروعات إسرائيلية قديمة لتصفية القضية على حساب دول الجوار، وتمسكت بموقفها حتى لا تنتهي القضية الفلسطينية، وانخرطت في الوساطة لوقف إطلاق النار، دون أن تعير انتباه لحملة التشويه التي طالتها لإجبارها على التخلي على الفلسطينيين.
وعندما طرحت إسرائيل والولايات المتحدة فكرة التهجير من جديد، خلال العام الجاري، رفضت مصر هذا المبدأ ودفعت في اتجاه وقف الحرب وحتى الآن تواصل، إلى جانب دول أخرى، لعب دور الوسيط بموضوعية وتسابق الزمن من أجل التوصل لوقف الحرب وتستضيف وفود المفاوضات الفلسطينية والإسرائيلية في سيناء في الذكرى الـ52 لحرب أكتوبر 1973، لترسل رسالة مفادها أن مصر السيسي المستضيفة للمفاوضات الآن والراغبة في الحفاظ على الأمن الإقليمي هي نفسها مصر السادات التي حاربت واستردت سيناء بالسياسة والسلاح، وأنها ما تزال قوية وقادرة وتقف سدًا في وجه أحلام التوسع الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين والمنطقة العربية ككل.



