بود كاست من زمن ليس ببعيد، كان الظهور على الشاشات يتطلب قدرًا كبيرًا من العلم والثقافة والرقي، وكانت البرامج تخضع لإعداد دقيق، وكان المحتوى يحمل بالضرورة رسالة وتأثيرًا، ويؤدي وظيفة تعليمية أو تثقيفية لجمهور واسع من مختلف الأجيال.
لكن بعد ثورة الإنترنت وانتشار المنصات الرقمية، تغير كل شيء. اتسعت مساحة التعبير، وأصبح الوصول إلى الجمهور متاحًا للجميع، وهي ميزة لا يمكن إنكارها، لكن هذه المساحة المفتوحة تحولت، في كثير من الأحيان، إلى حالة من الفوضى التي ظلمت الكثيرين واستباحت الكثير من القيم المهنية.
لقد ظلمت أصحاب الفكر والرسالة والمحتوى الثري المحترم، كما أصابت كثيرًا من الإعلاميين بالذهول أمام ما يُقدم عبر المنصات المختلفة. أصبح كل إنسان مذيعًا ومفتيًا وناقدًا وعالمًا وسياسيًا واقتصاديًا، دون أن تكون هناك دائمًا خلفية علمية أو مهنية تؤهله لذلك، وفي غياب واضح للضوابط والمعايير التي تميز بين الرأي والمعرفة، وبين الخبرة والادعاء.
وفي خضم هذا الزحام، أصبح صاحب المحتوى الحقيقي والجيد تائهًا وسط مئات البرامج والمقاطع القصيرة التي لا تضيف كثيرًا إلى وعي المتلقي أو معرفته.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أصبحنا نرى النجوم أنفسهم يتنقلون من بودكاست إلى آخر، يروون الحكايات ذاتها ويكررون الروايات نفسها، حتى فقدنا شيئًا من شغفنا برؤية من كنا ننتظر ظهورهم بشغف. لقد أصبح النجم متاحًا في كل وقت، وفي كل مكان، وبكل الكلام، حتى تراجعت قيمة الانتظار وخصوصية اللقاء.
إنني لا أعترض على البودكاست باعتباره وسيلة إعلامية حديثة، ولا على حق الجميع في التعبير عن آرائهم، ولكنني أتساءل عن قيمة ما يُقدم، وعن المعايير التي تحكم هذا التدفق الهائل من المحتوى، وعن نصيب المجتمع من المعرفة الحقيقية وسط كل هذا الضجيج.
إننا في حاجة إلى أن نعطي كل ذي حق حقه، وأن نمنح أصحاب العلم والثقافة والخبرة والحكمة فرصة حقيقية للظهور والانتشار، وأن نعيد الاعتبار للمحتوى الذي يثري العقول ويبني الوعي، بدلًا من أن نترك الجمهور فريسة للخرافة والمعلومات المغلوطة والآراء التي تُقدم في ثوب الحقائق.
فالمجتمع الذي يغرق في الجهل والخرافة لا يحتاج إلى مزيد من المتحدثين بقدر ما يحتاج إلى من يملكون العلم والقدرة على التفسير والتنوير.
لذلك ينبغي ان لاتتخلي المؤسسات الاعلاميه عن دورها الأساسي في التنوير والوعي وإعطاء المساحه والفرصه لاصحاب الخبرات والعلم والثقافه،،،
نأمل ان ننتبه الي الخطر الذي أمامنا وندعه تحت مظله من الرقابه والالتزام بمعايير العقل والعلم معاً.