اشتباكات وحرائق ومئات الموقوفين
ماذا يحدث في فرنسا وسط احتجاجات غلاء المعيشة؟
تشهد فرنسا موجة احتجاجات واسعة تصاعدت حدتها السبت 17 أكتوبر 2026، مع خروج طلاب ونقابيين ومواطنين إلى الشوارع اعتراضًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، إلى جانب تراجع مستوى الخدمات العامة ومطالب بتحسين أوضاع التعليم. وشهدت عدة مدن اشتباكات بين محتجين والشرطة، وحرائق وأعمال تخريب، في واحدة من أشد موجات الاضطرابات التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
من احتجاجات المدارس إلى أزمة معيشية أوسع
بدأت التحركات في منتصف سبتمبر الماضي، مع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية على نقص المدرسين وتراجع أوضاع بعض المؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع دائرة المشاركة وتنضم إليها مجموعات طلابية ونقابات عمالية وأشخاص غاضبون من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وتشمل مطالب المشاركين تحسين ظروف التعليم، وزيادة الأجور والمعاشات، وخفض الأسعار، والحفاظ على الخدمات العامة. كما أعادت الاحتجاجات إلى الواجهة أجواء حركة «السترات الصفراء» التي شهدتها فرنسا عامي 2018 و2019، احتجاجًا على الأعباء المعيشية والسياسات الحكومية.
اشتباكات في باريس ومدن أخرى
في العاصمة باريس، شهدت مناطق عدة مواجهات بين الشرطة ومجموعات من المحتجين، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق تجمعات، بعدما ألقى بعض المشاركين مقذوفات باتجاه الشرطة.
كما أُحرقت سيارات ومخلفات في الشوارع، وتعرضت متاجر ومطاعم لأعمال تخريب ونهب. وامتدت الاضطرابات إلى مدن أخرى، بينها ليون ومرسيليا وتولوز وأنجيه، حيث سُجلت أضرار بمبانٍ عامة ومنشآت، من بينها مكتب سياحي في ليون ومبنى البلدية في مرسيليا.
وفي المقابل، أفادت تقارير بأن المسيرة الرئيسية في باريس بدأت في أجواء سلمية إلى حد كبير، قبل أن تتصاعد أعمال العنف في مناطق متفرقة، ما يوضح أن المشهد لم يكن موحدًا بين جميع المشاركين في الاحتجاجات.
272 موقوفًا.. وخلاف حول حجم المشاركة
أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توقيف 272 شخصًا على الأقل على خلفية أحداث العنف حتى منتصف يوم السبت، بحسب تقرير لوكالة رويترز.
الحكومة: لن نتراجع أمام العنف.. وانتقادات لأسلوب الشرطة
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أكد أن الحكومة لن تسمح بفرض أجندات سياسية عن طريق العنف، واتهم مجموعات من اليسار المتطرف وأشخاصًا وصفهم بالمجرمين باستغلال الاحتجاجات لإثارة الفوضى.
في المقابل، أثارت طريقة تعامل الشرطة مع بعض التحركات انتقادات، على خلفية إصابات بين المحتجين، من بينها إصابة مراهق فقد إحدى يديه بعد التقاطه قنبلة صوتية. وأفادت رويترز بأن الجهة الفرنسية المختصة بالرقابة على الشرطة تحقق في أكثر من عشرين ادعاءً يتعلق باستخدام القوة من جانب أفراد الأمن.
وتعكس هذه التطورات خلافًا داخل فرنسا حول كيفية التعامل مع الاحتجاجات: فالحكومة تؤكد ضرورة حماية الأمن والممتلكات ومنع أعمال العنف، بينما يثير منتقدون تساؤلات بشأن تناسب استخدام القوة مع طبيعة التجمعات، وضرورة التحقيق في الوقائع التي أسفرت عن إصابات.
ما الذي تعنيه هذه الاحتجاجات سياسيًا واقتصاديًا؟
تأتي الاحتجاجات في وقت يواجه فيه الرئيس إيمانويل ماكرون ضغوطًا اقتصادية وسياسية، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027، واستمرار المخاوف بشأن الدين العام وعجز الموازنة وتكلفة الاقتراض الحكومي.
ولا تقتصر التحركات على مطلب واحد؛ فهي تجمع بين شكاوى تتعلق بالأسعار والوقود والأجور، ومطالب بتحسين التعليم والخدمات العامة، وانتقادات لسياسات الحكومة. لكن اتساع الاحتجاجات وحده لا يعني أن جميع المشاركين يتبنون موقفًا سياسيًا واحدًا أو أن لديهم برنامجًا موحدًا.
وبين تمسك الحكومة بفرض الأمن، وإصرار المحتجين على طرح مطالبهم، يبقى تطور الوضع مرهونًا بقدرة السلطات والنقابات وممثلي الطلاب على احتواء المواجهات، والتعامل مع المطالب الاجتماعية، والتحقيق في وقائع العنف من جميع الأطراف.


