احتفالاتنا في شهر أكتوبر لا تنتهي، ومع بداية أكتوبر نعيش معاً نفحات الذكرى المجيدة لانتصارات السادس من أكتوبر الكبرى، ومنذ أيام تجدد العهد واحتفلنا في 14 من شهر أكتوبر الحالي بعيد قواتنا الجوية الباسلة وهي ذكرى نحتفل بها كل عام؛ هذا التاريخ المجيد الذي لم يأت صدفة، بل تم اختياره بعناية تخليداً لذكرى معركة المنصورة الخالدة في عام 1973، والتي تُعد أطول معركة جوية بالطائرات النفاثة في تاريخ العسكرية الحديثة بعد أن استمرت لأكثر من 53 دقيقة، وتصدى خلالها صقور الجو المصريون لكثافة عددية ضخمة من طائرات العدو وأجبروه على التراجع والانسحاب مخذولاً، لتُمثل هذه المناسبة الوطنية المتجددة فرصة سامية لاستحضار الأمجاد والوقوف إجلالاً واحتراماً أمام التضحيات العظيمة التي قدمها أبطالنا دفاعاً عن تراب الوطن وصوناً لكرامته وعزته في لحظات فارقة تجسد أسمى معاني الفداء والانتساب الحقيقي لهذا البلد الأبي.
وجديرٌ بالذكر أن القوات الجوية المصرية احتفلت بعيدها الـ 94 في 14 أكتوبر الحالي 2026؛ استمراراً لمسيرة مجيدة تعود جذورها الرسمية إلى عام 1932، حينما حطت أول 5 طائرات مصرية يقودها طيارون مصريون في مطار ألماظة، معلنةً بزوغ فجر صقور الجو الذين صنعوا عبر العقود تاريخاً حافلاً بالبطولات والفداء.
تحتل بطولات سلاح الطيران المصري في حرب أكتوبر 1973 مكانة أسطورية راسخة في تاريخ العسكرية العالمية، حيث استطاع هذا السلاح العريق بقيادة رموزه العظام أن يسطر ملحمة كبرى في التخطيط والجرأة والكفاءة القتالية الفذة، مهدت الطريق أمام قواتنا المسلحة الباسلة لعبور قناة السويس العظيمة وتحطيم أسطورة خط بارليف، وإن هذا الاحتفال المتجدد بعيد القوات الجوية يظل وقفة وفاء وعرفان أمام تلك الصفحات البيضاء المضيئة في تاريخنا العسكري.
لقد انطلقت المحطات والبطولات التي خاضها صقور الجو المصري في تلك الحرب المجيدة وفق خطط دقيقة ومحكمة، بدأت بالضربة الجوية الأولى في تمام الساعة 2:05 من ظهر 6 من أكتوبر عام 1973، حيث انطلقت أكثر من 200 طائرة حربية مصرية في توقيت متزامن لعبور قناة السويس على ارتفاعات منخفضة للغاية لتفادي رادارات العدو متجاوزة شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية المعقدة في سيناء، واستهدفت تلك الضربة مراكز القيادة والسيطرة الرئيسية ومحطات الإشارة والاتصالات ومراكز الحرب الإلكترونية ومواقع رادار حيوية في عمق سيناء، إضافة إلى دك تجمعات المدفعية الإسرائيلية بعيدة المدى، مما أصاب العدو بحالة من الشلل التام وفقدان الاتصالات والسيطرة استمرت لساعات حرجة، ومكّن رجال المشاة والمهندسين العسكريين من بدء العبور التاريخي واقتحام خط بارليف بأقل خسائر ممكنة.
ولم تقتصر البطولات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل ملحمة معركة المنصورة الجوية في 14 من أكتوبر عام 1973، والتي تُعد بحق أكبر معركة جوية بالطائرات النفاثة منذ الحرب العالمية الثانية، واستمرت لأكثر من 53 دقيقة فوق أجواء الدلتا العريقة في مناطق المنصورة ودمياط وبورسعيد، عندما حاولت إسرائيل تنفيذ هجمة جوية كبرى بكثافة عددية ضخمة تضم أكثر من 120 طائرة فانتوم وسكاي هوك لتدمير قواعد الطائرات الاستراتيجية في الدلتا وقطع إمدادات قواتنا، فتصدى أبطال القوات الجوية المصرية بطائرات الميج 21 والسوخوي لتلك الهجمة بشجاعة منقطعة النظير في معارك تلاحمية ضارية أسفرت عن إسقاط ما بين 17 إلى 18 طائرة إسرائيلية مقابل خسائر مصرية محدودة للغاية، مما أجبر طيران العدو على الانسحاب والتراجع مخذولاً، وليُعلن ذلك اليوم رسمياً في سجل العسكرية المصرية والعالمية يوماً خالداً للقوات الجوية المصرية.
وطوال أيام المعركة، لم تتوقف مهام سلاح الطيران عند حدود الضربة الأولى، بل استمر في فرض مظلة ودفاع جوي متحرك لحماية القوات البرية المتقدمة في سيناء من هجمات الطيران الإسرائيلي، ونفذت المقاتلات وقاذفات القنابل مئات الطلعات اليومية لمعاونة الجيشين الثاني والثالث الميداني في تدمير دروع ومدرعات العدو واستهداف مراكز تجمعه وإمداداته المندفعة نحو خطوط القتال، فضلاً عن لعب دور حاسم في إرباك القيادة الإسرائيلية من خلال ضرب القواعد الجوية الحيوية في سيناء ومطارات الإمداد واستهداف محطات الإنذار المبكر في جبل أم خشيب وجبل مريخة، مما أعماها تماماً عن رصد التحركات المصرية في الأوقات الحاسمة.
وقد سطر رجال القوات الجوية أسماءهم بحروف من نور في سجل البطولات، مثل قادة التشكيلات والأسراب وطيارينا الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم لتظل راية الوطن عالية خفاقة، ومثلت هذه البطولات الفردية والجماعية نماذج حية وموثقة تعكس حجم الشجاعة والبسالة؛ مثل بطولة "الطيار المنصوري" الذي وصفته أدبيات وتقارير العدو بـ "الطيار المجنون" نظراً لجرأته الفائقة ومناوراته الهجومية الانتحارية الخارقة للعادة في مواجهة تشكيلات طائرات الفانتوم، وكذلك بطولة الشهيد الرائد طيار أحمد توفيق حلمي نسر معركة المنصورة الذي خاض معركة جوية شرسة ومنفردة ضد تشكيل معادي متفوق عدديًا واستطاع إسقاط إحدى طائرات الفانتوم الإسرائيلية بجدارة، ورغم إصابة طائرته واسترخاصه لروحه فضل البقاء داخل طائرته المشتعلة موجهًا إياها بعيداً عن المناطق السكنية المكتظة بالمدنيين حتى استشهد مسطرًا نموذجًا فريدًا للتضحية والفداء من أجل سلامة الوطن، إلى جانب بطولة قائد التشكيل النقيب طيار حينها في مواجهة قاعدة بير تمادا حين قاد مجموعة من الطيارين أسرابًا حلقت على ارتفاعات شديدة الانخفاض دون بضع عشرات الأمتار فوق سطح الأرض لتفادي الرادارات ودمروا غرف العمليات وشبكات الاتصالات الرئيسية للعدو محدثين عمى كاملاً وشللاً تاماً في اتخاذ القرار، وكذا بطولة أطقم طائرات الهليكوبتر في نقل عناصر الصاعقة وقوات الإبرار خلف خطوط العدو وتوفير الدعم الناري والمؤن والذخائر لقواتنا في العمق، وبطولة عقيدة التضحية بالذات في التصدي للغارات الاستئصالية وهندسة هجمات استباقية أجبرت طائرات العدو على الفرار والهرب.
ولا يمكن في هذا المقام الخالد إلا أن نستحضر بكل الفخر والاعتزاز ذكريات الطفولة الجميلة وحنين تلك الأيام، حين كنت أتابع بشغف وفخر بالغ تفاصيل تلك البطولات، وحين تركت في نفسي أثراً عميقاً رؤية صور أحد أفراد العائلة والأقارب الأبطال الأجلاء وهو الطيار محمد وفائي عبد الشافي متصدرًا صفحات الصحافة العالمية والمجلات الصحفية الكبرى مثل مجلة أكتوبر والمصور بعد أن كتبت الصحافة الأمريكية بتجرد عن بسالته وبطولته الفذة في سماء المعركة، وهو ما كان يملأ قلوبنا نحن الصغار وقتذاك غبطة وفخراً بانتمائنا إلى هذا العرين الأبي من صقور مصر الميامين.
إن هذه البطولات والمواقف الخالدة ما كانت لتكتمل وتؤتي ثمارها لولا الإعداد السليم والتخطيط العلمي الدقيق والإدارة العسكرية الواعية، وهنا لابد أن نتوجه بخالص الشكر والتقدير والعرفان لكل من وقف خلف هذا الإنجاز التاريخي العظيم وعلى رأسهم اللواء طيار محمد حسني مبارك قائد الضربة الجوية رحمه الله وغفر له؛ فقد أثبتت بطولات سلاح الطيران في عام 1973 أن العقيدة القتالية الحقيقية، والتخطيط العلمي الدقيق، والشجاعة الفائقة، قادرة حقاً على قهر التفوق التكنولوجي والعددي للخصم، وأن الكفاءة البشرية المصرية والإيمان المطلق بالتراب الوطني هما الفارق الحاسم والدائم في حسم المعارك الكبرى وصناعة التاريخ.
[email protected]