رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كثيراً ما تنازعتني مشاعر متضاربة وأنا أتابع تفاصيل المشهد اليومي من حولنا، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر حالة الإحباط وخيبة الأمل التي تنتابني أحياناً حين أطالع بعض النماذج السيئة والسفاسف التي تفرزها منصات التواصل الاجتماعي وتتصدر واجهة المشهد الافتراضي وكأنها تسعى لطمس الملامح الحقيقية للشخصية المصرية العريقة وتسطيح وعي أجيال بأكملها؛ غير أن أرحام هذه الأرض الطيبة لا تكف عن الإنجاب، وتظل مصر دوماً ولّادة قادرة على إنجاب المبدعين والنابغين الذين يثبتون في كل محطة أن الإنسان المصري يمتلك بالفطرة والجينات الوراثية قدرات استثنائية وخاصة تجعله متميزاً وقادراً على قهر الصعاب وصناعة المعجزات متى توفرت له البيئة الداعمة.

وهذا هو اليقين الراسخ الذي تجسد بوضوح ساطع أمامنا حين طالعنا قصة النابغة الصغيرة ميار محمد رجب عثمان، ابنة مدينة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، التي توجت بلقب بطلة مسابقة تحدي القراءة العربي في دورتها العاشرة؛ وهو إنجاز تاريخي فريد امتد عالمياً ليغطي مساحة واسعة ضمت عشرات الدول حول العالم وتحديداً الجاليات والطلبة المهتمين باللغة العربية، حيث تنافست ميار ضمن تصفيات ضخمة ومحمومة ضمت أكثر من أربعين مليون طالب وطالبة من ستين دولة، بعد أن انتزعت بجدارة المركز الأول في تصفية التصفيات على مستوى جمهورية مصر العربية من بين أكثر من سبعة عشر مليوناً وستمائة ألف طالب.

وفي قلب النهائيات والمنافسة العالمية الكبرى على أرض دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وقفت ابنة البرلس لتثبت جدارتها وتتوج بالمركز الأول رافعة اسم وطنها عالياً، لتتألق بتلك الروح الوطنية الوثابة حين سئلت بتلقائية ووعي عميق عن سر تفوقها ولماذا تفوز مصر دائماً بالجائزة الأولى، فكان ردها العفوي والواثق: «لأنها أم الدنيا»، لتؤكد بكلماتها البسيطة والنافذة أنها تحمل بداخلها ذات الجينات الوراثية المصرية الأصيلة لصانعة الحضارة والثقافة والتاريخ، ومؤكدة بفخر واعتزاز أنها ابنة مصر التي لا تقبل سوى بالقمة والمركز الأول، معلنة بكل يقين أن الرقم واحد هو المكان الطبيعي واللائق بابنة هذه الأرض العريقة.

ولقد واكب هذا التتويج العظيم استقبال مصري مهيب وخالص الصدق بدأ منذ لحظة إعلان فوزها وتتويجها، ليتواصل رسمياً وشعبياً بصورة تليق بعظمة الإنجاز؛ فقد كان في استقبالها بمطار القاهرة الطيار دكتور سامح الحفني وزير الطيران المدني في مشهد يعكس تقدير الدولة لأبنائها النابغين، كما استقبلها السيد محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، والدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، تقديراً لجهدها وموهبتها، في حين وصفها الدكتور ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام بكلمات لافتة حين قال عنها إنها «وزيرة إعلام مصر في المستقبل» ودعاها للقائه احتفاءً بذكائها وطلاقتها.

وتكامل هذا التقدير الرسمي مع استقبال شعبي حافل فور خروجها من المطار، وصولاً إلى مسقط رأسها في مدينة برج البرلس التي شهدت احتفالية تاريخية كبرى شاركت فيها مسيرة سيارات ضخمة امتدت لنحو أربعة كيلومترات من بلطيم حتى البرلس، فيما خلد الفنان التشكيلي أحمد مصباح هذه اللحظة برسم جدارية ضخمة بطول أربعين متراً عند مدخل المدينة احتفاءً بتمثيلها المشرف لمصر.

وترك هذا الاحتفال الجارف أثراً نفسياً ومعنوياً عميقاً في روح الطفلة ميار، مؤكدةً بأفعالها وأقوالها أن تصبح مفتاحاً يقدم لمن في مثل عمرها ولكل أبناء مصر لتكون نبراساً يحتذى به في حب الوطن والاجتهاد.

غير أن الأجمل من الاحتفال والتشريف كان ذلك الوعي المبكر والنضج المذهل الذي ألمحته ميار في كلماتها وأحلامها حين وجهت رسالة بليغة لأبناء جيلها تدعوهم فيها قائلة: «اقرأوا لتحيوا بدل العمر أعماراً»، معبرة في الوقت ذاته عن طموحها الواسع في العمل الإعلامي مستقبلاً لمواصلة رحلة الشغف باللغة والمعرفة.

بل والأكثر إثارة للإعجاب والتأمل هو ذلك التفكير الراقي والمسؤول الذي أبدته عندما سئلت عن كيفية إدارة القيمة المادية للجائزة، إذ أعلنت عن رغبتها في إنشاء مكتبة كاملة في مدرستها على نفقتها الخاصة لتكون منارة أمل لزملائها، وهو تصرف نبيل يعكس معدناً نادراً ونخوة مصرية خالصة تؤكد أن العطاء هو المعيار الحقيقي للنجاح والتميز.

وأمام هذا النموذج المضيء، فإن مصر بكل مؤسساتها وقاماتها لابد أن تحرص أشد الحرص على رعاية ميار وأمثالها من عباقرة الأجيال الجديدة، وتكرار ودعم مثل هذه النماذج المضيئة في شتى المجالات، وتقديمهم كقدوة حقيقية ومثل أعلى يحتذى به في المدارس ووسائل الإعلام والمحافل العامة بدلاً من ترك الساحة للمحتوى الهابط والأسماء المصنوعة زيفاً.

إن رعاية الموهوبين ليست ترفاً فكرياً بل هي قضية أمن قومي ثقافي واستثماري حقيقي في مستقبل هذا الوطن، فالمصريون حين يجدون الطريق القويم يدهشون العالم بقدراتهم الإبداعية الخارقة.


وفي الختام، فإننا اليوم أمام حقيقة لا تقبل الشك وهي أن بناء الإنسان المصري واعياً ومستنيراً ومسلحاً بالعلم والمعرفة، هو الضمانة الحقيقية والركيزة الأساسية لحماية هويتنا ودعم أركان الجمهورية الجديدة التي نبتغيها لمصر المستقبل.


إن هذا الاستثمار الحقيقي في عقول أطفالنا وشبابنا هو السلاح الأبقى الذي يصنع الغد ويحرس مقدرات هذا الوطن، فنحن بحاجة ماسة إلى الاحتفاء الدائم بصناع الأمل وحراس الهوية، وإبراز هذه النماذج المضيئة التي تغسل عقولنا من أدران الإحباط، لتظل شمس هذه الأمة ساطعة لا تغيب، وليبقى نهر الإبداع المصري طاهراً دفقاً يروي ضمير الإنسانية جمعاء على مر العصور.

[email protected]

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء