رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إن المنتديات الوطنية الفكرية والتنموية لم تكن يوماً مجرد منصات للخطابة أو استعراض الإنجازات، بل هي في جوهرها المطبخ الفكري الذي تصاغ فيه مفاهيم الدولة الحديثة، وتختبر فيه الأفكار على مائدة النقاش المتخصص والمباشر.

ومن هذا المنظور، تابعت باهتمام بالغ الكثير من جلسات منتدى مصر ٢٠٢٦ وهو المنتدى الأول، والتي كانت بحق حدثاً فارقاً يعكس عمق التحديات وجسامة الطموحات التي تعيشها مصر في هذه المرحلة المفصلية من تاريخها المعاصر.

تكمن الأهمية الاستثنائية لجلسات هذا المنتدى الأول في كونه كسر الجمود التقليدي للحوار الحكومي، وجمع تحت سقف واحد بين الرؤية التخطيطية الشاملة، والقدرة التنفيذية الميدانية، والخبرة الهندسية والأكاديمية العالمية، إلى جانب صوت المعارضة الوطنية والشارع المصري. لقد اتسمت الطروحات في مختلف الجلسات بالشفافية الكاملة والمكاشفة؛ حيث ناقشت وطرحت الجلسات كل شيء بلا استثناء، مستعرضة ملامح النجاح إلى جانب الإخفاقات والتحديات والحلول العمليّة المرتقبة. كما رسخ المنتدى حقيقة مفادها أن القطاع الخاص بكافة أشكاله وأنواع أعماله لابد أن يكون طرفاً أصيلا وشريكاً فاعلاً في تنمية الوطن وعصبه الاقتصادي، وهو التوجه المحوري الذي طالب به وقاد الرؤية حوله السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حثاً لرجال الأعمال والرائدين في هذا المجال، مثل رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى وغيره من قيادات القطاع الخاص، على توسيع نطاق المشاركة والاستثمار الوطني التنموي.

ولم تقتصر هذه المكاشفة على الملفات الاقتصادية، بل امتدت لتشمل بناء الإنسان في أعمق محاوره؛ حيث شهدت الجلسات الحوارية المتخصصة في ملف التعليم مناقشة شجاعة وجريئة لمشكلات التعليم في مصر وتحسين جودة المخرجات التعليمية بما يلائم مستقبل أجيالنا. وقد توجت هذه المناقشات بإعلان مهم وقاطع من السيد محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، أزال به كل غموض وجدل، مؤكداً إصدار القرارات الوزارية والتنفيذية التي تجعل تدريس مواد الهوية القومية—وفي مقدمتها اللغة العربية، والتاريخ، والتربية الدينية—إلزامياً ومطبقاً على جميع الطلاب في كافة المدارس على مستوى الجمهورية دون أي استثناء، بما فيها المدارس الدولية والأجنبية؛ مشدداً على أن بناء طالب ملم بالعلوم الحديثة لا يمكن أن يكون على حساب انتمائه الوطني ومعرفته بلغته الأم وتاريخ بلاده وثقافته الدينية والتربوية الأصيلة.

فإذا أخذنا أيضاً على سبيل المثال جلسة التنمية الحضارية والعمرانية، والتي شهدت حضوراً رفيع المستوى تقدمه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والفريق كامل الوزير وزير النقل، والمهندس هاني عازر الخبير الهندسي العالمي، وعدد كبير من الوزراء، وبإدارة الزميل والصديق العزيز الإعلامي جمال عنايت؛ نجد أن الجلسة استعرضت رؤية شاملة للعبور الحضاري والعمراني. أثبتت المناقشات أن البنية التحتية في مصر أصبحت شبكة متكاملة تجسد معنى الحضارة الحديثة؛ بدءاً من المحاور الطرقية والكباري العلوية، وصيانتها الوقائية لحماية الاستثمارات الوطنية، وصولاً إلى ابتناء آليات تمويل متطورة تسهم في استدامتها دون إرهاق كاهل الخزانة العامة. كما اتسعت الطروحات لتشمل النقل الأخضر المستدام المتمثل في شبكة القطار الكهربائي السريع، والقطار الكهربائي الخفيف، وتطوير السكك الحديدية القومية ونظم إشاراتها الآلية، وتأسيس الورش الإنتاجية لتوطين صناعة النقل محلياً، فضلاً عن الطفرة المشهودة في الموانئ البحرية والجافة والمجاري المائية والنقل النهري لترسيخ موقع مصر كمركز لوجستي عالمي.

لكن الصراحة والحرص على نجاح هذه التظاهرة الفكرية الوطنية في مولدها الأول يدفعانني إلى توجيه عتاب صحفي وإعلامي واجب؛ فقد أزعجني كثيراً ذلك الإصرار المتكرر ممن أداروا جلسات المنتدى على مطالبة المتحدثين بالإيجاز والاختصار بداعي ضيق الوقت، حتى وصل الأمر في جلسة التنمية الحضارية والعمرانية إلى مقاطعة النائب والبرلماني المعارض ضياء داود ومقاطعة المهندسة راندة المنشاوي وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية في منتصف حديثهما الشامل بعبارة معلش وقتي خلص، مما حال دون إكمالهما للرؤية الخاصة بهما والتي تتناول حوكمة الطرق والتنمية العمرانية والمشروعات السكانية المعروضة. وأنا هنا أؤكد أنني ضد هذا المسلك تماماً؛ فالإدارة الإعلامية للجلسات يجب أن تضع الوقت في خدمة المتحدث وليس العكس. إن قضايا بحجم التنمية الحضارية والعمرانية وإصلاح التعليم والمشروعات القومية الاستراتيجية لا تحتمل الإيجاز المخل أو الخطوط العريضة العابرة، بل تقتضي إتاحة المساحة الكاملة للخبراء والمسؤولين لتفكيك الأرقام وتوضيح الفلسفة الهندسية والتربوية والاقتصادية للمواطن والمراقب.

وعلى الجانب الآخر، كانت اللفتة الأكثر إلهاماً ودلالة في هذه الجلسة -كما في جلسات المنتدى المماثلة- هي حرص السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على التدوين الشخصي والدقيق لكافة الملاحظات والنقاط التي أثارها الحضور والخبراء. إن كتابة الرئيس للتفاصيل بيده تعكس رسالة واضحة مفادها أن القيادة السياسية لا تكتفي بالاستماع العام، بل تمسك بدقائق الأمور وتتعامل مع المنتدى كورشة عمل تنفيذية، تتحول فيها كل رؤية أو استفسار أو مقترح إلى تكليف مباشر وقابل للمتابعة والمحاسبة الفورية.

وقد امتدت هذه الرؤية التنموية الشاملة لتلتقي بالملف السكاني والتوسع العمراني وتطوير المحافظات، حيث أظهرت مناقشات المنتدى -رغم ضيق الوقت المتاح لوزيرة الإسكان- حقيقة أن مشروعات الإسكان الاجتماعي والبديل ومدن الجيل الرابع ليست مجرد مبانٍ خرسانية، بل هي عملية إعادة توطين متوازنة للمواطنين تعزز من جودة الحياة وقيمة الإنسان، وتفتح آفاقاً استثمارية وصناعية جديدة، وتدعمها رؤية الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة في تحسين البيئة والحوكمة المحلية.

ومما زاد من ثقل منتدى مصر ٢٠٢٦ في نسخته الأولى وأهميته الاستثنائية، هو ترسخ ثقافة الحوار الحر القائم على الرأي والرأي الآخر؛ ويبرز هنا الموقف اللافت للنائب ضياء داود، المعارض السياسي البارز الذي طالما انتقد العديد من سياسات مشروعات النقل، لكنه وقف في المنتدى ليعلن تأييده وموافقته على مشروع شبكة وسائل النقل الموجهة لمدينة العاشر من رمضان، وهو المشروع الذي وافق على تمويله رغم اعتراضه على كثير من المشروعات الخاصة بوزارة النقل، مؤكداً أنه مشروع قومي وخدمي يخدم قلعة الصناعة الوطنية وعمالها. هذا التلاقي بين المعارضة والسلطة حول المصلحة الوطنية المجردة هو جوهر ما نحتاجه في إدارة ملفات مصر الكبرى.

واختتمت الجلسة بتعقيب شامل من الفريق كامل الوزير وزير النقل، فكك فيه الأبعاد المالية والهندسية والإدارية لضمان استدامة هذه الطفرة العمرانية والنقلية، مؤكداً أن الصيانة والتطوير هما أساس المنظومة الجديدة.

إن جلسات المنتدى الأول لمصر ٢٠٢٦ تثبت يوماً بعد يوم أنها البوصلة الحقيقية لمستقبل هذا الوطن؛ ولذا، فإنه من الواجب علينا حماية هذه المنصة وتطويرها في دوراتها القادمة، بمنح المتحدثين كامل وقتهم وحقهم في الشرح والتحليل، بعيداً عن مقصلة الوقت، حتى نضمن أن تصل الرسالة التنموية بعمقها الكامل إلى عقل ووعي كل مواطن مصري.


[email protected]

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء