رفات المومياوات المصرية خارج العرض في إسكتلندا .. هل حان وقت عودتها إلى مصر؟
في خطوة تعكس تحولًا متزايدًا في نظرة المؤسسات المتحفية إلى التعامل مع الرفات البشرية، أزال متحفان في مدينة غلاسكو الاسكتلندية رفات مومياوات مصرية من قاعات العرض أمام الجمهور، بدافع مخاوف أخلاقية تتعلق بكرامة الموتى وحقهم في الخصوصية.
وجاء القرار في وقت تعيد فيه المتاحف حول العالم النظر في طرق عرض الرفات البشرية والمقتنيات المرتبطة بالموتى، بالتزامن مع تحديث المجلس الدولي للمتاحف «ICOM» مدونة أخلاقياته، التي شددت على ضرورة صون «الكرامة المتأصلة» للرفات البشري واحترام أهميته.
ويطرح القرار الاسكتلندي تساؤلات تتجاوز حدود المتحفين: هل تتغير قواعد عرض المومياوات المصرية في المتاحف الغربية؟ وهل يمكن أن تقود هذه المراجعات الأخلاقية مستقبلًا إلى مطالب بإعادة بعض الرفات والمقتنيات إلى موطنها الأصلي؟
قرار غلاسكو
أزال متحف «كيلفينغروف» في غلاسكو جثمان الكاهن المصري «نخت» المحنط من قاعة العرض، بينما اختار متحف «هانتريان» التابع لجامعة غلاسكو نهجًا مختلفًا، إذ أبقى تابوت السيدة «شيب-ان-حور» معروضًا، لكنه غطى المومياء الموجودة بداخله بقطعة قماش صُممت خصيصًا لهذا الغرض.
وقالت المؤسستان إن القرارين جاءا بعد إعادة تقييم مسؤولياتهما تجاه الرفات البشرية، وفي ضوء النقاش المتزايد حول الطريقة الأخلاقية للتعامل مع الموتى داخل المؤسسات الثقافية.
كما أزيلت من قاعات العرض في «كيلفينغروف» أجزاء بشرية مصرية أخرى، من بينها رأس محنط لرجل وقدم ويد يمنى عثر عليها في وادي الملوك بالأقصر.
وبحسب مؤسسة «غلاسكو لايف»، التي تدير متحف «كيلفينغروف»، فإن إزالة رفات «نخت» جاءت في ظل عدم وجود موافقة موثقة من المتوفى أو أسلافه على عرض رفاته أمام الجمهور.
الكرامة بعد الموت
تعود قصة «نخت» إلى مصر القديمة، إذ يُعتقد أنه عاش خلال الفترة بين عامي 1985 و1797 قبل الميلاد، وقد استُخرجت رفاته من منطقة بني حسن في مصر الوسطى خلال عمليات تنقيب جرت في أوائل القرن العشرين.
وفي عام 1923، وصلت رفاته إلى مدينة غلاسكو ضمن مقتنيات تم التبرع بها للمؤسسة.
لكن مرور عشرات العقود على وجود المومياء في المتحف لم يعد كافيًا لتبرير استمرار عرضها، وفق الرؤية الأخلاقية الجديدة التي تتبناها المؤسسة.
وأوضحت «غلاسكو لايف» أن مسودة جديدة لسياسة التعامل مع الرفات البشرية تقترح عدم عرض الرفات إلا في حال وجود موافقة موثقة ومبنية على علم من المتوفى نفسه، أو في ظروف مناسبة من أحفاده.
ويعكس هذا التوجه تغيرًا في النظرة إلى المومياوات؛ فبعد أن كانت تُعامل في كثير من الأحيان باعتبارها آثارًا أو مصادر للمعلومات العلمية والتاريخية، أصبح ينظر إليها بصورة أكبر باعتبارها بقايا بشرية لأشخاص عاشوا وماتوا في زمن بعيد.

تابوت شيب ان حور
أما متحف «هانتريان»، فقد اختار حلًا وسطًا في التعامل مع مومياء السيدة «شيب-ان-حور».
فالتابوت المزخرف سيظل معروضًا أمام الجمهور بوصفه نموذجًا فنيًا وجنائزيًا مميزًا من مصر القديمة، لكن الجثمان الموجود بداخله لن يكون ظاهرًا للزوار.
ويعد تابوت «شيب-ان-حور» من القطع التي حظيت بحضور طويل في المتحف، إذ ظل معروضًا بصورة شبه مستمرة منذ عام 1820، ويتميز بتعدد ألوانه والنقوش الهيروغليفية التي تغطيه.
وقال المتحف إنه استعان بخبراء في علم المصريات قبل اتخاذ القرار، وانتهت المشاورات إلى أن السيدة «شيب-ان-حور» تستحق الخصوصية بعد وفاتها.
ولم تُخرج المومياء من التابوت، لكنها خضعت خلال العقود الماضية لفحوص علمية، من بينها الأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب.
كما ظهرت منذ سبعينيات القرن الماضي نظريات تشكك في أن الرفات الموجود داخل التابوت يعود بالفعل إلى السيدة «شيب-ان-حور»، إذ أشار المتحف إلى أن المنقبين في القرن التاسع عشر كانوا أحيانًا ينقلون الرفات بين التوابيت، ويضعون الرفات الأفضل حفظًا داخل التوابيت الأكثر زخرفة وسلامة.

هل تعود المومياوات إلى مصر؟
لا تقتصر القضية على طريقة عرض المومياوات، إذ أعلن المتحفان أنهما سينظران في إعادة الرفات إلى موطنه إذا تلقيا طلبًا من دولة أو مؤسسة.
وهنا تبرز قضية أوسع تتعلق بالمقتنيات المصرية الموجودة في المتاحف الأجنبية، خاصة تلك التي خرجت من مصر خلال فترات التنقيب الأثري في القرنين التاسع عشر والعشرين.
ولا يعني ذلك أن المتاحف قررت تلقائيًا إعادة المومياوات إلى مصر، لكنه يفتح الباب أمام مناقشة قانونية وأخلاقية حول ملكية الرفات وحق المجتمعات الأصلية في استعادته.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع تصاعد المطالب الدولية بإعادة بعض المقتنيات الثقافية إلى البلدان التي جاءت منها، وخصوصًا المقتنيات التي خرجت في ظروف تاريخية لا تتوافق مع المعايير الحالية للملكية والموافقة والاحترام الثقافي.
مدونة أخلاقية جديدة للمتاحف
تأتي قرارات غلاسكو بعد تعديل المجلس الدولي للمتاحف مدونة أخلاقياته في يونيو الماضي، حيث أكدت المدونة ضرورة أن تعمل المتاحف على صون الكرامة المتأصلة للرفات البشري وتعزيز احترام أهميته.
كما تدعو المدونة إلى إشراك أحفاد أصحاب الرفات أو المجتمعات التي جاءت منها هذه المجموعات في القرارات المتعلقة بها، متى كان ذلك ممكنًا.
لكن المدونة لا تفرض نتيجة واحدة على جميع المتاحف، وإنما تقدم إطارًا إرشاديًا يتيح لكل مؤسسة دراسة ظروف مقتنياتها واتخاذ القرار المناسب.
وقال البروفيسور ستيف شولتن، عضو لجنة الأخلاقيات في المجلس الدولي للمتاحف، إن المدونة لا تعني ضرورة إزالة جميع الرفات البشرية من المتاحف، وإنما تدعو المؤسسات إلى دراسة هذه القضايا بعناية واتخاذ قرارات مسؤولة.
وهذا ما يفسر اختلاف القرارين في غلاسكو؛ فبينما اختار «كيلفينغروف» إزالة الرفات المصرية من العرض، قرر «هانتريان» الإبقاء على التابوت مع حجب المومياء عن أعين الجمهور.

من القطعة الأثرية إلى الإنسان
تكشف هذه التطورات عن تحول أعمق في فلسفة المتاحف، يتمثل في إعادة النظر إلى المومياوات ليس فقط باعتبارها قطعًا أثرية أو مصادر للبحث العلمي، وإنما باعتبارها بقايا بشرية تستحق قدرًا من الخصوصية والاحترام.
وتكتسب المومياوات المصرية خصوصية كبيرة في هذا النقاش، نظرًا إلى ارتباطها بطقوس جنائزية ومعتقدات دينية لدى المصريين القدماء، كان الهدف منها ضمان انتقال المتوفى إلى الحياة الأخرى والحفاظ على جسده.
ومن ثم، فإن عرض الجثمان المحنط خلف زجاج المتحف قد يُنظر إليه اليوم من زاوية مختلفة تمامًا عن النظرة التي كانت سائدة قبل قرن أو أكثر.
فالمتاحف أصبحت مطالبة بالموازنة بين حق الجمهور في المعرفة، وأهمية البحث العلمي، وقيمة القطعة التاريخية، وبين الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة باحترام الإنسان حتى بعد وفاته.
وتضع تجربة متحفي غلاسكو هذه الأسئلة في قلب النقاش من جديد: كيف ينبغي عرض المومياوات؟ ومن يملك حق اتخاذ القرار بشأنها؟ وهل يكفي أن تكون القطعة أثرية كي يصبح عرض جسد صاحبها أمرًا مقبولًا؟
ورغم أن القرار الاسكتلندي لا يمثل سياسة موحدة لجميع المتاحف، فإنه يعكس اتجاهًا متناميًا نحو التعامل مع الرفات البشرية باعتبارها قضية أخلاقية وإنسانية، وليس مجرد مسألة متحفية أو أثرية.
ومع استمرار النقاش الدولي حول إعادة المقتنيات الثقافية إلى أوطانها، قد تصبح المومياوات المصرية واحدة من أبرز الملفات التي تعيد المتاحف العالمية النظر في طريقة اقتنائها وعرضها والتعامل معها، بما يفتح فصلًا جديدًا في العلاقة بين التراث المصري والمتاحف التي تحتفظ بجزء منه خارج مصر.





