المتحف المصري الكبير.. قصة 3 عقود من الحلم وحصاد عام من الافتتاح
تحل اليوم الأحد، الذكرى الأولى للافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، الذي شهد في الأول من نوفمبر عام 2025 حدثًا استثنائيًا جذب أنظار العالم إلى مصر، باعتباره أحد أضخم المشروعات الحضارية والثقافية في تاريخها الحديث، وصرحًا يضم كنوز الحضارة المصرية القديمة في تجربة متحفية متكاملة، تتجاوز فكرة عرض الآثار إلى دعم السياحة والاستثمار وتعزيز القوة الناعمة المصرية.
وشهد حفل الافتتاح حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته، إلى جانب نحو 80 وفدًا دوليًا، من بينها 39 وفدًا برئاسة ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات، في احتفالية عكست مكانة مصر الحضارية وأهمية المشروع على المستوى الدولي، فيما بدأ المتحف استقبال الجمهور رسميًا في 4 نوفمبر 2025.
إقبال جماهيري وإيرادات
وخلال عامه الأول، استقبل المتحف المصري الكبير نحو 5 ملايين زائر منذ افتتاحه الرسمي في نوفمبر 2025 وحتى أكتوبر 2026، بعدما سجل نحو 4 ملايين زائر بنهاية أغسطس من العام نفسه، وفق تصريحات الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير. ولم يقتصر الحصاد على الإقبال الجماهيري، إذ أكد غنيم أن إيرادات المتحف خلال عامه الأول غطت تكاليف التشغيل وحققت فائضًا، في مؤشر على قدرته على تحقيق الاستدامة المالية، رغم عدم إعلان القيمة التفصيلية للإيرادات أو حجم الفائض. كما كشف عن نتائج استطلاعات رأي أظهرت أن أكثر من 20 مليون شخص يعتزمون زيارة المتحف خلال السنوات الأربع المقبلة، بما يعكس حجم الاهتمام الدولي بهذا الصرح الحضاري.

حلم بدأ قبل 3 عقود
لم يكن إنشاء المتحف المصري الكبير وليد اللحظة، بل جاء نتاج رحلة طويلة بدأت ملامحها عام 1992، قبل وضع حجر الأساس في عام 2002، وإطلاق مسابقة دولية لتصميم المشروع بإشراف منظمة اليونسكو والاتحاد الدولي للمهندسين المعماريين، فاز بها مكتب «Heneghan Peng Architects» الأيرلندي، بتصميم معماري يستلهم أشعة الشمس الممتدة من قمم أهرامات الجيزة.
وبدأت أعمال البناء في مايو 2005، وشهد عام 2006 إنشاء مركز ترميم الآثار، الذي افتتح عام 2010، ليكون أحد المكونات الأساسية للمشروع، فيما صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2795 لسنة 2016 بشأن إنشاء وتنظيم هيئة المتحف المصري الكبير، ثم صدر القانون رقم 9 لسنة 2020 لإعادة تنظيم الهيئة باعتبارها هيئة عامة اقتصادية.
واكتمل تشييد المبنى الرئيسي للمتحف عام 2021، على مساحة إجمالية تتجاوز 300 ألف متر مربع، لتبدأ مرحلة جديدة من التجهيز والإعداد لاستقبال الزائرين، وصولًا إلى الافتتاح الرسمي في نوفمبر 2025، بعد رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، وتجاوزت استثمارات المشروع خلالها مليار دولار.

كنوز تروي حكاية مصر
ويُعد المتحف المصري الكبير أكبر متحف أثري في العالم مخصص لحضارة واحدة، إذ يقدم سردًا متكاملًا لتاريخ مصر القديمة، بداية من عصور ما قبل الأسرات وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني، من خلال مجموعات أثرية نادرة تبرز تطور الحضارة المصرية عبر آلاف السنين.
وتأتي مجموعة الملك توت عنخ آمون في مقدمة أبرز مقتنيات المتحف، حيث تُعرض كاملة للمرة الأولى منذ اكتشاف مقبرة الملك في نوفمبر 1922، بما يتيح للزائرين التعرف على مختلف جوانب حياة الملك الشاب ومقتنياته الجنائزية، إلى جانب مجموعة الملكة حتب حرس، ومتحف مراكب الملك خوفو، وغيرها من القطع الأثرية التي تمثل محطات مهمة في تاريخ مصر القديم.
ولا تقتصر تجربة المتحف على قاعات العرض الدائمة، بل تضم مجموعة متنوعة من المرافق والخدمات، من بينها متحف للأطفال، ومركز تعليمي، وقاعات للمعارض المؤقتة، وسينما، ومركز للمؤتمرات، فضلًا عن المحال التجارية والمطاعم والكافيتريات، والحدائق والمساحات المفتوحة، بما يجعله وجهة ثقافية وسياحية متكاملة تناسب مختلف الفئات العمرية.

تجربة تتجاوز العرض المتحفي
وفي إطار الاستعداد لتشغيل المتحف وتقديم تجربة متكاملة للزائرين، جرى في أبريل 2021 توقيع عقد تشغيل خدمات الزائرين مع تحالف «حسن علام»، الذي يضم عددًا من الشركات المصرية والدولية، لتوفير الخدمات اللازمة وإدارة المرافق بما يتناسب مع طبيعة المشروع وحجمه ومكانته العالمية.
ويعكس هذا التوجه أهمية الاستعانة بالخبرات المتخصصة في إدارة المواقع الثقافية والسياحية الكبرى، مع العمل على تقديم خدمات تليق بقيمة المقتنيات الأثرية، وتضمن سهولة حركة الزائرين وتنوع الأنشطة والخدمات المقدمة لهم داخل المتحف.

ليالٍ إضافية في القاهرة
ويمثل المتحف المصري الكبير إضافة مهمة لخريطة السياحة المصرية، خاصة السياحة الثقافية والأثرية، في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات تاريخية وحضارية فريدة. وتشير البيانات المتعلقة بالقطاع السياحي إلى أن السياح القادمين إلى المدن الأثرية والثقافية، مثل القاهرة والجيزة والأقصر وأسوان، يمثلون نحو 38% من إجمالي السياح، مقابل 62% للمدن الترفيهية والشاطئية.
وتكتسب السياحة الثقافية أهمية اقتصادية كبيرة، إذ يزيد متوسط إنفاق السائح المهتم بالآثار والثقافة على ثلاثة أضعاف متوسط إنفاق السائح الشاطئي، وهو ما يمنح المتحف دورًا يتجاوز استقبال الزائرين إلى المساهمة في زيادة العائد السياحي، وتنشيط الحركة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع.
كما ساهم افتتاح المتحف في زيادة مدة إقامة زوار القاهرة بنحو ليلة أو ليلتين، بعدما أصبح أحد أبرز المقاصد التي يحرص السائحون على زيارتها، وهو ما انعكس على النشاط الفندقي والسياحي في منطقة الجيزة، وشجع على تنامي الاستثمارات المرتبطة بالخدمات السياحية والإقامة والضيافة.

قوة مصر الناعمة
وعلى المستوى الثقافي، يمثل المتحف المصري الكبير أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، بما يقدمه من صورة متكاملة عن الحضارة المصرية القديمة، ويعززه من حضور مصر على خريطة المؤسسات والمتاحف العالمية، فضلًا عن دوره في فتح آفاق جديدة للتعاون الثقافي والبحثي مع المؤسسات الدولية والباحثين والمتخصصين في علوم الآثار والترميم والمتاحف.
كما يتيح المشروع فرصًا أوسع لتبادل الخبرات في مجالات الحفاظ على التراث وإدارة المجموعات الأثرية، ويعزز اهتمام الأجيال الجديدة بالحضارة المصرية من خلال البرامج التعليمية والأنشطة المخصصة للأطفال والطلاب والباحثين.

تحديات المرحلة المقبلة
ومع مرور عام على افتتاح المتحف، تبرز مجموعة من التحديات التي ترتبط بالحفاظ على مستوى الإقبال الجماهيري وضمان استمرار جاذبيته للزائرين، وهو ما يتطلب تطويرًا مستمرًا للمحتوى المتحفي، وتنظيم معارض مؤقتة وفعاليات وبرامج تعليمية متنوعة، بما يمنح الجمهور أسبابًا متجددة للزيارة.
كما تظل مواكبة التطور التكنولوجي في وسائل العرض والإرشاد وتوفير الخدمات بلغات متعددة من الملفات المهمة، إلى جانب الحفاظ على القطع الأثرية وفق أعلى المعايير العلمية، وإدارة حركة الحشود، وتطوير الخدمات المقدمة للزائرين، بما يضمن تحقيق التوازن بين استقبال أعداد كبيرة من الجمهور وصون المقتنيات الأثرية.
وبعد عام على افتتاحه، يواصل المتحف المصري الكبير ترسيخ مكانته باعتباره مشروعًا حضاريًا وسياحيًا واقتصاديًا متكاملًا، تتويجًا لحلم بدأ قبل أكثر من ثلاثة عقود، واستثمارات تجاوزت مليار دولار، ليصبح أحد أبرز الوجوه المعاصرة للحضارة المصرية، ونافذة تطل منها كنوز الماضي على العالم.





