رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ماجستير بـ25 ألف جنيه ودكتوراه بـ40 ألفًا.. رسائل جامعية للبيع على فيسبوك

إيجبتكِ

من عروض إعداد رسائل الماجستير بعشرات الآلاف من الجنيهات، إلى إعلانات تعد بتسليم أبحاث متكاملة خلال أسابيع، يفتح ملف بيع الرسائل العلمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي الباب أمام تساؤلات مهمة بشأن نزاهة البحث العلمي، وآليات الرقابة على الدراسات العليا، ومدى قدرة الجامعات على التصدي لمحاولات الغش والانتحال الأكاديمي.

ورصد تحقيق «إيجيبتك» صفحات على موقع «فيسبوك» تروج لخدمات إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه في تخصصات مختلفة، وتعرض تسليمها مقابل مبالغ مالية محددة، مع تقديم وعود بإجراء التعديلات المطلوبة حتى موعد المناقشة، وفقًا لما ورد في المحادثات التي أجراها التحقيق مع القائمين على بعض هذه الصفحات.

وتثير هذه الممارسات مخاوف من تحول البحث العلمي، الذي يفترض أن يقوم على الجهد الشخصي والمنهجية العلمية والأمانة الأكاديمية، إلى خدمة تجارية يحصل من خلالها الباحث على عمل جاهز، بما قد يهدد مصداقية بعض المؤهلات العلمية إذا جرى تقديم هذه الأعمال باعتبارها نتاجًا أصيلًا لصاحبها.

رسائل جامعية بأسعار معلنة.. البداية من فيسبوك

بدأت رحلة الرصد بالبحث عبر «فيسبوك» باستخدام عبارة «عمل رسائل ماجستير»، لتظهر صفحات تروج لخدمات إعداد الرسائل العلمية، من بينها صفحات تستخدم أسماء مثل «المركز الأكاديمي للرسائل العلمية» و«خدمات الباحثين»، إلى جانب إعلانات تتحدث عن إنجاز رسائل الماجستير والدكتوراه خلال فترات زمنية قصيرة.

وتواصل «إيجيبتك» مع إحدى الصفحات، مستفسرًا عن إعداد رسالة ماجستير في إدارة الأعمال، فجاء الرد بعرض يتضمن إعداد رسالة كاملة تشمل الفصول والمراجع والدراسات السابقة والتحليل الإحصائي، مقابل 25 ألف جنيه، مع إمكانية تقسيم المبلغ على ثلاث دفعات، والتسليم خلال 45 يومًا، فضلًا عن إجراء التعديلات حتى موعد المناقشة.

وعند الاستفسار عن إمكانية اكتشاف العمل بواسطة برامج فحص التشابه والانتحال، أكد القائم على الصفحة أن نسبة الاقتباس ستكون أقل من 15%، مشيرًا إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وإعادة صياغة المحتوى، كما ادعى أن مئات الرسائل التي أُعدت بالطريقة نفسها نوقشت دون اكتشاف أمرها، وهي ادعاءات لم يتسنَّ للتحقيق التحقق منها بصورة مستقلة.

وفي محادثة أخرى، عرضت صفحة إعداد رسالة دكتوراه في الصحة النفسية مقابل 40 ألف جنيه، مع الإشارة إلى إمكانية توفير مشرف والتعاون مع أساتذة لإنهاء الإجراءات، وفقًا لما ذكره القائم على الصفحة.

وتكشف هذه العروض عن تسويق خدمات تتجاوز المساعدة البحثية المعتادة، لتصل إلى تقديم رسالة متكاملة جاهزة للتسليم، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين الدعم الأكاديمي المشروع وإعداد أبحاث بالنيابة عن أصحابها.

اتهامات بالإشراف الصوري.. أساتذة يتحدثون عن التجاوزات

لا تتوقف المخاوف عند عرض الرسائل للبيع، بل تمتد إلى اتهامات بوجود حالات إشراف أكاديمي صوري، بحسب شهادات أدلى بها أعضاء هيئة تدريس للتحقيق، وطلبوا عدم الكشف عن هوياتهم.

وقال أستاذ بكلية التربية في إحدى الجامعات الحكومية الكبرى، عرّف نفسه بالأحرف الأولى «م. ع»، إن بعض الحالات التي اطلع عليها تضمنت طلابًا يتقدمون بخطط بحثية أُعدت خارج الجامعة، مع محاولات للحصول على موافقة المشرف دون مناقشة كافية لمحتواها.

وأضاف أنه رفض الإشراف على ثلاث رسائل خلال العام الماضي، بعدما تقدم أصحابها بخطط بحث جاهزة من مراكز خارجية، مشيرًا إلى تعرضه لضغوط بعد رفضه التعامل مع هذه الحالات.

وذكر المصدر أن بعض الممارسات قد تصل، بحسب شهادته، إلى تقاضي مبالغ مالية مقابل الإشراف الشكلي، إلا أن هذه الاتهامات تحتاج إلى فحص مستقل وأدلة موثقة لتحديد المسؤوليات والتحقق من نطاقها.

وتسلط هذه الشهادة الضوء على أهمية دور المشرف الأكاديمي في متابعة مراحل إعداد الرسالة، بدءًا من تحديد المشكلة البحثية وصياغة المنهج، وصولًا إلى مراجعة النتائج والتأكد من قدرة الباحث على الدفاع عن عمله أمام لجنة المناقشة.

شبهة انتحال في رسالة ماجستير.. ومطالب بالتحقيق

من جانبها، تحدثت أستاذة بكلية الآداب في جامعة القاهرة، عرّفت نفسها بالأحرف الأولى «س. ح»، عن واقعة قالت إنها اكتشفت خلالها تشابهًا واسعًا بين رسالة ماجستير أشرفت عليها وعمل بحثي منشور خارج مصر.

وأوضحت أنها واجهت صاحبة الرسالة بما اكتشفته، وأن الطالبة أقرت، بحسب روايتها، بشراء الرسالة من إحدى صفحات التواصل الاجتماعي مقابل 20 ألف جنيه.

وأضافت الأستاذة الجامعية أنها أبلغت المسؤولين في قسمها بالواقعة، لكنها قالت إن الإجراءات لم تنتهِ إلى تحقيق النتيجة التي كانت تتوقعها.

وتبقى هذه الرواية شهادة منسوبة إلى مصدرها، ولا يمكن الجزم بصحة تفاصيلها أو تحديد المسؤولية بشأنها دون الاطلاع على الرسالة محل الشكوى، ومقارنتها بالعمل الذي قيل إنها نُقلت عنه، وفحص الإجراءات التي اتخذتها الجامعة.

كما أثارت الأستاذة تساؤلات بشأن مدى استعداد بعض أعضاء لجان المناقشة لمراجعة الرسائل قبل انعقاد الجلسات، مؤكدة أهمية أن تستند المناقشات إلى قراءة متأنية للعمل وتقييم منهجيته ونتائجه، بدلًا من الاكتفاء بأسئلة عامة لا تكشف بالضرورة عن مستوى الباحث أو أصالة دراسته.

خبراء: مواجهة الظاهرة تبدأ من الرقابة والمساءلة

يرى الدكتور حسام فياض، الخبير التربوي، أن بيع الرسائل العلمية يهدد نزاهة منظومة الدراسات العليا، خاصة إذا حصل الباحث على درجة علمية بناءً على عمل لم ينجزه بنفسه، ثم استخدمها في شغل وظيفة تتطلب كفاءة علمية متخصصة.

وطالب بتشديد الرقابة على الصفحات التي تروج لإعداد الرسائل بالنيابة عن أصحابها، وتطوير إجراءات فحص الأبحاث قبل المناقشة، إلى جانب التحقق من فاعلية أدوات كشف الانتحال المستخدمة في الجامعات.

وشدد على ضرورة التمييز بين الاستعانة المشروعة بخدمات التدقيق اللغوي أو المساعدة الإحصائية، وبين شراء رسالة متكاملة وتقديمها باعتبارها عملًا أصيلًا للباحث.

من جانبه، ربط الدكتور منصور محمدي، الخبير التربوي، بين بعض الضغوط التي تواجه الباحثين ومتطلبات الحصول على الدرجات العلمية والترقيات، وبين احتمالات اللجوء إلى وسائل غير مشروعة لإنجاز الأبحاث.

وأشار إلى أهمية مراجعة الظروف التي يعمل فيها الباحثون، وتوفير الوقت والإمكانات اللازمة للبحث العلمي، مع دراسة سبل تحسين الأوضاع المهنية لأعضاء هيئة التدريس، وتطوير آليات مستقلة لمراجعة الرسائل قبل المناقشة.

وأكد أن معالجة الظاهرة تتطلب الجمع بين الرقابة والمساءلة من جهة، وتحسين بيئة البحث العلمي وتوفير الدعم الأكاديمي من جهة أخرى، بما يقلل فرص اللجوء إلى شراء الأبحاث أو الاعتماد على جهات تتولى إعدادها بالكامل.

بدوره، اعتبر الدكتور محمد كمال، أستاذ الأخلاق، أن القضية ترتبط بالأمانة العلمية والمسؤولية المهنية، موضحًا أن الموافقة على رسالة دون التحقق من محتواها، حال ثبوتها، تمثل إخلالًا بواجبات الإشراف والتقييم الأكاديمي.

وشدد على ضرورة التحقيق في أي وقائع يثبت فيها التلاعب بالأبحاث، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المتورطين وفق القواعد القانونية والجامعية المنظمة.

مطالب بتشديد الرقابة وتطوير فحص الرسائل العلمية

في ضوء الشهادات والعروض التي رصدها التحقيق، تبرز مجموعة من المطالب التي تستهدف الحد من بيع الرسائل العلمية وضمان نزاهة الدراسات العليا، من بينها:

- رصد الصفحات التي تعلن إعداد الرسائل كاملة بالنيابة عن الباحثين، والتحقق من أنشطتها بالتنسيق مع الجهات المختصة.

- تطوير استخدام برامج كشف التشابه والانتحال، وعدم الاكتفاء بنتائجها الآلية دون مراجعة بشرية متخصصة.

- تعزيز مسؤولية المشرفين ولجان المناقشة عن التحقق من أصالة الرسائل وسلامة منهجيتها.

- دراسة إنشاء آليات مستقلة لمراجعة الأبحاث التي تظهر بشأنها مؤشرات جدية على الانتحال أو التلاعب.

- توفير قنوات آمنة تتيح لأعضاء هيئة التدريس والباحثين الإبلاغ عن المخالفات، مع ضمان فحص الشكاوى بموضوعية.

- التوعية بالفارق بين الاستعانة بخدمات بحثية مساندة وبين شراء العمل العلمي وتقديمه باعتباره جهدًا شخصيًا.

وتظل هذه الإجراءات مقترحات تستدعي الدراسة والتقييم من الجهات المعنية، مع ضرورة التحقق من الوقائع الفردية وعدم تعميم الاتهامات على الجامعات أو أعضاء هيئة التدريس دون أدلة.

نزاهة البحث العلمي مسؤولية مشتركة

تفتح الوقائع والشهادات التي رصدها التحقيق ملفًا يحتاج إلى فحص جاد من المؤسسات الجامعية والجهات المسؤولة عن التعليم العالي، خصوصًا فيما يتعلق بالإعلانات التي تعرض إعداد رسائل متكاملة، ومدى الالتزام بضوابط الإشراف والمناقشة، وآليات التعامل مع شكاوى الانتحال.

وتتطلب حماية قيمة شهادات الماجستير والدكتوراه ضمان أن تعكس الدرجة العلمية جهد الباحث الحقيقي وقدرته على التفكير والتحليل وإنتاج المعرفة، إلى جانب مساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن أي مخالفة، دون الاكتفاء بالاتهامات المتداولة أو الاعتماد على الشهادات الفردية وحدها.

ويبقى التحدي أمام المؤسسات المعنية هو تحويل المخاوف التي يثيرها انتشار هذه الخدمات إلى إجراءات قابلة للتحقق، تحمي الباحثين الجادين، وتصون الثقة في الشهادات العلمية، وتدعم مكانة البحث العلمي في الجامعات المصرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء