العيد القومي للسويس.. حكاية مدينة صنعت ملحمة المقاومة والانتصار
تحتفل محافظة السويس في 24 أكتوبر من كل عام بعيدها القومي، تخليدًا لذكرى المقاومة الشعبية التي سطرها أبناؤها بالتعاون مع القوات المسلحة والشرطة خلال حرب أكتوبر 1973، عندما تصدى أهالي المدينة الباسلة لمحاولات القوات الإسرائيلية اقتحامها، لتتحول شوارع السويس إلى ساحة للبطولة والصمود، وتظل المعركة واحدة من أبرز صفحات المقاومة في التاريخ المصري الحديث.
ولا تقتصر أهمية السويس على دورها الوطني خلال الحروب، بل تمتد إلى تاريخ طويل ارتبط بالملاحة والتجارة ورحلات الحج، فضلًا عن مكانتها الجغرافية والاستراتيجية عند المدخل الجنوبي لقناة السويس، وما تضمه من معالم تاريخية وأثرية وطبيعية تحكي جانبًا مهمًا من تاريخ مصر.
يوم خلد بطولة أبناء السويس
ارتبط العيد القومي للسويس بأحداث يوم 24 أكتوبر 1973، عندما حاولت القوات الإسرائيلية التقدم إلى المدينة بعد فشلها في تحقيق أهدافها خلال حرب أكتوبر. وواجهت القوات المتقدمة مقاومة شرسة شارك فيها أبناء السويس إلى جانب رجال الشرطة والقوات العسكرية، لتتحول المدينة إلى نموذج للتكاتف بين الشعب والجيش والشرطة في الدفاع عن الوطن.
وبحسب ما أورده الفريق محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات خلال حرب أكتوبر، في مذكراته، حاولت قوات إسرائيلية مدرعة اقتحام المدينة من الشمال والغرب، عقب قصف مدفعي وجوي استهدف إضعاف الروح المعنوية للمقاومين، لكن المقاومة داخل شوارع السويس ومبانيها حالت دون نجاح القوات الإسرائيلية في السيطرة عليها.
وشهدت المدينة مواجهات عنيفة بين الدبابات والعربات المدرعة الإسرائيلية والمقاومين المصريين، وأسفرت المعركة عن خسائر في صفوف القوات المهاجمة، واضطرت القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من داخل المدينة والتمركز خارجها، لتصبح ذكرى هذا اليوم رمزًا لصمود أبناء السويس وقدرتهم على مواجهة العدوان.
شهداء السويس
دفعت السويس ثمنًا غاليًا في سبيل الدفاع عن الوطن، وقدم أبناؤها أرواحهم خلال معارك المقاومة، ومن بينهم مصطفى أبو هاشم، وأحمد أبو هاشم، وإبراهيم سليمان، وأشرف عبد الدايم، وسيد حافظ أمين، والفدائي غريب محمد غريب، وغيرهم من الأبطال الذين شاركوا في التصدي للقوات الإسرائيلية.
وتحمل شوارع المدينة أسماء عدد من هؤلاء الشهداء والفدائيين، لتظل سيرتهم حاضرة في الذاكرة الوطنية، وتستمر الأجيال الجديدة في التعرف على تضحياتهم ودور المقاومة الشعبية في حماية السويس ومنع سقوطها في يد القوات الإسرائيلية.
ولم تكن معركة السويس مواجهة تخص أبناء المدينة وحدهم، بل كانت جزءًا من ملحمة وطنية أوسع، جسدت وحدة المصريين في مواجهة الحرب، وأكدت أن المقاومة الشعبية يمكن أن تؤدي دورًا حاسمًا في الدفاع عن الأرض إلى جانب القوات المسلحة.

من «القلزم» إلى قناة السويس
عرفت السويس في المصادر التاريخية القديمة باسم «القلزم»، واكتسبت أهمية استراتيجية وتجارية عبر العصور، بفضل موقعها على خليج السويس وارتباطها بطرق التجارة والملاحة بين مصر والبحر الأحمر.
وزادت أهمية المدينة خلال عهد محمد علي باشا، مع توسع العلاقات المصرية في منطقة البحر الأحمر والسودان، ثم ارتبط تاريخها بصورة وثيقة بحفر قناة السويس، التي أسهمت في تعزيز مكانتها بوصفها واحدة من أهم المدن المصرية المطلة على الممر الملاحي العالمي.
كما ارتبطت السويس برحلات الحج إلى الأراضي المقدسة، وهو ما أضفى عليها بعدًا دينيًا وتاريخيًا، إلى جانب دورها الاقتصادي والعسكري. وظلت المدينة عبر مراحل مختلفة نقطة مهمة للاتصال بين مصر ومناطق الشرق، بما يعكس مكانتها في تاريخ الملاحة والتجارة.
جبل عتاقة
يعد جبل عتاقة من أبرز المعالم الطبيعية في محافظة السويس، إذ يطل على خليج السويس ومجرى قناة السويس، ويشكل جزءًا مميزًا من طبيعتها الجغرافية. وتحيط بالجبل مناطق ذات أهمية صناعية، من بينها نطاق عتاقة الذي يضم عددًا من المشروعات الصناعية المرتبطة بتنمية خليج السويس.
وتتميز المنطقة بوجود خامات تدخل في صناعات متعددة، من بينها الحجر الجيري والزجاج، وهو ما يمنحها أهمية اقتصادية إلى جانب قيمتها الطبيعية والجغرافية.
وتشير الروايات التاريخية إلى وقوع مواجهات عسكرية في منطقة جبل عتاقة خلال حرب أكتوبر، في إطار المعارك التي شهدتها جبهة السويس، بما يضيف إلى المنطقة بعدًا مرتبطًا بتاريخ المقاومة والتحرير.
معالم أثرية تحكي تاريخ السويس
تضم محافظة السويس عددًا من المواقع الأثرية التي تكشف عن امتداد تاريخي طويل للمنطقة، من بينها تل الشلوفة ومنطقة آثار جنيفة، المرتبطان بتاريخ القنوات المائية القديمة التي ساهمت في الربط بين نهر النيل والبحر الأحمر.
وتبرز أهمية هذه المواقع في التعرف على تطور مشروعات الري والملاحة في مصر القديمة، ومن بينها القناة المنسوبة إلى الملك سنوسرت الثالث، التي تندرج ضمن تاريخ المحاولات المصرية المبكرة لتسهيل الاتصال المائي بين النيل والبحر الأحمر.
كما تضم السويس معالم تاريخية ودينية، من بينها مسجد عبد الله الغريب، الذي يرتبط اسمه بالروايات التاريخية عن الدفاع عن طريق الحج، إلى جانب مواقع أخرى تعكس تعاقب العصور على المدينة وتنوع أدوارها العسكرية والتجارية والدينية.
متحف السويس القومي
يمثل متحف السويس القومي أحد أبرز المعالم الثقافية بالمحافظة، إذ يوثق تاريخ المدينة والمنطقة المحيطة بها، ويعرض جوانب من تراثها وآثارها منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، مع اهتمام خاص بتاريخ قناة السويس والملاحة البحرية ورحلات الحج.
وترجع فكرة إنشاء المتحف إلى الرغبة في استعادة عرض آثار السويس التي نُقلت إلى مخازن المتحف المصري بالقاهرة عقب تضرر المتحف القديم خلال حرب عام 1967. وظلت القطع الأثرية محفوظة لسنوات، قبل أن تعود إلى المدينة ضمن مشروع إنشاء المتحف القومي، الذي افتُتح عام 2012.
ويضم المتحف طابقين تتوسطهما قاعة عرض مكشوفة تعرض نماذج متنوعة من الأعمدة، كما يسلط الضوء على تاريخ حفر قناة السويس والقنوات المائية القديمة، والعلاقات التجارية لمصر، وحرفتي التعدين وبناء السفن، وأهمية السويس في رحلات الحج.
ويضم المتحف كذلك قاعات مخصصة لتوثيق كفاح أبناء المدينة ضد الاحتلال البريطاني وخلال حرب أكتوبر 1973، إلى جانب قاعة للتحنيط تحاكي المقبرة المصرية القديمة وتعرض مراحل من طقوس التحنيط، بما يمنح الزائر فرصة للتعرف على جانب من الحضارة المصرية القديمة.





