رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

50 ساعة عمل أسبوعيًا وأكثر.. الوجه الآخر لحياة أعضاء هيئة التدريس| خاص

وزير التعليم العالي
وزير التعليم العالي

لا تُقاس حياة الجامعة المصرية بعدد المحاضرات المدرجة في الجداول الدراسية وحده، ولا تُختزل مهام عضو هيئة التدريس في الساعات التي يقضيها داخل قاعة المحاضرات أو المختبرات؛ فخلف كل محاضرة ساعات من الإعداد والمراجعة والتطوير، وخلف كل بحث علمي رحلة من القراءة والتحليل والتجريب والكتابة، وبالتوازي مع ذلك تتواصل مسؤوليات الإشراف على الطلاب والباحثين، ومتابعة الرسائل العلمية، والمشاركة في أعمال الأقسام واللجان وخدمة المجتمع.


وقال الأستاذ الدكتور محمد فوزي عبد العال، عضو هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة أسيوط، في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»، إن العمل الأكاديمي يتجاوز الساعات المثبتة في جداول المحاضرات، إذ يمتد إلى مهام متعددة تشمل إعداد المحتوى العلمي، ومتابعة الطلاب، والإشراف على الأبحاث، واستكمال المتطلبات البحثية والإدارية، وهي أعباء لا تظهر جميعها في السجلات اليومية، لكنها تمثل جزءًا أساسيًا من منظومة العمل الجامعي.


وتطرح هذه الأعباء تساؤلًا مهمًا حول كيفية احتساب ساعات العمل داخل الجامعات، ومدى قدرة الأنظمة الإدارية على تحقيق التوازن بين متطلبات التدريس والبحث العلمي، والحفاظ على صحة أعضاء هيئة التدريس واستدامة عطائهم.

الدكتور محمد فوزي
الدكتور محمد فوزي


أسبوع أكاديمي يتجاوز الساعات الرسمية


وتُظهر بعض الدراسات الدولية أن العمل الأكاديمي قد يمتد إلى ساعات تتجاوز بكثير الوقت المحدد للتدريس الرسمي، نتيجة تعدد المسؤوليات وتداخلها. ومن الأمثلة الدالة على ذلك دراسة أُجريت في خمس جامعات فلمنكية، وشملت 1195 باحثًا وعضو هيئة تدريس، ووجدت أن متوسط ساعات العمل بلغ 50.4 ساعة أسبوعيًا، فيما أفاد 12% من المشاركين بأنهم يعملون أكثر من 60 ساعة أسبوعيًا.


وتكشف هذه النتائج عن جانب من طبيعة المهنة الأكاديمية، إذ لا ينتهي العمل بالضرورة بانتهاء المحاضرات، ولا تتوقف المهام عند مغادرة الحرم الجامعي. فقد يستكمل عضو هيئة التدريس إعداد محاضرة جديدة في المنزل، أو يراجع بحثًا علميًا، أو يتابع ملاحظات الطلاب، أو يعمل على استكمال متطلبات مشروع بحثي.


ومع ذلك، ترتبط هذه الأرقام ببيئة جامعية محددة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها متوسطًا عالميًا أو دليلًا مباشرًا على عدد ساعات العمل في الجامعات المصرية. كما تختلف طبيعة الأعباء باختلاف التخصص والدرجة الأكاديمية والمسؤوليات الإدارية والبحثية.


ماذا تقول الدراسات المصرية عن الإرهاق المهني؟

واشار عضو هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة أسيوط، إلي أنه في السياق المصري، تناولت دراسة منشورة عام 2022 في مجلة Frontiers in Public Health ظاهرة الإرهاق المهني وفقدان الإنتاجية لدى عينة ضمت 240 من العاملين الأكاديميين بجامعة قناة السويس.


وأظهرت نتائج الدراسة أن 28% من المشاركين سجلوا مستوى مرتفعًا من الإرهاق العاطفي، بينما سجل 18.3% مستوى مرتفعًا من التبلد أو الانفصال الشخصي، في حين سجل 88.3% مستوى منخفضًا في بُعد الإنجاز الشخصي وفقًا لمقياس الإرهاق المستخدم في الدراسة.

مؤشرات الغياب والحضور


كما رصد الباحثون ارتباطًا بين الإرهاق العاطفي وبعض مؤشرات الغياب والحضور منخفض الإنتاجية، بما يسلط الضوء على العلاقة المحتملة بين الحالة المهنية للعاملين والأداء الوظيفي.


وتظل هذه النتائج مرتبطة بعينة الدراسة، ولا تسمح وحدها بتعميمها على جميع الجامعات المصرية، كما لا تثبت أن ساعات العمل الطويلة هي السبب المباشر للإرهاق، إذ قد تتداخل عوامل أخرى، من بينها الأعباء الإدارية وضغوط التقييم والترقي وتوافر الموارد وطبيعة بيئة العمل.


المحاضرة الواحدة.. ماذا يحدث خلف الستين دقيقة؟


واشار بأنه قد تبدو المحاضرة الجامعية، من منظور الطالب، وحدة زمنية محددة تبدأ في موعدها وتنتهي بعد ساعة أو ساعتين، لكنها تمثل في كثير من الأحيان الجزء الظاهر فقط من عملية تعليمية أكثر اتساعًا.


فإعداد المحاضرة يتطلب مراجعة المحتوى العلمي وتحديثه، واختيار المراجع المناسبة، وتصميم الأمثلة والتطبيقات، وربط المعرفة النظرية بالمستجدات في التخصص. وبعد انتهائها، قد يحتاج عضو هيئة التدريس إلى الإجابة عن استفسارات الطلاب، ومراجعة التكليفات، وتصحيح الاختبارات، وتقييم مستوى التحصيل.


وفي بعض التخصصات، يمتد الأمر إلى التدريب العملي والإشراف على المشروعات والتجارب، ومتابعة إجراءات السلامة داخل المعامل، وتقييم الأداء المهاري للطلاب.

فكرة «الساعة الأكاديمية الخفية»


وهنا تظهر فكرة «الساعة الأكاديمية الخفية»، وهي الوقت الذي لا يظهر في جدول المحاضرات، لكنه يمثل جزءًا لا يتجزأ من جودتها وفاعليتها. ويظل السؤال المطروح: هل يعكس حساب ساعات العمل الجامعي الوقت الذي يقضيه الأستاذ داخل القاعة فقط، أم يشمل أيضًا الجهد الذي يجعل المحاضرة ممكنة ويضمن تحقيق أهدافها التعليمية؟


البحث العلمي.. جهد ممتد لا يُقاس بعدد الأوراق المنشورة


ويري أن البحث العلمي يمثل أحد الأدوار الأساسية للجامعة المصرية، لكنه من أكثر المهام التي يصعب اختزالها في مؤشرات زمنية أو أرقام منفردة.


فالبحث الجاد يبدأ بتحديد المشكلة وصياغة السؤال البحثي، ثم مراجعة الأدبيات العلمية، واختيار المنهج المناسب، وجمع البيانات وتحليلها، ومناقشة النتائج، وإعداد المسودة، وإجراء التعديلات المطلوبة قبل النشر. وقد تستغرق بعض المشروعات شهورًا أو سنوات، خاصة في التخصصات الطبية والعلمية التي تعتمد على التجارب المعملية أو الدراسات الإكلينيكية أو التعاون بين فرق متعددة.


كما أن النشر الدولي لا يمثل نهاية الرحلة البحثية دائمًا؛ فقد يحتاج الباحث إلى الرد على ملاحظات المحكمين، وإعادة تحليل بعض النتائج، واستكمال تجارب إضافية، أو تطوير الدراسة استجابة لملاحظات المجلات العلمية.


وتتداخل هذه المسؤوليات مع التدريس والإشراف الأكاديمي والمهام الإدارية، وهو ما يجعل إدارة الوقت أحد التحديات الرئيسية أمام الباحثين.


ولا يعني ذلك أن زيادة ساعات العمل تؤدي بالضرورة إلى زيادة الإنتاج العلمي؛ فجودة البحث تتطلب تركيزًا ووقتًا مناسبًا للتفكير، إلى جانب التمويل والأجهزة والمصادر العلمية والتعاون البحثي.


ماذا تكشف المؤشرات الوطنية عن حجم المنظومة؟

أجاب بأن توفر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المتعلقة بأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم خلال العام الجامعي 2023/2024 مدخلًا لفهم حجم الموارد البشرية التي تعتمد عليها مؤسسات التعليم العالي في تنفيذ مهامها التعليمية والبحثية.


كما نقلت الهيئة العامة للاستعلامات عن تصنيف SCImago أن مصر سجلت 44,219 بحثًا دوليًا خلال عام 2023، وهو مؤشر يعكس جانبًا من الحضور البحثي المصري على المستوى الدولي.


لكن عدد الأبحاث المنشورة لا يكفي وحده للحكم على جودة الإنتاج العلمي أو أثره المجتمعي، كما أن إجمالي المنشورات لا يوضح بصورة مباشرة مقدار الوقت الذي بذله الباحثون، أو مدى توافر التمويل والمختبرات والمساعدين والموارد اللازمة لإنجازها.


ويؤكد بأن القدرة البحثية للجامعات تعتمد على منظومة متكاملة تشمل الباحثين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب والباحثين المساعدين، إلى جانب البنية التحتية والتمويل والتعاون بين المؤسسات العلمية.
الأعباء الإدارية.. الوقت الذي ينافس التدريس والبحث


إلى جانب التدريس والبحث والإشراف، يشارك أعضاء هيئة التدريس في طيف واسع من المهام الإدارية والتنظيمية، تشمل اجتماعات الأقسام العلمية، وإعداد التقارير، والمشاركة في اللجان، ومراجعة ملفات الطلاب، واستكمال إجراءات الجودة والاعتماد، ومتابعة متطلبات البرامج الدراسية.


ورغم أهمية هذه المهام في تنظيم العمل الجامعي وضمان الالتزام بالمعايير المؤسسية، فإن تراكمها أو تكرارها أو الاعتماد على إجراءات ورقية مطولة قد يؤدي إلى استهلاك وقت كان من الممكن توجيهه إلى تطوير المقررات أو متابعة الطلاب أو إنجاز الأبحاث.


ويشدد علي أهمية مراجعة توزيع الأعباء بين أعضاء هيئة التدريس والجهاز الإداري، والتوسع في استخدام الأنظمة الرقمية، وتقليل الأعمال المكررة التي لا تضيف قيمة حقيقية إلى العملية التعليمية أو البحثية.


هل الساعات الطويلة دليل على التميز الأكاديمي؟


رد الدكتور محمد فوزي بأنه من المهم التمييز بين التفاني في العمل وبين اعتبار الإرهاق معيارًا للجدية أو الكفاءة. فقد تعكس ساعات العمل الطويلة حجم المسؤوليات أو طبيعة المشروع البحثي، لكنها لا تشكل في ذاتها دليلًا على ارتفاع جودة التدريس أو البحث.


فعضو هيئة التدريس الذي يعمل في بيئة تتوافر فيها المراجع والأجهزة والدعم الإداري قد يتمكن من إنجاز مهامه بكفاءة أعلى خلال وقت أقل، مقارنة بآخر يواجه صعوبات في الوصول إلى الموارد نفسها، أو يتحمل أعباء إدارية متراكمة إلى جانب مسؤولياته التعليمية.


ومن هنا، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون تقليل ساعات العمل بصورة شكلية أو زيادتها باعتبارها دليلًا على التفاني، بل تنظيمها بما يتناسب مع طبيعة المهام ويحقق أفضل النتائج الممكنة.


وحول كيفية بناء بيئة أكاديمية أكثر استدامة،قال إن الاعتراف بالساعات الأكاديمية الخفية يمثل نقطة بداية، لكنه لا يكفي وحده. فالاستجابة الفعالة تحتاج إلى إجراءات عملية تجعل توزيع العمل أكثر وضوحًا وعدالة، وتساعد أعضاء هيئة التدريس على أداء مسؤولياتهم دون استنزاف مستمر.


وتشمل هذه الإجراءات تطوير آليات احتساب الأعباء الأكاديمية بحيث تراعي الإعداد والتصحيح والإشراف، ومراجعة المهام الإدارية وتبسيطها، وتوفير وقت مناسب للبحث العلمي، وتعزيز فرص التمويل والتعاون البحثي، والاهتمام بالصحة المهنية والنفسية، إلى جانب تطوير نظم تقييم الأداء والترقي بما يعكس تنوع الأدوار الأكاديمية وجودة المخرجات.


كما أن دعم فرق العمل داخل الجامعات يمثل عنصرًا مهمًا، لأن نجاح العملية التعليمية والبحثية لا يعتمد على الجهد الفردي وحده، بل على التعاون بين أعضاء هيئة التدريس والباحثين المساعدين والإداريين والطلاب.


الجامعة تُبنى بما لا يظهر في جدولها


ويري الدكتور محمد فوزي ،إن الساعات الخفية التي يقضيها أعضاء هيئة التدريس في الإعداد والتدريس والبحث والإشراف ليست تفصيلًا هامشيًا في الحياة الجامعية، بل تمثل جزءًا أساسيًا من البنية التي تقوم عليها المؤسسات التعليمية والبحثية.


وتوضح الدراسات الدولية والمصرية أن العمل الأكاديمي قد يرتبط بأعباء ممتدة وتحديات مهنية تستحق الدراسة والمتابعة، مع ضرورة قراءة النتائج في سياقها وعدم تعميمها دون أدلة كافية.


وأختتم الدكتور محمد فوزي ،بأن المعيار الحقيقي لنجاح المنظومة الجامعية ليس عدد الساعات التي يقضيها الأستاذ في العمل وحده، وإنما ما تنتجه هذه الساعات من معرفة نافعة، وتعليم متميز، وباحثين مؤهلين، وحلول علمية تخدم المجتمع.


وعندما يُقابل الجهد الأكاديمي بتنظيم عادل ودعم مؤسسي فعال، يصبح التفاني أكثر قدرة على الاستمرار، ويتحول الوقت المبذول خلف الكواليس إلى قيمة علمية وتعليمية ملموسة، تسهم في بناء جامعة مصرية أكثر قدرة على التطور والمنافسة والاستجابة لاحتياجات المستقبل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء