وجه جديد للتوحد.. دراسة تكشف أنه ليس مرضًا واحدًا بل عوالم مختلفة داخل الدماغ
كشفت دراسة علمية حديثة أن التوحد ليس اضطرابًا واحدًا كما يعتقد كثيرون، بل هو مجموعة من الحالات المختلفة التي تشترك في بعض السمات السلوكية والعصبية، ويؤكد الباحثون أن ما نراه من اختلاف في أعراض التوحد بين الأشخاص ناتج عن تنوع جيني واسع، يجعل كل تجربة فريدة من نوعها.
وأوضحت الدراسة التي نُشرت في مجلة نيتشر أن الأشخاص الذين يتم تشخيصهم بمرض التوحد في سن متأخرة، سواء في المراهقة أو البلوغ، لا يعانون بالضرورة من شكل “أخف” من الاضطراب كما كان يُعتقد، بل من نوع مختلف تمامًا من التوحد له بصمة جينية مميزة.
ووفقًا للبروفيسور فارون واريير من جامعة كامبريدج، فإن التحليل الوراثي كشف أن السمات الجينية للأشخاص الذين يُشخَّصون متأخرًا تتقاطع مع اضطرابات مثل الاكتئاب واضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، مما يجعل من التوحد حالة أكثر تعقيدًا من مجرد خلل واحد في النمو العصبي.
وتقول جيرالدين داوسون، مديرة مركز ديوك للتوحد وتطور الدماغ، إن التوحد لا يمكن النظر إليه كاضطراب واحد له سبب محدد، بل هو "مظلة" تشمل مجموعة من الاضطرابات التي تتشابه في بعض السلوكيات ولكن تختلف في أصلها الجيني والبيئي.
وأشارت الباحثة أليسيا هالاداي من مؤسسة علوم التوحد إلى أن النتائج الجديدة تؤكد مدى تأثير العوامل الوراثية في تشكيل السمات والسلوكيات، مضيفةً: "لا يوجد سبب واحد لـ التوحد، بل شبكة معقدة من التأثيرات الوراثية والبيئية".
كيف تتشكل السمات عبر الجينات؟
اعتمد الباحثون في الدراسة على تحليل بيانات أكثر من 45 ألف شخص مصاب بـ التوحد من أوروبا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى بيانات سلوكية طويلة الأمد لأطفال من بريطانيا وأستراليا.
لم يبحث العلماء عن جين واحد مسؤول عن الحالة، بل عن مجموعات من آلاف المتغيرات الجينية التي تعمل معًا لتشكيل أنماط معينة. فبينما قد تسبب بعض الجينات صعوبات في التفاعل الاجتماعي منذ الطفولة المبكرة، قد تظهر تأثيرات مجموعات أخرى في مراحل لاحقة من العمر.
تشخيص متأخر ومعاناة خفية
توضح الدراسة أن بعض الأطفال المصابين بـ التوحد لا يُكتشفون مبكرًا لأن سماتهم لا تكون واضحة في البداية، ما يجعلهم عرضة لسوء الفهم والتشخيص الخاطئ. وتشير الأرقام إلى أن 22% من الحالات تُشخّص قبل سن الرابعة، بينما يتم اكتشاف 16% فقط خلال سنوات المراهقة.
وتُظهر الإحصاءات أن النساء أكثر عرضة للتشخيص المتأخر؛ إذ إن ربع النساء المصابات بالتوحد لم يُشخّصن إلا بعد سن التاسعة عشرة، مقارنة بـ12% فقط من الرجال.
قصص من الواقع: عندما يغيّر التشخيص الحياة
تروي أدلين لاكروا، من تورنتو، قصتها مع التوحد، إذ عانت منذ طفولتها من صعوبة في تكوين الصداقات وفهم سخرية الآخرين رغم تفوقها الدراسي. ظلت لسنوات تشعر بالارتباك والاختلاف حتى تم تشخيصها بالتوحد في سن الثلاثين، لتجد تفسيرًا لكل ما مرت به.
وبعد التشخيص، غيّرت مسار حياتها، ودرست علم النفس والأعصاب، وأصبحت باحثة في مركز متخصص في الصحة النفسية. تقول أدلين: "أخيرًا فهمت نفسي، وتصالحت مع طريقتي في رؤية العالم".
ويعاني كثير من المراهقين والبالغين الذين يُشخّصون متأخرًا من التوحد من مشكلات في الصحة النفسية، أبرزها الاكتئاب والقلق، نتيجة لسنوات من عدم الفهم أو الدعم.
ويقول واريير إن هذه الصعوبات ليست فقط نتيجة الاستعداد الوراثي، بل أيضًا بسبب البيئة الاجتماعية، مثل التنمر أو قلة الوعي. فالأشخاص الذين لا يُشخّصون في وقت مبكر غالبًا ما يحاولون “الاندماج بالقوة”، مما يترك آثارًا نفسية طويلة الأمد.
ويرى العلماء أن الخطوة المقبلة في أبحاث التوحد يجب أن تركز على العوامل الاجتماعية والدعم المجتمعي، لا على الأسباب فقط. فالفهم العلمي وحده لا يكفي إن لم يُترجم إلى سياسات دعم وتعليم وتوعية.
ويؤكد واريير أن التوحد ليس مجرد اختلاف في طريقة عمل الدماغ، بل أيضًا تجربة إنسانية تتأثر بالبيئة، بالحب، وبالقبول.
تؤكد نتائج الدراسة أن التوحد حالة معقدة ومتعددة الأوجه، لا يمكن اختزالها في تعريف واحد أو سبب واحد. وكل شخص مصاب بالتوحد يحمل داخله تركيبة فريدة من الجينات والتجارب التي تصنع طريقه الخاص في الحياة.

