حرية على المقاس هولندا.. ديمقراطية من طرف واحد
حرية على المقاس
هولندا.. ديمقراطية من طرف واحد
اللواء د. رضا فرحات
أستاذ العلوم السياسية
بينما ترفع هولندا شعاراتها البراقة عن العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، تكشف واقعة القبض على الناشط المصري أحمد ناصر عن تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة، وتضع الحكومة الهولندية أمام اتهامات جدية بازدواجية المعايير في التعامل مع المصريين على أراضيها، في الوقت الذي تتصاعد فيه الشكاوى المصرية بشأن تجاوزات وإساءات أمام السفارة المصرية، يجد شاب مصري نفسه رهن الاحتجاز أثناء توجهه للمشاركة في تحرك داعم لبلاده، في مشهد يثير غضبا مشروعا وتساؤلات لا يمكن تجاهلها حول طبيعة المعايير التي تحكم تصرفات السلطات الهولندية.
إن المشكلة هنا ليست في شعارات الحرية التي ترفعها أمستردام، وإنما في الطريقة التي تطبق بها هذه الشعارات عندما يتعلق الأمر بمصر ومواطنيها، وفي ما إذا كانت حرية التعبير حقا مكفولا للجميع أم مساحة تتسع لبعض الأصوات وتضيق أمام أصوات أخرى، و باتت الحكومة الهولندية مطالبة بتفسير واضح لما حدث، والكشف عن ملابسات توقيف أحمد ناصر، وضمان حقوقه القانونية، والتعامل بالجدية نفسها مع الشكاوى المتعلقة بالتجاوزات أمام السفارة المصرية، بدلا من ترك انطباع بأن القانون يطبق بمعايير مختلفة تبعا لطبيعة الموقف السياسي.
ولا نبالغ إذا قلنا إن ما جرى في هولندا يثير مخاوف جدية بشأن المساحة التي تتحرك فيها الجماعات المتطرفة والتيارات المعادية للدولة المصرية، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول كيفية تعامل السلطات مع التحركات التي تستهدف السفارة المصرية ومكانة الدولة المصرية، فأي دولة تحترم القانون لا يجوز أن تسمح بتحويل شوارعها إلى ساحات للتطاول على البعثات الدبلوماسية أو التحريض ضد الدول ومؤسساتها، ثم تتعامل مع مواطن يتجه للتعبير عن موقف داعم لبلاده بإجراءات تثير كل هذه التساؤلات.
إن حرية التعبير لا تمنح أحدا حصانة من القانون، كما أن الاختلاف لا يبرر التضييق على الآخرين، ولا يجوز أن تتحول الأراضي الأوروبية إلى مساحة تستغلها الجماعات المعادية للدول لتصفية حساباتها السياسية، بينما يجد المواطنون الذين يدافعون عن أوطانهم أنفسهم أمام إجراءات تحتاج إلى تفسير عاجل، وإذا كانت أمستردام تتمسك فعلا بدولة القانون، فعليها أن تثبت ذلك على أرض الواقع، بحماية السفارة المصرية، والتعامل الجاد مع التجاوزات، والكشف عن أسباب توقيف أحمد ناصر وضمان حقوقه القانونية، بدلا من ترك هذه الواقعة تتحول إلى نموذج جديد للجدل حول ازدواجية المعايير الأوروبية.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أحمد ناصر بالذات؟ لماذا هذا التوقيت؟ الإجابة واضحة لكل ذي بصيرة، إنها سياسة الكيل بمكيالين، سياسة النفاق الأوروبي المقيت، التي توظف فيها ملفات حقوق الإنسان كأداة ضغط على دول بعينها، بينما تمنح حصانة كاملة لمن يخدم أجنداتها، من يقف مع مصر يصبح «إرهابيا» في نظر لاهاي، ومن يتآمر مع أعداء الاستقرار يصبح «مناضلا» و«مدافعا عن الحرية».
أي عدالة هذه التي تتسع أمام أصوات تتطاول على الدول ومؤسساتها، ثم تضيق أمام مصري يعبر عن موقفه الوطني؟ إن ما جرى يضع الحكومة الهولندية في مواجهة مباشرة مع اتهامات بازدواجية المعايير، ويكشف التناقض بين شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين الممارسات على أرض الواقع، إنه لأمر مخز أن تتحول الحريات إلى امتيازات انتقائية، وأن تصبح مصداقية المؤسسات الأوروبية موضع تساؤل كلما تعلق الأمر بمصر ومواطنيها، في مشهد يكشف التناقض بين الشعارات المعلنة والممارسات الفعلية.
لقد آن الأوان لأن تواجه هولندا حقيقة التناقض بين شعاراتها وممارساتها، فمن يريد أن يلعب دور الحكم النزيه عليه أن يطبق القانون على الجميع دون استثناء، أما أن تتحول إلى ساحة تتحرك فيها جماعات متطرفة وتستغل فيها الحريات للتحريض ضد الدول ومؤسساتها، بينما يوقف ناشط مصري وسط غموض يحيط بأسباب احتجازه، فإن ذلك يثير تساؤلات خطيرة حول حقيقة الموقف الأوروبي من استقرار المنطقة، القضية تتجاوز حدود الواقعة الفردية، لتفتح ملف ازدواجية المعايير الأوروبية، ومدى استعداد بعض الحكومات للتغاضي عن أنشطة تثير القلق، في مقابل اتخاذ إجراءات تستهدف مواطنين يعبرون عن مواقف وطنية، بما يهدد الثقة في مصداقية الخطاب الأوروبي بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إن الحكومة الهولندية مطالبة اليوم بأن تختار بين احترام المبادئ التي تعلن التمسك بها وبين ترك الشكوك تتراكم حول انتقائية تطبيقها، الدول لا تقاس مصداقيتها بما تقوله عن الحرية، وإنما بقدرتها على حمايتها دون تمييز، وإذا كانت هولندا تريد الحفاظ على صورتها كدولة تحترم الحقوق والمؤسسات، فعليها أن تقدم إجابات واضحة، وأن تثبت أن القانون فوق الحسابات السياسية، وأن أمن السفارة المصرية وحقوق المواطن المصري لا يقلان أهمية عن أي قضية أخرى تتبناها في خطابها الدولي، أما استمرار التناقض بين الشعارات والممارسات، فسوف يجعل الحديث عن الحريات الأوروبية أقرب إلى خطاب انتقائي يفقد مصداقيته كلما اصطدم بالواقع.
مصر لا تطلب معاملة استثنائية، وإنما تطالب بتطبيق القواعد نفسها التي تدعو أوروبا الآخرين إلى احترامها، وتطالب بأن تكون كرامة المواطن المصري وأمن مؤسسات الدولة المصرية محل احترام كامل، لا موضوعا للمساومة أو الانتقائية السياسية.