ليست القضية أن نكون مع مشروعات النقل الحديثة أو ضدها. فالدولة التي تريد النمو تحتاج إلى طرق وموانئ وسكك حديدية ونقل جماعي قادر على تحريك البشر والبضائع وخفض تكلفة التجارة وجذب الاستثمار. والقرض، في حد ذاته، ليس خطيئة اقتصادية؛ فقد يكون أداة رشيدة لتمويل أصل منتج تمتد منافعه لعقود
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق توقيع القرض لا أن يأتي بعد تشغيل المشروع هو: من سيسدد؟
وهنا تحديدًا يبدأ النقاش الحقيقي.
الداء: الخلط بين وجود إيرادات دولارية والقدرة على خدمة الدين
قد تمتلك جهة عامة إيرادات بالدولار من الموانئ أو الخدمات أو الأنشطة المختلفة، لكن وجود حصيلة دولارية لا يكفي وحده للقول إن ديون مشروع جديد تسدد نفسها.
فالاختبار المالي الصحيح أكثر صرامة: كم يبلغ صافي التدفق النقدي المتاح فعلًا لخدمة الدين بعد مصروفات التشغيل والصيانة والاستثمارات الضرورية والالتزامات القائمة؟ وما آجال القروض وفوائدها وعملاتها؟ وماذا يحدث إذا انخفضت الإيرادات أو ارتفعت تكلفة التشغيل أو تحرك سعر الصرف؟
وهذه ليست أسئلة نظرية. أحدث تقييمات صندوق النقد تشير إلى أن الدين العام واحتياجات التمويل الإجمالية في مصر ما زالت مرتفعة، وأن احتياجات التمويل الإجمالية تدور حول مستويات مرتفعة في الأجل القريب، بما يجعل إدارة الديون والمخاطر المالية مسألة شديدة الأهمية.
لذلك، فإن العبارة التي ينبغي أن تحكم أي مشروع ممول بالاقتراض ليست: لدينا إيرادات، وإنما: لدينا تدفقات نقدية مخصصة وقابلة للاستمرار تكفي خدمة هذا الدين تحت سيناريوهات مختلفة.
والفارق بين العبارتين هو الفارق بين إيراد موجود على الورق، وقدرة حقيقية على السداد.
من دين المشروع إلى دين المواطن
إذا كان المشروع قادرًا على سداد أصل الدين وفوائده من موارده الذاتية المستدامة، فإن الاقتراض قد يكون مبررًا ماليًا، بشرط أن تكون منفعته الاقتصادية والاجتماعية أكبر من تكلفته.
أما إذا لم تكف الإيرادات، فهناك سؤال يجب ألا نؤجله: من يتحمل الفجوة؟
في المشروعات العامة، لا تختفي الخسارة المالية. قد تتحول إلى دعم من الموازنة، أو ضمانات حكومية، أو إعادة تمويل، أو مساهمة رأسمالية جديدة، أو التزامات تتحملها جهة عامة أخرى. وهكذا قد يبدأ الدين باعتباره دين مشروع وينتهي ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ التزامًا عامًا.
وهذا تحديدًا ما تحذر منه المرجعيات الدولية في إدارة البنية الأساسية؛ فالبنك الدولي يؤكد ضرورة تقييم القدرة المالية والاستدامة طوال دورة حياة المشروع، وربط اختيار المشروعات بالموازنة، واحتساب أثرها في الدين والالتزامات الاحتمالية، مع اختبارات حساسية وسيناريوهات للمخاطر.
وهنا يصبح المواطن طرفًا في المعادلة حتى لو لم يركب القطار أو المونوريل.
لأن كل جنيه توجهه الخزانة لاحقًا لإنقاذ التزام لم تستطع الجهة المقترضة الوفاء به هو جنيه كان يمكن أن ينافس على التعليم أو الصحة أو الحماية الاجتماعية أو الاستثمار في مشروع آخر.
القضية ليست هل نحتاج القطار؟ بل هل هذا هو التوقيت والحجم والتمويل المناسب؟
قد يكون المشروع ممتازًا هندسيًا، لكنه غير مناسب ماليًا في توقيت معين.
وقد يكون ذا قيمة مستقبلية كبيرة، لكن تنفيذه دفعة واحدة يفرض ضغطًا يفوق قدرة الاقتصاد على التمويل.
وقد يكون مفيدًا اجتماعيًا ولا يحقق إيرادًا تجاريًا كافيًا، وفي هذه الحالة يجب أن نقول ذلك بوضوح منذ البداية، وأن نتعامل معه باعتباره مشروع خدمة عامة يحتاج إلى مساهمة من الدولة، بدلًا من تصويره كمشروع يسدد ديونه بالكامل من عوائده.
الشفافية هنا لا تعني رفض المشروع؛ بل معرفة ثمنه الحقيقي ومن سيدفعه.
ولهذا فإن المفاضلة بين المشروعات يجب ألا تقوم فقط على الرغبة في امتلاك أحدث وسائل النقل، وإنما على العائد الاقتصادي والاجتماعي، وعدد المستفيدين، وتأثير المشروع في الإنتاج والتجارة والتشغيل، وبدائله الأقل تكلفة، وقدرته على توليد النقد، وأثره في الدين العام.
الدواء: اختبار السداد الذاتي قبل القرض
يمكن أن تتبنى مصر قاعدة بسيطة لأي مشروع بنية أساسية كبير ممول بقرض خارجي: لا قرض كبير بلا اختبار منشور للقدرة على السداد.
ويشمل الاختبار على الأقل التدفقات النقدية المتوقعة لعمر القرض، والإيرادات بالنقد الأجنبي مقابل الالتزامات بالنقد الأجنبي، ونسبة تغطية خدمة الدين، وتكاليف التشغيل والصيانة، والضمانات الحكومية، والسيناريو المتشائم، ومقدار ما قد تتحمله الموازنة إذا لم تتحقق الافتراضات.
وهذا يتسق مع أفضل الممارسات الدولية. فأدوات صندوق النقد لتقييم المؤسسات العامة تختبر السيولة والتدفقات النقدية والقدرة على خدمة الدين في السيناريو الأساسي وسيناريوهات الضغط، ثم تقيس الأثر المحتمل على المالية العامة.
أما البنك الدولي فيضع إدارة تكلفة الدين ومخاطره، وليس مجرد الحصول على التمويل، في قلب الإدارة الرشيدة للدين العام.
سقف ليس للدَّين فقط.. بل للمخاطر
الحل الثاني هو وضع موازنة للمخاطر إلى جانب الموازنة المالية التقليدية.
فليس المهم فقط مقدار ما اقترضته جهة عامة، وإنما مقدار ما يمكن أن ينتقل من التزاماتها إلى الدولة في الظروف غير المواتية.
ومن هنا يمكن وضع حدود لاقتراض الهيئات والمشروعات الكبرى ترتبط بقدرتها الذاتية على خدمة الدين، وليس فقط بإمكانية حصولها على ضمان سيادي.
بل إن الضمان الحكومي نفسه يجب أن تكون له تكلفة مخاطر معلنة؛ لأن الضمان ليس مالًا مجانيًا، وإنما التزام احتمالي على دافع الضرائب.
وقد بدأت مصر بالفعل في توسيع الإفصاح عن المخاطر المالية والالتزامات الاحتمالية المرتبطة بالضمانات والمؤسسات العامة والشراكات، وفق ما ورد في أحدث تقارير صندوق النقد. وهذه خطوة مهمة يمكن البناء عليها بمزيد من الإفصاح على مستوى المشروعات الكبرى.
الأولوية قبل الحداثة
هناك سؤال أصعب من سؤال التمويل: هل المشروع هو الاستخدام الأفضل للموارد المحدودة الآن؟
الاقتصاد لا يختار بين مشروع جيد ومشروع سيئ دائمًا؛ بل كثيرًا ما يختار بين عدة مشروعات جيدة، بينما لا يستطيع تمويلها جميعًا في الوقت نفسه.
ولهذا فإن التجارب الدولية الجيدة في إدارة الاستثمار العام تركز على بوابة مستقلة لتقييم المشروعات قبل إدراجها في خطط الاستثمار: دراسة جدوى، تحليل تكلفة ومنفعة، بدائل، مخاطر، قدرة مالية، ثم ترتيب للأولويات. ويضع إطار البنك الدولي لحوكمة البنية الأساسية اختيار المشروع وتصميمه وتنفيذه والشفافية وإدارة المخاطر ضمن منظومة واحدة.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل القطار السريع أو المونوريل مشروع حديث؟
السؤال الأكثر فائدة هو: مقارنة بكل استخدام بديل للمليارات نفسها، أين يتحقق أكبر عائد اقتصادي واجتماعي لمصر الآن؟
لا نحاكم الماضي.. ولكن نغير قاعدة المستقبل
ليس المطلوب وقف مشروعات بدأت أو التنكر لاستثمارات تم تنفيذها. فالقرار الرشيد يتعامل مع الواقع كما هو.
المطلوب أن يصبح لكل مشروع قائم ممول بالدين حساب اقتصادي ومالي واضح: ماذا يحقق؟ ماذا يسدد؟ ما الفجوة؟ ومن يتحملها؟
وإذا كشفت الأرقام أن بعض المشروعات لا تستطيع خدمة ديونها بالكامل، فالحل ليس إخفاء الحقيقة، وإنما إدارة الأصل بكفاءة أعلى: زيادة الاستخدام، وتنمية الإيرادات غير المرتبطة بالتذاكر، واستغلال الأصول والمحطات تجاريًا، وإشراك القطاع الخاص حيث تكون المشاركة مجدية، وإعادة هيكلة الالتزامات عند الضرورة، ومنع تراكم ديون جديدة قبل معالجة فجوة التمويل القديمة.
أما المشروعات الجديدة، فيجب أن تمر ببوابة أشد صرامة.
وفي النهاية.. من يدفع؟
الاقتراض من أجل التنمية يمكن أن يكون استثمارًا في المستقبل، لكن بشرط ألا يتحول المستقبل نفسه إلى ضمان للقرض.
ومن حق وزارة أو هيئة تمتلك إيرادات دولارية أن تستخدمها في تمويل استثماراتها وخدمة ديونها. لكن من حق المجتمع أيضًا أن يعرف، بالأرقام، نسبة ما تغطيه هذه الإيرادات من خدمة الدين، وما الذي يحدث إذا انخفضت، وما مقدار الالتزام الذي يمكن أن يعود إلى الخزانة العامة.
فالجدل الحقيقي ليس بين من يريد التنمية ومن يخشى الديون.
إنه بين نموذجين للتنمية: نموذج يبدأ بالمشروع ثم يبحث عن كيفية تمويله، ونموذج يبدأ بالسؤال عن الأولوية والعائد والقدرة على السداد والمخاطر قبل اتخاذ قرار المشروع.
والقاعدة التي أثبتتها تجارب العالم بسيطة: المشروع العام الناجح ليس الأكثر تكلفة ولا الأكثر إبهارًا، وإنما المشروع الذي يحقق أكبر قيمة اقتصادية واجتماعية ممكنة مقابل كل جنيه تتحمله الدولة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يصاحب كل قرض جديد ليس فقط: ماذا سنبني به؟
بل ثلاثة أسئلة أكثر أهمية:
من سيسدد؟ ومن يتحمل المخاطر إذا أخفقت التوقعات؟ وهل كان هذا هو أفضل استخدام ممكن للدَّين في هذا التوقيت؟
عندما تصبح الإجابات عن هذه الأسئلة معلنة وقابلة للقياس والمساءلة، لا يعود النقاش حول مشروعات النقل صراعًا بين مؤيد ومعارض، وإنما يتحول إلى ما يجب أن يكون عليه أصلًا: اختيار رشيد بين بدائل التنمية، حتى نبني للأجيال القادمة أصولًا تنتج، لا التزامات يدفعون ثمنها.
