رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين يتحدث مسؤول إسرائيلي عن سيناء بلغة التهديد والاستفزاز، فهو لا يختبر قوة الكلمات بقدر ما يصطدم بحقيقة راسخة في الوعي المصري، وهي أن هذه الأرض ليست بندا في صفقة، ولا مساحة يمكن أن تتحرك عليها الحسابات السياسية وفق أهواء الحكومات أو تطلعات المتطرفين، سيناء أرض مصرية خالصة، استعادتها الدولة بإرادة أبنائها وتضحيات قواتها المسلحة، وأصبح الدفاع عن سيادتها جزءا أصيلا من عقيدة الدولة المصرية، لا يخضع لمساومة ولا يتأثر بمحاولات الضغط.

 

التصريحات الصادرة عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وما تحمله من مواقف عدائية تجاه مصر والشعب الفلسطيني، تستوجب موقفا واضحا لا يترك مجالا للالتباس: السيادة المصرية ليست موضوعا للنقاش، وأمن مصر القومي ليس مساحة لاختبار النوايا أو جس النبض، الدول تقاس بقدرتها على حماية مصالحها وصيانة حقوقها، وليس من المقبول أن تتحول التصريحات الصادرة عن مسؤولين إلى وسيلة لتجاوز الحدود السياسية والقانونية، أو إلى محاولة لفرض واقع جديد على حساب حقوق الآخرين.

 

سيناء ليست مجرد أرض استعدناها، بل اختبار تاريخي لإرادة المصريين، ولم يكن العبور في أكتوبر 1973، مجرد معركة عسكرية ناجحة، وإنما لحظة استردت فيها مصر ثقتها بقدرتها على تغيير الواقع، وأسقطت الاعتقاد بأن الاحتلال يمكن أن يتحول إلى حقيقة دائمة، وبعد الحرب، واصلت الدولة معركتها السياسية والدبلوماسية حتى اكتملت استعادة الأرض، لتقدم التجربة المصرية درسا بالغ الوضوح: السلام الذي يحفظ الحقوق خيار استراتيجي، لكنه لا يعني التنازل عن السيادة، ولا يمنح أي طرف حق إعادة فتح ملفات حسمت بإرادة الدولة والتزاماتها الدولية.

 

من الضروري أن يدرك أصحاب الخطاب التصعيدي في إسرائيل أن مصر لا تتعامل مع أمنها القومي باعتباره رد فعل على تصريح أو موقف، وإنما وفق رؤية استراتيجية تعرف قيمة الاستقرار، وتدرك في الوقت نفسه أن الحفاظ عليه يبدأ باحترام الحدود والسيادة والالتزامات، القوة الحقيقية ليست في إطلاق التهديدات، ولا في اختبار صبر الآخرين، وإنما في القدرة على فهم موازين المنطقة، وتقدير عواقب القرارات، والتمييز بين ما يمكن أن يكون مجالا للخلاف السياسي وما لا يجوز الاقتراب منه أصلا.

 

والأخطر في هذه التصريحات أنها تصدر في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خفض التصعيد، ووقف الحرب في غزة، وحماية المدنيين، وفتح مسار جاد لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، وفي مثل هذه الظروف، تصبح الكلمات مسؤولية سياسية كاملة؛ لأن أي خطاب يتجاهل حقوق الشعوب أو يلوح بالمساس بأمن الدول لا يضيف إلى فرص السلام شيئا، بل يضع مزيدا من العقبات أمامه، ولا يمكن بناء استقرار حقيقي بينما تتناقض الدعوات المعلنة إلى التهدئة مع تصريحات تحمل تهديدا أو تفتح الباب أمام تصورات تتعارض مع قواعد القانون الدولي.

 

مصر، بحكم تاريخها ومكانتها، تدرك أن حماية أمنها القومي لا تنفصل عن استقرار محيطها الإقليمي، لكنها لا تخلط بين مسؤوليتها في دعم الاستقرار وبين قبول أي تجاوز لحقوقها، وأثبتت السياسة المصرية مرارا أن التحرك الدبلوماسي ليس علامة تراجع، وأن التمسك بالحلول السياسية لا يعني غياب القدرة على حماية المصالح الوطنية، الدولة الواثقة من نفسها تستطيع أن تتمسك بالسلام، وأن ترفض التهديد في الوقت ذاته، وأن تضع حدودا واضحة لما يمكن قبوله وما لا يمكن تجاوزه.

 

إن الرسالة الأهم في هذه اللحظة هي أن العلاقات بين الدول لا تدار بمنطق الإملاء، وأن أي محاولة لفرض تصورات أحادية بشأن الأراضي المصرية ستصطدم بثوابت وطنية لا تتغير بتغير الظروف، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تتحمل مسؤوليتها عن التصريحات الصادرة عن مسؤوليها، وأن تدرك أن احترام السيادة المصرية ليس مجاملة سياسية، بل التزام تفرضه قواعد العلاقات الدولية، كما أن على المجتمع الدولي أن يتعامل مع أي خطاب يهدد سيادة الدول بالمعيار نفسه، بعيدا عن ازدواجية المعايير أو الحسابات المؤقتة، كذلك، فإن دعم مصر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يظل جزءا ثابتا من موقفها، انطلاقا من رفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، والإيمان بأن التسوية العادلة لا يمكن أن تقوم على اقتلاع شعب من أرضه أو تحميل دول الجوار نتائج الصراع، القضية الفلسطينية تحتاج إلى حل سياسي يحفظ حقوق الفلسطينيين، لا إلى تصورات توسع دائرة الأزمة وتزيد مخاطرها على المنطقة بأكملها.

 

إن سيناء أكبر من أن تختصرها تصريحات عابرة، وأرسخ من أن تهزها حسابات سياسية ضيقة، إنها الأرض التي عبر إليها المصريون لاستعادة كرامتهم، والتي ارتبطت في الوجدان الوطني بمعنى التضحية والقدرة على استرداد الحق، ومن يقرأ تاريخ مصر جيدا يعرف أن هذا الوطن لا يبحث عن الصدام، لكنه لا يقبل المساس بأرضه، ولا يسمح بأن تتحول سيادته إلى موضوع للمساومة.

 

سيناء خط أحمر، وأمن مصر القومي لا يقبل المساومة، هذه ليست عبارة للاستهلاك السياسي، بل خلاصة تاريخ من التضحيات ومبدأ يحكم علاقة الدولة بأرضها، وستواصل مصر الدفاع عن حقوقها ومصالحها بكل ما تملكه من أدوات سياسية ودبلوماسية وقدرات وطنية، لأن السلام الذي نريده هو سلام يحفظ الأرض والكرامة والحقوق، لا سلاما يطلب من طرف أن يدفع ثمنه من سيادته، ومن يراهن على غير ذلك، عليه أن يقرأ تاريخ مصر قبل أن يختبر ثوابتها.

 

اللواء د. رضا فرحات 
أستاذ العلوم السياسية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء