رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رغم تحركات الخارجية الأمريكية لدعم بولسونارو..دي سيلفا يفوز بولاية رابعة في البرازيل

دا سيلفا
دا سيلفا

كشفت وكالة «رويترز»، في تحقيق نشرته قبل إعلان نتائج الانتخابات البرازيلية، عن تحركات قادها مسؤولان في وزارة الخارجية الأمريكية بهدف إعادة عائلة بولسونارو اليمينية إلى السلطة، عبر إجراءات وضغوط استهدفت إضعاف الرئيس اليساري المنتهية ولايته لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وتعزيز فرص منافسه فلافيو بولسونارو.

فوز دي سيلفا

واستند التحقيق إلى إفادات 10 مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين لديهم معرفة مباشرة بالتحركات، التي شملت الدفع نحو فرض عقوبات وإجراءات عقابية على البرازيل، فيما لم تتمكن الوكالة من تحديد مدى صدور تلك التحركات بتوجيه مباشر من البيت الأبيض أو وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. 

وعلى الرغم من هذه التحركات، فاز لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة غير متتالية، بعد تغلبه على منافسه المحافظ فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، في جولة الإعادة التي جرت الأحد، وفق النتائج الرسمية التي أعلنتها الهيئة الانتخابية البرازيلية.

وأظهرت النتائج النهائية تقدم لولا بنسبة 51.76% من الأصوات، مقابل 48.24% لفلافيو بولسونارو، بعدما انتهت عملية فرز الأصوات وأصبح تقدم الرئيس المنتهية ولايته حاسمًا. 

ويمثل الفوز محطة بارزة في تاريخ السياسة البرازيلية، إذ تمكن لولا من قلب نتيجة الجولة الأولى التي تقدم فيها منافسه، ليضمن ولاية جديدة في أكبر دول أمريكا اللاتينية. 

تحركات أمريكية لدعم عائلة بولسونارو

وبحسب تحقيق «رويترز»، قاد المسؤولان الأميركيان دارين بيتي، المستشار البارز لشؤون نصف الكرة الغربي والمشرف على ملف البرازيل، وريكاردو بيتا، الذي رُقّي هذا العام إلى منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون أمريكا الشمالية، تحركات داخل وزارة الخارجية الأمريكية بهدف إعادة عائلة بولسونارو إلى السلطة.

وذكر التحقيق أن المسؤولين وجّها دبلوماسيين أميركيين في البرازيل، قبل انطلاق الحملة الانتخابية بأشهر، إلى التعامل مع عودة الرئيس السابق جايير بولسونارو إلى الحكم باعتبارها سياسة أميركية، رغم استبعاده من الترشح وإدانته لاحقًا بالتخطيط لانقلاب عقب خسارته انتخابات عام 2022.

وبعد صدور حكم بالسجن لمدة 27 عامًا بحق جايير بولسونارو في سبتمبر 2025، انتقلت التحركات، وفق المصادر التي تحدثت إلى الوكالة، إلى دعم ترشح نجله فلافيو، عضو مجلس الشيوخ والمرشح المحافظ في الانتخابات الرئاسية، مع توجيه تعليمات إلى موظفي السفارة الأميركية بعدم التواصل مع مرشحين محافظين آخرين قد ينافسونه على الأصوات.

فرض عقوبات

وأشار التحقيق إلى أن المسؤولين دفعا باتجاه اتخاذ إجراءات أميركية ضد البرازيل، من بينها فرض عقوبات على قاضٍ في المحكمة العليا البرازيلية، ألكسندر دي مورايس، الذي قاد التحقيقات المتعلقة بالرئيس السابق، فضلًا عن دعم مقترحات لتصنيف عصابات إجرامية برازيلية على أنها منظمات إرهابية.

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق من مدى تنفيذ المسؤولين هذه التحركات بناءً على تعليمات مباشرة من البيت الأبيض أو وزير الخارجية ماركو روبيو. ولم يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأييده العلني لأي من المرشحين، رغم دفاعه المتكرر عن جايير بولسونارو منذ خسارته انتخابات 2022.

ورفض البيت الأبيض التعليق على ما ورد في التحقيق، وأحال الاستفسارات إلى وزارة الخارجية. من جانبها، قالت الوزارة إن الإجراءات الأميركية تستهدف حماية المصالح الأميركية ومكافحة تهريب المخدرات والدفاع عن حرية التعبير، مؤكدة أن للشعب البرازيلي الحق في اختيار قادته عبر انتخابات حرة ونزيهة. 

موقع اليسار في أميركا اللاتينية

وبفوزه، لم تنضم البرازيل إلى موجة التحولات السياسية نحو اليمين التي شهدتها دول في أميركا اللاتينية، بل حافظت على موقعها ضمن أبرز معاقل التيارات التقدمية في المنطقة، في وقت يسعى فيه ترامب إلى تعزيز علاقاته بالقوى اليمينية في عدد من دولها.

وخلال حملته الانتخابية، جعل لولا من السيادة الوطنية محورًا رئيسيًا لخطابه السياسي، في مواجهة ما اعتبره ضغوطًا تجارية ودبلوماسية أميركية ومحاولات للتأثير على القرار البرازيلي. كما تعهد بتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتعزيز الإجراءات الداعمة للفئات الأقل دخلًا.

ومن المقرر أن يبدأ لولا ولايته الجديدة في يناير 2027، بعدما سبق له تولي الرئاسة لفترتين متتاليتين بين عامي 2003 و2010، ثم عاد إلى الحكم في عام 2023. ومع انتهاء ولايته المقبلة في عام 2030، سيكون قد أمضى ما مجموعه نحو 16 عامًا في السلطة، وسيبلغ الخامسة والثمانين من عمره خلال ذلك العام.

فلافيو بولسونارو يرفض الاعتراف بالنتائج

في المقابل، رفض فلافيو بولسونارو الاعتراف بنتائج الانتخابات، مطالبًا بإلغائها، ومعتبرًا أن الملابسات التي أحاطت بعملية التصويت تستدعي توضيحات، ولا سيما قرار تمديد ساعات الاقتراع بسبب مشكلات في وسائل النقل العام أعاقت وصول بعض الناخبين إلى مراكز التصويت.

وقال فلافيو إنه لا يستطيع الاعتراف بنتيجة الانتخابات في ظل الظروف التي جرت فيها، معلنًا عزمه الطعن في النتائج والمطالبة بإلغائها. وجاء موقفه امتدادًا للمواجهة السياسية الحادة التي شهدتها الحملة، وسط انقسام واضح بين أنصار التيارين اليساري والمحافظ في البلاد. 

وكانت عملية فرز الأصوات قد شهدت ارتباكًا عقب قرار قضائي بتمديد التصويت ساعتين إضافيتين على مستوى البلاد، بعد ورود شكاوى تتعلق بمشكلات النقل العام وتأثيرها على قدرة الناخبين على الوصول إلى مراكز الاقتراع.

وبحسب تقارير إعلامية، صدر القرار قبل الموعد الأصلي لإغلاق مراكز التصويت بفترة وجيزة، ما أثار تساؤلات بشأن كيفية تطبيقه في المراكز التي كانت قد أغلقت أبوابها بالفعل أو لم يصلها القرار في الوقت المناسب. كما طُرحت احتمالات اللجوء إلى الطعون القانونية على خلفية القرار، رغم أن النتيجة النهائية أظهرت تقدمًا واضحًا للولا.

وشهدت الساعات الأخيرة من الحملة دعوات من المرشحين لتمديد التصويت في بعض الولايات، وسط منافسة متقاربة توقعتها استطلاعات الرأي، ومخاوف من أن تؤدي المشكلات اللوجستية إلى زيادة التوتر بشأن نزاهة العملية الانتخابية.

حملتان انتخابيتان ورؤيتان متعارضتان

وخلال حملته، قدم لولا دا سيلفا نفسه باعتباره ضمانة لحماية السيادة البرازيلية ومواجهة التدخلات الخارجية، إلى جانب الدفاع عن الديمقراطية وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية. وركز خطابه على ضرورة الحفاظ على استقلال القرار الوطني في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية الأميركية.

أما فلافيو بولسونارو، البالغ من العمر 45 عامًا، فقد حقق نتيجة فاقت توقعات عدد من استطلاعات الرأي في الجولة الأولى، وتمكن من التقدم على لولا قبل الانتقال إلى جولة الإعادة. وطرح برنامجًا ركز على مكافحة الجريمة وخفض الإنفاق الحكومي، إلى جانب الاستناد إلى الخطاب المحافظ والديني في حشد مؤيديه، متعهدًا بتسليم البرازيل إلى «الرب يسوع المسيح».

كما تأثرت الحملة بتداعيات إدانة الرئيس السابق جايير بولسونارو عام 2025 بالتخطيط لانقلاب مرتبط بخسارته انتخابات 2022. وتعهد فلافيو، خلال حملته، بالعمل على إطلاق سراح والده في حال فوزه بالرئاسة، بينما وصف ترامب القضية التي أُدين فيها الرئيس السابق بأنها «حملة استهداف».

الرسوم الجمركية الأميركية تزيد التوتر

وشكلت الإجراءات التجارية الأميركية أحد أبرز محاور الخلاف بين واشنطن وبرازيليا. ففي عام 2025، فرض ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على واردات من البرازيل، في خطوة ارتبطت بالتطورات القضائية المتعلقة بجايير بولسونارو، قبل تخفيف بعض الإجراءات لاحقًا.

كما اتخذت الإدارة الأميركية إجراءات تجارية إضافية بحق البرازيل خلال عام 2026، مبررةً ذلك بما وصفته بالممارسات التجارية غير العادلة. وأثارت هذه السياسات توترًا في العلاقات بين البلدين، وسط اتهامات بربط الضغوط الاقتصادية بالخلافات السياسية والقضائية الداخلية في البرازيل.

واعتبر لولا دا سيلفا أن تقارب إدارة ترامب مع عائلة بولسونارو، إلى جانب الرسوم الجمركية والإجراءات العقابية، يمثل محاولة للتأثير على مسار الانتخابات البرازيلية والتدخل في شؤون بلاده. 

وانتقد ما وصفه بالاستقواء الأميركي، مؤكدًا ضرورة احترام سيادة البرازيل وحق شعبها في اختيار قيادته بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

وبذلك، جاء فوز لولا بولاية رابعة في وقت كانت فيه علاقات برازيليا وواشنطن تواجه اختبارًا سياسيًا وتجاريًا، بينما تفتح النتيجة الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة بشأن السيادة الوطنية والسياسات الاقتصادية ومستقبل النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء