مصطفى عبد الله يكشف كواليس رحلته الثقافية والإنسانية مع «فاروق شوشة»|حوار
مصطفى عبدالله لـ"إيجبتك":
- «لغتنا الجميلة» و«لسان عربي واحد» رسخا مكانة اللغة العربية في الإعلام
- برنامج «هؤلاء علموني» وثيقة مهمة عن الشخصيات التي أثرت في كبار المبدعين
- فاروق شوشة اهتم باللغة العربية وقدم قضاياها للجمهور بأسلوب بسيط
- أول وآخر لقاء بيننا كان في مجمع اللغة العربية قبل رحيله
بعد مرور أيام قليلة على الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر والإذاعي الكبير فاروق شوشة، أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في إثراء الحياة الثقافية والإعلامية في مصر والعالم العربي، تاركًا إرثًا من البرامج الإذاعية والتليفزيونية التي جمعت بين جمال اللغة وعمق الفكر ورقي الحوار، وفي حوار خاص لـ«إيجبتك»، يستعيد الكاتب الصحفي والناقد الأدبي مصطفى عبد الله، ملامح من مسيرته مع الإذاعي الراحل فاروق شوشة، كاشفًا عن ذكرياتهما المشتركة في المحافل الثقافية والإنسانية، ومحطاتهما الإذاعية، ودوره في دعم المبدعين والاحتفاء باللغة العربية، مؤكدًا أن تجربته لا تزال تمثل نموذجًا ملهمًا للأجيال الجديدة من الإعلاميين والمثقفين، وإليكم الحوار،
كيف بدأت علاقتك بالشاعر والإذاعي الكبير الراحل فاروق شوشة؟
تعود علاقتي بالشاعر الكبير الراحل فاروق شوشة، الإذاعي والتليفزيوني صاحب البرامج التي لا تزال تُسمع وتُشاهد وتتداول حتى اليوم، إلى سنوات طويلة، ويمر يوم 14 أكتوبر 2026 عشر سنوات على رحيله. كنت المحرر الأدبي لجريدة «الأخبار»، وكان شوشة يتمتع بحضور بارز في المحافل الثقافية العربية، ومن هنا ارتحلت معه إلى أماكن كثيرة، منها محافظة دمياط، إذ سافرت عدة مرات بصحبته وطاهر أبو فاشا وعبد العليم عيسى وغيرهما من الشعراء المقربين إلى قلبه وعقله، وكذلك الشاعر إبراهيم عيسى.
ما أبرز ذكرياتك عن الأمسيات الشعرية التي جمعتك بفاروق شوشة؟
سافرنا إلى مطروح لإحياء أمسيات شعرية كثيرة، لا تزال جزءًا من ذاكرة المثقفين حتى الآن. وكان الشاعر إسماعيل عقاب قد استحدث صالونًا أدبيًا، وحرص على دعوة فاروق شوشة وكوكبة من الشعراء، وكان الجمهور السكندري والمبدعون من مختلف ربوع مصر يحبون حضور هذه الأمسيات، وعلى رأسهم الشاعرة عزة بدر.
كيف انعكست رحلاتك مع فاروق شوشة إلى الكويت على معرفتك بتجربته الإذاعية؟
سافرت مع فاروق شوشة إلى الكويت، حيث عمل في إذاعتها، خلال الفترة التي كان فيها مذيعًا رئيسيًا للشبكة الرئيسية، وبعد ذلك أصبح رئيسًا للإذاعة. وقبل ذلك، تقلد منصب مذيع بإذاعة البرنامج الثقافي، وقدم عددًا من البرامج المهمة، من بينها «مع الأدباء»، إلى جانب برامج أخرى.
والجمهور يعرف برامجه التي كان يقدمها يوميًا من إذاعة القاهرة والشبكة الرئيسية، مثل «لغتنا الجميلة»، فضلًا عن برنامج «أمسية ثقافية»، الذي كان يُبث على شاشة التليفزيون.
كيف استطاع فاروق شوشة أن يجعل البرامج الثقافية جاذبة لجمهور عريض، رغم اعتماده على الفصحى في حواراته؟
كان برنامج «أمسية ثقافية» درسًا في الحوار العميق الذي يُقدم إلى جمهور عريض من المشاهدين، من دون أن يشعروا بالملل أو يرغبوا في تغيير القناة، لأن المادة المقدمة كانت ثرية. وكان فاروق شوشة يستطيع الجلوس إلى زكي نجيب محفوظ، وشوقي ضيف، وجابر عصفور، ونجيب محفوظ، والتحاور معهم بأسلوب راقٍ، ومناقشة قضايا بالغة الأهمية والتشويق، رغم أن الحوار كان يجري باللغة العربية الفصحى بالكامل.
وبالتالي، فإن فاروق شوشة يُعد أحد أساتذة الراديو والتليفزيون، ومن أراد تقديم شيء عظيم فعليه العودة إلى برامجه والاستفادة من تجربته.
كان فاروق شوشة أستاذًا في معهد الإذاعة والتليفزيون، فضلًا عن دوره أستاذًا جامعيًا في الجامعة الأمريكية، حيث كان يدرس في ظل وجود الدكتور محمود الربيعي، وكانت علاقته به قوية جدًا.
ما الذي يميز شخصية فاروق شوشة داخل المؤسسات الثقافية، خاصة خلال مشاركتكما في لجنة الدراسات الأدبية واللغوية؟
تزاملت مع فاروق شوشة في لجنة الدراسات الأدبية واللغوية في بعض دوراتها، التي كان مقررًا لها خلال فترة رئاسة أحمد درويش، بحضور عدد من كبار النقاد واللغويين والبلاغيين والمبدعين المصريين.
وأذكر أنه عندما كانت تحدث مشكلة داخل اللجنة، كان رأي فاروق شوشة يحسم القضية، بفضل فطنته التي كانت تجعل الجميع يقبل برأيه.
كيف أسهمت الرحلات العربية والدولية التي جمعتك بفاروق شوشة في تعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين؟
سافرت مع فاروق شوشة إلى الكويت وعواصم وبلدان أوروبية وعربية أخرى، منها الإمارات والبحرين والسعودية، وأدينا العمرة معًا. وفي مرة أخرى، كان معنا محمد أبو سنة وأحمد عبد المعطي حجازي، وسافرنا معًا إلى المغرب، وتحديدًا فاس، وإلى تونس والعراق.
كيف تتذكر مشاركاتك مع فاروق شوشة في المهرجانات الشعرية بالعراق خلال فترة حكم صدام حسين؟
سافرنا إلى العراق في فترة حكم صدام حسين، وكان العراق مغلقًا على نفسه في ذلك الوقت بسبب الحرب مع إيران. وكانت الدولة تستدعي المبدعين العرب والأجانب من مختلف أنحاء العالم للحضور إلى العراق والمشاركة في المهرجانات وغيرها من الفعاليات الثقافية.
واستحدثوا مهرجان «الأمة الشعر الأول» ومهرجان بغداد الأول، وقد شاركت في المهرجانين، وكنت مدعوًا قبل ظهور مهرجان المربد. وفي مهرجان «الأمة الشعر الأول»، كان حاضرًا فاروق شوشة وإبراهيم عيسى وأحمد عبد الرحمن الشرقاوي ووفاء وجدي وأحمد عبد الرحمن القط وعبد الستار سليم ومحمد السبع وأحمد سويلم، إلى جانب عدد من شعراء العراق.
وكان من بين الشعراء العراقيين الذين عاشوا في المنافي الإجبارية عبد الوهاب البياتي، الذي كان يعيش بعيدًا عن العراق في إسبانيا، وكان من أعز أصدقائي، وكنا على تواصل مستمر طوال فترة وجوده في مدريد.
وكان البياتي منفيًا في مدريد باختياره، وجاء إلى هذا المهرجان بعدما طلب صدام حسين حضوره. كما حضر نزار قباني، وشاركت أيضًا سعاد الصباح من الكويت، وكان ذلك قبل أن يفكر صدام حسين في غزو الكويت.
ما أبرز المواقف التي تتذكرها من لقائك بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين خلال أحد المهرجانات؟
أذكر أنه عندما دخل صدام حسين القاعة وبدأ مصافحة الضيوف العراقيين، كنت أقف وبجواري أحمد عبد الرحمن الشرقاوي وجمال الشاعر وفاروق شوشة، وتوقف أمامي صدام حسين، لأنني كنت أصغر الحضور سنًا، وكان لدي إحساس بأنني سأقابله، ولذلك ارتديت بدلة رسمية.
وعندما توقف أمامي، شعرت بأنه يريد التحدث معي، فسألته: لماذا تقطعون العلاقات مع مصر؟ فوجدها فرصة وبدأ يعلق على السؤال ويتحدث عن أهمية مصر بالنسبة إليه على المستوى الشخصي، وبالنسبة إلى الأمة العربية كلها. وكان ذلك بعد زيارة الرئيس السادات للقدس.
كيف كانت علاقة فاروق شوشة بالمبدعين والصحفيين، وما طبيعة اهتمامه بمتابعة الكتابات الأدبية في الصحافة؟
سافرت مع فاروق شوشة إلى أماكن عديدة لحضور ملتقيات كثيرة، فضلًا عن اهتمامه بقراءة ما أكتبه، إذ كنت أكتب في الجريدة نفسها التي كان يتابعها، وهي «أخبار الأدب»، كما التقيت به في مناسبات مختلفة.
وطلب مني فاروق شوشة، في فترة من الفترات، التعاون مع الإذاعة، وكان هناك إذاعي لامع هو عبد الحميد زقزوق، صاحب برنامج «صالون الفكر»، الذي كان يستضيف فيه كبار الكتاب والمفكرين.
كيف جاءت فكرة برنامج «هؤلاء علموني»، وما دور فاروق شوشة في خروج هذا العمل الإذاعي إلى النور؟
اقترح الإذاعي عبد الحميد زقزوق على فاروق شوشة، أو ربما حدث العكس، تقديم برنامج «هؤلاء علموني»، الذي أُذيع في أحد الأعوام خلال شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، وكان لا تتجاوز مدة الحلقة فيه خمس دقائق.
وكان البرنامج مسموعًا، إذ كانت فترة بثه تأتي عقب رفع أذان المغرب مباشرة، خلال فترة الضم الإذاعي. وقد قدمت من خلاله شخصيات مهمة أثرت في عقول كبار المبدعين.
ما أبرز الشخصيات التي تناولتها في برنامج «هؤلاء علموني»؟
قدمت في البرنامج شخصيات مهمة أثرت في عقول العظماء، بداية من توفيق الحكيم والموسيقار محمد عبد الوهاب ونجيب محفوظ وزكي نجيب محمود وإحسان عبد القدوس، وصولًا إلى رشاد رشدي ويوسف عز الدين عيسى وصلاح طاهر ونعمات أحمد فؤاد، وكلهم أسماء كبيرة.
وكان البرنامج مكونًا من 33 حلقة، شاملة أيام العيد.
هل تعمل على توثيق برنامج «هؤلاء علموني» وتحويله إلى كتاب، وما القيمة التي يمثلها هذا المشروع؟
أتمنى أن أعثر على تسجيلات هذا البرنامج حتى أتمكن من تحريره في كتاب، لأنه يُعد وثيقة مهمة. وصحيح أنه يحمل اسم عمل لسلامة موسى، ولكن من الممكن التنويه إلى ذلك عند نشره، بما يحفظ الحقوق ويوضح طبيعة العمل.
حدثنا عن برنامج «لسان عربي واحد» الذي قدمه فاروق شوشة؟
من البرامج الأخرى لفاروق شوشة برنامج «لسان عربي واحد»، الذي قد يظن مستمعه أنه أقرب إلى أجواء إذاعة صوت العرب، إذ لم تكن هذه النوعية من البرامج مألوفة في إذاعة البرنامج العام، لكنه قدمها بأسلوب مميز.
واختار لي شوشة واحدة من أهم المذيعات الكبيرات اللاتي كن يقرأن نشرات الأخبار، وهي الإذاعية القديرة هالة البيلي، زوجة أستاذ القانون الراحل محمد نور فرحات.
كيف تصف تجربتك في التعاون مع فاروق شوشة وهالة البيلي في برنامج «لسان عربي واحد»؟
أمضينا سنوات طويلة في تقديم هذا البرنامج والتعاون فيه، وكان يهتم بتقديم البعد العربي والعناية بلسان الضاد، وطرح القضايا المتصلة باللغة والهوية العربية، وكل ذلك بأسلوب بسيط من خلال التقارير الإذاعية.
كيف تتذكر آخر لقاء جمعك بفاروق شوشة في مجمع اللغة العربية؟
كان آخر لقاء لي مع فاروق شوشة عندما ذهبت إليه في مجمع اللغة العربية، بعدما أصبح أمينًا له. وتحدثنا عن إعداد حلقة من سلسلة «وجهًا لوجه»، التي كانت تنشرها مجلة «العربي» الكويتية.
كنت مستغربًا من حال فاروق شوشة، لكنه كان مستمتعًا بالحديث معي، وسعيدًا بخروج هذا الحوار إلى النور، وكان ذلك أول وآخر لقاء لي معه.









