قراءة في أبعاد الموقف الرئاسي والتفويض البرلماني المرتقب ..
تمر المنطقة بمنعطف خطير وحروب فاصلة، وأي تقدير خاطئ قد يقود إلى عواقب وتهديدات جسيمة تعرض استقرار الشعوب ومقدراتها لخطر حقيقي، مما يتطلب أعلى درجات الوعي واليقظة ووحدة الصف العربي والتضامن المشترك في مواجهة التحديات والأطماع الإقليمية، حيث تُجسد الأدبيات والخطابات السياسية المصرية التأكيد المستمر على أن مصر تقف دائماً بحزم إلى جانب أشقائها لحفظ الأمن القومي المشترك، وأن أمن الخليج ومصر هما وحدة واحدة لا تتجزأ.
تنعكس هذه الثوابت السياسية واقعياً في ظل حالة غير مسبوقة من السيولة الاستراتيجية والتوترات العسكرية المتصاعدة التي تفرض ظلالها على الأمن القومي العربي، وتحديداً في منطقة الخليج العربي وحوض البحر الأحمر وصولاً إلى مضيق باب المندب. وأمام التصعيد المستمر والتهديدات الصادرة عن جماعة الحوثي والجهات الإقليمية الداعمة لها، صاغت القيادة السياسية المصرية موقفاً حازماً يتجاوز أطر الدبلوماسية التقليدية؛ حيث أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي التزام القاهرة المطلق بالدفاع عن المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع التلويح بمسار تشريعي ودستوري عاجل يتضمن طلب تفويض من مجلس النواب لاستخدام القوات المسلحة خارج الحدود عند الضرورة.
وتأتي هذه التحركات المصرية الحازمة في توقيت دقيق تتزايد فيه التحليلات والدوافع السياسية الإقليمية والدولية؛ إذ تتردد في الكواليس والدوائر الدبلوماسية بعض التصريحات المتداولة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إعادة طرح "الاتفاقات الإبراهيمية" على الطاولة من جديد مع المملكة العربية السعودية، والمحاولة للضغط باتجاه قبول الرياض عروضاً وتفاهمات إسرائيلية في إطار المواجهة الجارية ضد جماعة الحوثي. وأمام هذه التكهنات والضغوط الدولية المتصاعدة، تعيد تصريحات الرئيس السيسي التأكيد على أن التضامن العربي الذاتي والتكامل بين القاهرة والرياض هما الحصن الأهم لحماية المنطقة، ليأتي الموقف المصري كأبلغ رد استراتيجي يرفض الإملاءات الخارجية ويتمسك بالأمن القومي العربي المستقل.
ورداً على مَن يرى في التصريحات الرئاسية نوعاً من التبعية، فإن قراءة التأكيد المصري على الجاهزية للتحرك الدفاعي اتساقاً مع تقديرات وتوجيهات القيادة السعودية، لا يمكن فك رموزها بعيداً عن الأعراف الدبلوماسية المستقرة وقواعد القانون الدولي الحاكمة لسيادة الدول. فالإشارة إلى الاستجابة لرغبة الرياض ورؤيتها السيادية تأتي احتراماً مطلقاً لسيادة المملكة على أراضيها وقرارها الوطني، وتأكيداً على أن القاهرة لا تفرض وصاية ولا تنتقص من سيادة الأشقاء، بل تقدم دعماً عسكرياً دفاعياً مشروطاً بالتوافق التام والطلب الرسمي الصريح من الدولة المعنية بالدفاع عن حدودها ومكتسباتها.
ولعل الربط الوثيق بين هذا التنسيق الأخوي وبين الذهاب إلى البرلمان المصري لاستيفاء المادة مائة واثنين وخمسين من الدستور، يقطع بحسم أمام أي تأويلات مغرضة تحاول تصوير هذا التكامل على أنه تبعية أو انتقاص من استقلالية القرار. فالقرار السيادي العسكري للجيش المصري يُدار من داخل المؤسسات الدستورية والقومية للقاهرة، وينطلق من فلسفة حماية عمق الأمن القومي العربي وشريان الاقتصاد المصري المتمثل في الملاحة بالبحر الأحمر وقناة السويس. ومن ثم، فإن هذه الصياغة السياسية توازن بدقة بين أحكام الاحترام الدبلوماسي لسيادة الرياض، وبين استقلالية وحكمة ورشادة القرار العسكري المصري الذي يقف سداً منيعاً ضد الأطماع الإقليمية وحافظاً لمصالح الأمة.
وينطلق هذا التوجه الرئاسي من عقيدة الدفاع عن العمق الاستراتيجي، إذ يُعد المساس بأمن المملكة العربية السعودية أو أراضيها تهديداً مباشراً للداخل المصري وللأمن القومي العربي بأسره، باعتبار الرياض والقاهرة القاطرة الرئيسية لحفظ التوازن والاستقرار في الأمتين العربية والإسلامية. وتتسم المقاربة المصرية في هذا الصدد بالطبيعة الدفاعية البحتة؛ فالقاهرة تعلن بوضوح عدم سعيتها لخوض حروب هجومية أو الانجراف نحو استنزاف عسكري، بل تحصر دورها في ردع أي اعتداء وتوفير الحماية الكاملة للأشقاء وفق ما تقتضيه الواجبات القومية، تماماً كما تجلى ذلك سابقاً في دعم أمن دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث شكل الحضور والدعم المصري صمام أمان أسهم في لجم التهديدات وإيقاف الهجمات المستهدفة لأبوظبي.
وفضلاً عن الأبعاد الأمنية المباشرة، يرتكز هذا الموقف على بعد أخلاقي وتاريخي يتمثل في أصالة الوفاء والتآزر بين الدول الشقيقة؛ إذ يستحضر التاريخ المواقف السعودية الخالدة والمشهودة في مساندة مصر، لا سيما خلال حرب أكتوبر المجيدة حتى تحقيق النصر العظيم وما تلا ذلك من محطات حاسمة. وفي الامتداد ذاته، يحرص الخطاب الرسمي على استحضار المواقف الراسخة والدعم الكبير الذي قدمته دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية والإمارات والكويت، لمصر في المحطات الحرجة عقب عام ألفين وثلاثة عشر وما بعدها. ويؤكد هذا الطرح أن الوقوف مع الأشقاء وقت الشدة ليس مجرد رد للجميل، بل هو تجسيد لرابطة المصير الواحد والتحالف المصيري الذي يتجاوز الشراكات التكتيكية والصفقات المادية إلى مستوى التضامن العضوي الراسخ.
وعلى الصعيد الجيوسياسي والاقتصادي، يتصل الموقف المصري اتصالاً مباشراً بحماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر، والتي تمثل شريان الحياة للاقتصادين المصري والعالمي عبر قناة السويس. وتدرك الدولة المصرية أن أي اضطراب في مضيق باب المندب أو استهداف للمرافق الاستراتيجية في الخليج يلقي بتبعاته المباشرة على حركة التجارة الدولية والتدفقات المالية للبلاد. ومن ثم، فإن دعم أمن السعودية واستقرار الخليج يُعد صيانة مباشرة للأمن القومي والاقتصادي لمصر، وخط دفاع أول عن مواردها السيادية ضد الهجمات والاستعراضات العسكرية العابرة للحدود.
كما يتكامل هذا التحرك مع مرجعية دولية وقانونية صلبة تعتمد على ميثاق الأمم المتحدة الذي يقر بحق الدفاع الشرعي عن النفس والدعم الجماعي في مواجهة الاعتداءات، إلى جانب أحكام معاهدة الدفاع العربي المشترك. وتستهدف هذه الصياغة ردع الأطراف الإقليمية التي تسعى إلى استغلال مساحات الفراغ الأمني لفرض معادلات جديدة بالقوة على حساب سيادة الدول العربية؛ حيث تؤكد القاهرة والرياض من خلال هذا التنسيق المتكامل رسم حدود قاطعة تمنع اختراق الأمن الإقليمي، وتستعيد التوازن المطلوب لحماية الاستقرار.
وختاماً، يشكل هذا المشهد المترابط رسالة ردع استراتيجية حاسمة تضع حدّاً لأي حسابات خاطئة قد تراهن على تفكك الصف العربي. وهو يثبت أن الحدود الجغرافية بين الأشقاء لا تفصل بين مقومات أمنهم القومي المشترك، وأن التكامل بين القيادة الحكيمة، والمؤسسية الدستورية، والجاهزية العسكرية يمثل الركيزة الأساسية لحماية مقدرات المنطقة وإفشال مخططات الفوضى في واحدة من أشد الفترات حرجاً وتعقيداً في التاريخ العربي الحديث؛ ولعل هذه الأزمات العصيبة التي تعصف بالمنطقة تكون دافعاً حقيقياً ونواة فعلية لتأسيس جيش عربي موحد وتحقيق الوحدة الشاملة التي طالما نادت بها مصر وسعت إليها دفاعاً عن الأمة ومستقبل أجيالها.